الضمانات الأمنية محور نقاشات الأطراف الدولية لتسوية الحرب الروسية - الأوكرانية
الدوحة في 21 أغسطس /قنا/ باتت قضية الضمانات الأمنية التي تطالب بها كل من روسيا وأوكرانيا لإنهاء الحرب الدائرة بينهما منذ عام 2022 تمثل حجر الزاوية من النقاشات المهمة التي أعقبت لقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، ثم ما تلاه من اجتماع ترامب مع الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي برفقة قادة من الاتحاد الأوروبي ورئيس الوزراء البريطاني خلال الأسبوع الجاري والتي حركت مياه الحلول الراكدة بشكل فعلي لأول مرة.
وتطالب موسكو بإشراك ممثليها مباشرة في أي نقاشات بشأن آفاق الصراع والمتطلبات الجيوسياسية لمستقبل الحدود بين البلدين وشكل الترتيبات الأمنية التي ستضمن إنهاز الخلافات وعدم تكرارها، حيث انتقد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف حديث القادة الأوروبيين حول الضمانات الأمنية لأوكرانيا التي يمكن أن تفضي إلى إنهاء الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات، قائلا "إن محاولات حل القضايا الأمنية المتعلقة بأوكرانيا دون مشاركة موسكو لن تقود لشيء ولن تجدي نفعا".
وأكدت موسكو مجددا هذا الأسبوع رفضها لأي سيناريوهات تنطوي على نشر قوات لحلف شمال الأطلسي في أوكرانيا، موجهة سهام انتقادها نحو القادة الأوروبيين الذين اجتمعوا مع ترامب وزيلينسكي وعدتها "تصعيداً عدوانياً إلى حد ما للوضع، ومحاولات خرقاء وغير أخلاقية بشكل عام لتغيير موقف إدارة ترامب ورئيس الولايات المتحدة شخصيا"، وأنها لم تسمع أفكارا بناءة من الأوروبيين هناك.
وتشدد روسيا أيضا على أن أي تسوية سلمية يجب أن تضمن أمنها وأمن الناطقين بلعتها في أوكرانيا، وهي من أهم الأسباب التي أدت لاندلاع الحرب بين البلدين منذ أكثر من ثلاث سنوات.
وفي الطرف الآخر من الأزمة، ذكر زيلينسكي أن حلفاء بلاده الغربيين سيقدّمون إليه خلال 10 أيام قائمة ضمانات أمنية تقيها أي هجوم روسي جديد في حال توصلها إلى اتفاق سلام مع روسيا، ويجري هذا مع نقاشات ضمت مستشارين عسكريين أمريكيين وأوروبيين بشأن متطلبات الضمانات الأمنية لكييف في مرحلة ما بعد الصراع.
وعلى ذات الخط، كشف لأميرال جوزيبي كافو دراجوني رئيس اللجنة العسكرية لحلف الناتو أن القادة العسكريين للدول الأعضاء عقدوا مؤتمرا عبر الفيديو أمس الأربعاء، أجروا نقاشا واسعا وصريحا حول نتائج أحدث المحادثات بشأن أوكرانيا، معتبرا أن الأولوية لا تزال هي السلام العادل والموثوق والدائم.
وعلى صعيد متصل، عقد الجنرال دان كين رئيس الأركان الأمريكي محادثات مع عدد من نظرائه الأوروبيين مساء الثلاثاء في واشنطن محادثات بشأن أوكرانيا تركزت على الوصول إلى أفضل الخيارات لاتفاق سلام محتمل في أوكرانيا، ليخرج بعدها الجنرال ألكسوس غريتكفيتش القائد العسكري لقوات الناتو في أوروبا ويقول إنه سيقدم إحاطة حول الوضع الأمني الراهن بالتزامن مع تقدّم الجهود الدبلوماسية لضمان السلام في أوكرانيا.
وكانت كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض قد أكدت، في تصريحات عقب لقاء الرئيس ترامب بطرفي النزاع، أن الدعم الجوي الأمريكي لحماية الأراضي الأوكرانية عقب إنهاء النزاع يعد "خياراً واحتمالاً"، لكنها شددت على أن واشنطن لن ترسل قوات برية على الأرض في أوكرانيا، غير أنها ستقدم المساعدة في التنسيق وربما تقديم وسائل أخرى من الضمانات الأمنية للحلفاء الأوروبيين.
من جانبه، أبرز أندريه يرماك مدير مكتب الرئيس الأوكراني أن العمل جار على العنصر العسكري للضمانات، حيث تعمل بلاده أيضا على وضع خطة مع حلفائها بشأن كيفية المضي قدما في حال استمر الجانب الروسي في إطالة أمد الحرب.
ويتقاسم القادة الأوروبيين تلك المخاوف مع أوكرانيا، ولا يخفون المحاذير من التهديدات الروسية المستقبلية للقارة الأوروبية، خاصة بعد الاتهام الصريح للرئيس الفرنسي إيمانويل مكرون لنظيره الروسي فلاديمير بوتين بأنّه خطر على أوروبا بأكملها.
ولا تزال مسألة التنازلات التي تطالب بها موسكو عالقة إلى حد كبير وتمثل أبرز العقبات أمام الحل النهائي، حيث تحتل القوات الروسية حوالى 20 في المئة من الأراضي الأوكرانية، وتطالب بنسيان استعادة منطقة القرم ومينائها الاستراتيجي التي سيطرت عليها منذ عام 2014.
وأعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن تنظيم اجتماع مع بريطانيا حول ما يسمى "تحالف الراغبين" الذي يجمع "البلدان الثلاثين التي تعمل على وضع ضمانات أمنية بغية إطلاعها على ما تقرّره نتيجة المباحثات بين أمريكا وروسيا وأوكرانيا، مؤكدا أن تنازل أوكرانيا عن أراض تابعة لها لتسوية الصراع يعود لها.
ويشدد الأوروبيون على عدم قبول إجبار كييف على التنازل عن أي أراضٍ لها تخضع حالياً لسيطرة القوات الروسية، حيث أبرز المستشار الألماني فريدريش ميرتس أنه لا ينبغي إجبار حليفه الأوكراني على تقديم تنازلات عن الأراضي، فيما ينحو الرئيس الأمريكي ترامب منحىً مغايراً نسبياً ويتحدث عن العقلانية وتقديم التنازلات، حيث دعا علانية نظيره الأوكراني إلى إظهار "مرونة" عبر حلّ هذه المشكلة، خصوصا في ما يتعلق بمنطقة "دونباس" التي تمثل عقدة المواصلات وحلقة الربط بين روسيا والإقليم الأوكراني الذي يضم سكاناً يتحدث نسبة كبيرة منهم اللغة الروسية وتسيطر روسيا أغلب مساحته.
وبموجب مسودة الضمانات الأمنية التي تم مناقشتها بين ممثلي روسيا وأوكرانيا في مدينة إسطنبول في عام 2022، خلال الأسابيع الأولى للحرب، والتي أشار لها لافروف مجدداً هذا الأسبوع، تحصل أوكرانيا على ضمانات أمنية من مجموعة بلدان منها الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، لكن كييف رفضت آنذاك هذا الاقتراح قائلة إن موسكو ستمتلك حق النقض الفعلي على أي رد عسكري لنجدتها.
وبينما يهدف الرئيس ترامب لترتيب عقد اجتماع جديد بين الرئيسين الروسي والأوكراني تتلوها قمة محتملة بين الرؤساء الثلاثة في منطقة محايدة، تطوعت سويسرا والنمسا باستضافتها، فإن المناقشات ستزداد سخونة مع دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ فعلياً وترسيم الحدود الجديدة المفترضة، إذ قللت موسكو مجددا من شأن التكهنات حول هذه القمة الوشيكة المحتملة، مؤكدة أن مثل هذا الاجتماع يجب أن يتم الإعداد له بعناية فائقة.
وكان الرئيس بوتين قد اقترح عقد اللقاء في موسكو بهدف إنهاء الحرب في أوكرانيا، خلال محادثة هاتفية بينه والرئيس الأمريكي على هامش مباحثات في واشنطن، لكن زيلينسكي رفض المقترح، وأيد القادة الأوروبيون، وأبلغوا ترامب أن اقتراح بوتين "لا يبدو فكرة جيدة".
وعدا قضية الضمانات الأمنية، فإن مسار الحرب ويوميات القصف بين الطرفين لم يتوقفان رغم المفاوضات الشاقة والنقاشات المضنية، حيث حذر الرئيس الأوكراني من أن القوات الروسية تعزز قواتها على طول خط الجبهة الجنوبي في منطقة زابوروجيا التي تطالب موسكو بضمها، في الوقت الذي أعلن فيه الجيش الروسي أمس الأربعاء سيطرته على ثلاث بلدات في شرق أوكرانيا، مواصلا تقدمه على خط الجبهة.
وفي الطرف الآخر، ذكرت وزارة الدفاع الروسية أن قواتها سيطرت على بلدات سوخيتسكي وبانكيفكا في منطقة دونيتسك شرقي أوكرانيا، فضلا عن نوفوغيورغييفكا بمنطقة دنيبروبيتروفسك الواقعة في الوسط الشرقي، قبل أن يعلن زيلنسكي عن اختبار بلاده صاروخا من طراز "كروز" بعيد المدى يعرف باسم "فلامنغو" يمكنه ضرب أهداف على مسافة 3 آلاف كيلومتر، مشيرا إلى أن إنتاجه بكميات ضخمة قد يبدأ في فبراير المقبل، وذلك تزامناً مع حديثه عن تعزيز القوات الروسية وجودها ونقل جزء من قواتها من كورسك إلى زابوروجيا في مؤشرات ميدانية قد تعقد أو تصعف بالجهود الدبلوماسية لإسكات آلة الحرب التي راح ضحيتها، وفقا لتقارير مستقلة، أكثر من مليون ضحية من الجانبين.
English
Français
Deutsch
Español