اليوم العالمي للترجمة.. جسور تربط العالم بالكلمات
الدوحة في 28 سبتمبر /قنا/ في عالم متسع ومتشابك ومتعدد اللغات والألسن، باتت الترجمة جسرا متينا بين الشعوب والثقافات، يمكن من خلاله جعل العالم قرية صغيرة متفاهمة ومتقاربة، ولاتهدف الترجمة لنقل الكلمات والجمل والعبارات من لغة إلى أخرى، بل هي فن يحمل في طياته روح الشعوب، وينقل أفكارها وأحلامها، ويجسد قيمها ومعتقداتها، ليتمكن بنو البشر في كل مكان، من استكشاف عوالم جديدة وفهم الآخر بدقة وعمق، لبناء عالم يسوده السلام والإبداع المشترك.
وتعد الترجمة حجر الأساس في نشر السلام بين الأمم والشعوب، رغم الحروب التي تنشب بينهم من حين لآخر، ففي المناقشات حول الطاولات وفي الغرف الخلفية وفي حفلات العشاء الرسمية والاجتماعات غير الرسمية وحيثما تلتقي الدول والثقافات، يكون المترجمون التحريريون والمترجمون الشفويون هناك يربطون بين عوالم مختلفة، فهم لاعبون أساسيون في الحوار ومع تدفق العولمة إلى كل ركن من أركان العالمين الافتراضي والمادي وتصاعد التوترات الجيوسياسية والثقافية، فقد باتت الترجمة الدقيقة والمهنية تقوم بدور الوساطة في الحواجز الثقافية واللغوية المحتملة في السياسة والأمن القومي والدبلوماسية وكذلك بين الدول والمجتمعات.
وفي الثلاثين من سبتمبر من كل عام، تحتفل مختلف الدول والبلدان باليوم العالمي للترجمة، وهو مناسبة سنوية أقرتها الأمم المتحدة عام 2017 لتكريم دور الترجمة في تعزيز التواصل، ونشر المعرفة، وتعميق التفاهم الثقافي بين الشعوب، ولا يعد الاحتفال بهذه المناسبة احتفالا باللغات فقط، بل بقدرة الإنسان على بناء جسور من الكلمات تربط بين بني البشر وتزرع في علاقاتهم بذور السلام، ومنذ عام 1991 بدأ الاتحاد الدولي للمترجمين الاحتفال الرسمي سنويا بهذه المناسبة، بينما صادقت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2017 على إقرار هذا اليوم الدولي والاحتفاء به، حيث وقعت على مسودته إحدى عشرة دولة بينها دولة قطر.
ويحتفل بهذا اليوم في العام الحالي 2025، وفقا للاتحاد الدولي للمترجمين، تحت شعار: الترجمة، صياغة مستقبل جدير بالثقة، خاصة في ظل الظروف العالمية المضطربة، حيث غالبا ما يكون السلام على المحك، وتتعرض الاتصالات والعلاقات الدولية لانعدام الثقة، ويسلط الشعار الضوء على الدور المهم للثقة البشرية، وتحديدا، دور المترجمين التحريريين والشفويين وخبراء المصطلحات في ضمان تواصل موثوق، وبناء الحوار والثقة بين الأطراف المعنية، والإشراف على النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي والترجمة الآلية.
وتكمن أهمية هذا اليوم في إبراز دور المترجمين في تعزيز الحوار بين الثقافات، حيث تذيب الترجمة الحواجز اللغوية، مما يسمح بتبادل الأفكار والقيم بين الشعوب، كما تكمن في دعم التنمية المستدامة، من خلال ترجمة الوثائق العلمية والتقنية، ذات العلاقة، بالإضافة إلى الحفاظ على التراث الثقافي، عبر ترجمة الأدب والنصوص التاريخية حفاظا على الهوية الثقافية ونقلها عبر الأجيال.
ويسلط اليوم العالمي للترجمة الأضواء على المترجمين، ويركز على الإشادة بدورهم في جميع أنحاء العالم، جاذبا الانتباه لما يقدمونه من جهود تخدم العالم بأسره، حيث إن نقل الأعمال الكتابية أو النصوص الهجائية من لغة لأخرى عملية في غاية الدقة، وفي غاية الأهمية فهي التي تبني جسرا من لغتين ربما لا يشتركان في حرف واحد.
وفي السياق التطويري للاهتمام ببناء جسور التفاهم والتواصل بين مختلف الثقافات والمجتمعات الإنسانية، بادرت دولة قطر بتأسيس "جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي" عام 2015، إسهاما منها برعاية الترجمة بين اللغة العربية ومختلف لغات العالم، وباتت هذه الجائزة بعد سنوات قليلة من انطلاقها، أهم وأكبر جائزة ترجمة في المنطقة.
وقد تأسست الجائزة بالتعاون مع منتدى العلاقات العربية والدولية، وهي جائزة عالمية يشرف عليها مجلس أمناء مستقل، ولجان تحكيم محايدة، ولجنة تسيير احترافية تشكلت لهذا الغرض.
وتسعى الجائزة إلى تكريم المترجمين وتقدير دورهم عربيا وعالميا في مد جسور التواصل بين الأمم والشعوب، وفي تمتين أواصر الصداقة والتعاون بين أمم العالم وشعوبه، ومكافأة التميز، وتشجيع الإبداع، وترسيخ القيم السامية، وإشاعة التنوع والتعددية والانفتاح، كما تطمح إلى تأصيل ثقافة المعرفة والحوار، ونشر الثقافة العربية والإسلامية، وتنمية التفاهم الدولي عبر فعاليات الترجمة والتعريب.
وتحتفل دولة قطر باليوم العالمي للترجمة عبر فعاليات تنظمها عدة جهات ثقافية مثل وزارة الثقافة والملتقى القطري للمؤلفين، وذلك لإبراز أهمية دور المترجمين في بناء جسور التفاهم والتواصل بين الثقافات والشعوب.
وفي هذا السياق، وتحت عنوان "الترجمة في عالم متغير بين واقع الحال وآفاق المستقبل"، ينظم مركز الترجمة والتدريب بجامعة حمد بن خليفة بالتعاون مع قسم اللغة والثقافة والاتصال في كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بالجامعة، مؤتمرا للاحتفاء باليوم الدولي للترجمة 2025.
وتهدف الفعالية التي ستقام في الأول والثاني من أكتوبر المقبل إلى استكشاف دور كل من الترجمة والترجمة الفورية في التواصل بين الثقافات، وحفظ التراث، وتعزيز التفاهم العالمي، إلى جانب تسليط الضوء على المساهمات النوعية للكلية في البحوث والتطوير المهني والتوعية العامة في هذا المجال، من خلال استضافة متحدثين متميزين لمشاركة رؤاهم حول الموضوع.
وتتحدث شعوب الأرض بأكثر من 7000 لغة، وكثير منها مهددة بالانقراض، ويمكن أن تساعد الترجمة الآلية في الحفاظ على هذه اللغات وتعزيزها من خلال جعلها في متناول جمهور أوسع، ووفق الأبحاث التاريخية فإن أول حضارة عرفت الترجمة هي حضارة ما بين النهرين، وكانت عبارة عن معجم مكتوب فيه مجموعة كلمات وتقابلها معانيها، كما يقال أيضا إن الرومان أول من باشر مهنة الترجمة عام 4000 قبل الميلاد، أما في العصر الحديث، فقد خطت الترجمة خطوة غير مسبوقة، حيث بدأت كبرى الشركات العالمية في إنشاء أنظمة الترجمة الآلية المرتبطة بالإنترنت، ومن المحتمل أن يكون مستقبل الترجمة اللغوية مزيجا من الترجمة البشرية والترجمة الآلية، لإنتاج أفضل الترجمات الممكنة، ومع ذلك سيظل المترجمون البشريون في صميم هذه العملية، حيث يضيفون الروح والإبداع إلى مختلف النصوص من جميع لغات الأرض.
English
Français
Deutsch
Español