أوروبا في قبضة القيظ.. موجة حر استثنائية تعصف بالقارة وتحمل معها نذرا كارثية
الدوحة في 03 يوليو /قنا/ دخلت أوروبا صيف عام 2025 وهي تتأرجح على شفا أزمة بيئية وصحية مع اشتداد واحدة من أعنف موجات الحر في تاريخها الحديث، إذ اجتاحت موجة قيظ مبكرة وغير مسبوقة القارة من جنوبها إلى شمالها، متسببة في اضطرابات اجتماعية واقتصادية، ومؤكدة مرة أخرى أن تغير المناخ لم يعد تهديدا مستقبليا، بل بات واقعا حيا يفرض نفسه بقسوة.
وتشهد القارة الأوروبية موجة حر استثنائية وغير مسبوقة من حيث التوقيت والاتساع الجغرافي والحدة دفعت السلطات الصحية والبيئية إلى حالة استنفار شاملة، بينما تتوالى التحذيرات من خبراء الأرصاد والمناخ بشأن تداعيات هذه الظاهرة التي باتت توصف بـ"القاتل الصامت" وسط ترجيحات بأن تصبح هذه الموجات أكثر شيوعا مستقبلا بفعل التغير المناخي المرتبط بالنشاط البشري.
وتكشف هذه التغيرات المناخية غير الاعتيادية عن تنامي ظاهرة الاحتباس الحراري وتأثيرها البالغ على الحياة البشرية، وما باتت تمثله من خطر حقيقي على صحة الإنسان لا في أوروبا فحسب بل في كافة مناطق العالم، وهو ما تكشفه ظاهرة التطرف المناخي التي تضرب الشرق والغرب على حد سواء، تاركة وراءها أعدادا كبيرة من الضحايا والخسائر الاقتصادية بمليارات الدولارات.
فرغم أن شهر يوليو كان دوما من أكثر شهور العام حرارة في نصف الكرة الشمالي، إلا أن ما حدث في بداية هذا الصيف تجاوز التوقعات، حيث قفزت درجات الحرارة إلى مستويات قياسية مبكرة منذ أواخر يونيو الماضي، مع تسجيل أكثر من 40 درجة مئوية في مدن تعرف ببرودتها على غرار "مانهايم" الألمانية و"مدريد" الإسبانية و"روما" الإيطالية و"باريس" الفرنسية.
وشهدت هذه الدول، وفقا لهيئات الأرصاد الجوية في فرنسا وألمانيا وإيطاليا، ما وصفته بـ"أكثر بداية لصيف حارة على الإطلاق"، مشيرة إلى أن يونيو الماضي كان الأشد حرارة منذ بدء التسجيلات المناخية في القرن التاسع عشر، متجاوزا أرقاما قياسية سابقة سجلت في عامي 2019 و2023.
وكانت أكثر الدول تضررا في المرحلة الأولى من موجة الحر إسبانيا والبرتغال وإيطاليا وفرنسا وألمانيا وبلجيكا وهولندا وإنجلترا مع توسع الظاهرة لاحقا لتشمل سويسرا والنمسا وشرق أوروبا، حيث أرجعت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية موجة الحر الحالية إلى نظام ضغط جوي مرتفع ثابت يعمل على "حبس" الهواء الساخن القادم من شمال إفريقيا فوق أوروبا، لكن الأهم من ذلك هو تغير المناخ الناجم عن حرق الوقود الأحفوري مثل الفحم والنفط والغاز، وما تسبب به من زيادة تواتر وشدة موجات الحر، وامتدادها إلى فصول وأماكن لم تكن تشهدها سابقا.
وتشير البيانات إلى أن شهر يونيو الماضي كان من بين أكثر خمسة أشهر يونيو حرارة في التاريخ المسجل على صعيد القارة، وسجل البحر الأبيض المتوسط أعلى حرارة سطحية له في يونيو بمتوسط 26.01 درجة، وهو ما يرفع حرارة الهواء فوق اليابسة المجاورة، كما أن تحسن نوعية الهواء (بفضل التشريعات البيئية) قلل من تلوث الهباء الجوي، ما جعل السماء أكثر صفاء وسمح بمرور مزيد من أشعة الشمس، وبالتالي زادت درجات الحرارة.
وتبدو المفارقة جلية في أن تحسن جودة الهواء، نتيجة التشريعات البيئية، ساهم في ارتفاع حرارة السطح، إذ إن انخفاض تلوث الهباء الجوي جعل السماء أكثر صفاء، ما يعني مزيدا من أشعة الشمس ومزيدا من السخونة، إذ يرى مرصد "كوبرنيكوس" الأوروبي أن تغير المناخ المرتبط بحرق الوقود الأحفوري هو السبب الرئيسي وراء تكرار موجات الحر واشتدادها وتمددها في الزمان والمكان، إذ أصبحت تضرب في فترات أبكر وأماكن أكثر شمالا من المعتاد.
من جهتها، وصفت منظمة الصحة العالمية الحرارة الشديدة بأنها "القاتل الصامت"، مشيرة إلى أن الإحصاءات الرسمية لا تعكس حجم الضحايا الحقيقي نظرا لصعوبة إسناد الوفاة مباشرة إلى الحرارة.
ففي فرنسا، أعلن عن وفاة شخصين على الأقل، بينما تلقى أكثر من 300 شخص إسعافات أولية جراء الإنهاك الحراري، بينما أفادت نقابة الأطباء قي إيطاليا بزيادة حالات دخول الطوارئ بنسبة 10بالمئة، معظمهم من كبار السن والمصابين بأمراض مزمنة، ولم يكن الوضع مختلفا في إسبانيا، حيث توفي طفل في الثانية من عمره بعد أن ترك في سيارة مغلقة تحت الشمس، وسجلت أربع حالات وفاة أخرى بسبب ضربات الشمس.
وخصصت المدن الكبرى ملاجئ مكيفة للمتضررين، ووفرت سيارات إسعاف في النقاط السياحية، بينما أنشأت بعض المستشفيات وحدات طوارئ خاصة للتعامل مع المصابين بضربات شمس، كما في نابولي الإيطالية.
ولم تقف تداعيات موجة الحرارة الشديدة عند الجانب الصحي فحسب، بل شملت النقل والتعليم والعمالة، حيث تأثرت حركة القطارات في ألمانيا بسبب تمدد السكك، فيما ذاب إسفلت الطرقات، وأغلقت في فرنسا أكثر من 2200 مدرسة أبوابها، وجرى تعليق بعض الأنشطة العامة، تماما كما حصل في هولندا حين أغلقت المدارس مبكرا بينما عانت شبكة الكهرباء من انقطاعات متكررة، وأعلنت في إيطاليا حالة الإنذار الأحمر في 21 مدينة، وسط استنفار لمراكز الإطفاء لمواجهة حرائق محتملة.
وقدر خبراء الاقتصاد أن تصل خسارة الاقتصاد الأوروبي إلى 0.5 بالمئة من نسبة نموه الاجمالية هذا العام بسبب موجات الحر، خاصة نتيجة انخفاض الإنتاجية وزيادة كلفة الطاقة واضطراب سلاسل التوريد.
وفي بريطانيا، شهد الربيع شحا في الأمطار ما أدى إلى موسم زراعي هو الأصعب منذ 50 عاما، بينما حذر المزارعون الفرنسيون من جفاف التربة وموت النباتات مبكرا، بينما تعرضت المواشي لإجهاد حراري أدى إلى انخفاض إنتاج الحليب واللحوم.
ورغم شراسة الموجة، لم تقف المجتمعات مكتوفة الأيدي بل ابتكرت وسائلها الخاصة للتكيف، ففي فرانكفورت عمد المدرسون إلى إعطاء الحصص فقط صباحا، وفي مدريد يستفيق السكان عند الفجر لتجنب ذروة الحر، وفي والونيا البلجيكية نظمت ألعاب مائية لتخفيف الحر على الأطفال، وفي روما فتحت المسابح العامة مجانا لمن تجاوزوا السبعين، أما في بولونيا فأنشئت "ملاجئ مناخية" مكيفة الهواء تضم مياه شرب وخدمات طبية، غير أن ذلك لم يحول دون اندلاع حرائق غابات في البرتغال وإيطاليا وإسبانيا، حيث أكدت السلطات أنها تراقب أكثر من 200 موقع معرض للاشتعال.
في غضون ذلك، أكدت تقارير أن الطبقات الفقيرة والمتوسطة في جنوب أوروبا لا تملك رفاهية تكييف الهواء، ولا المنازل المجهزة لمواجهة موجات القيظ، ما جعل المجتمعات الريفية أو التي تفتقر للبنية الأساسية تواجه خطرا أكبر في مواجهة موجات الحر، ما يطرح أسئلة حول "العدالة المناخية".
ووفق تقارير هيئة الأرصاد البريطانية، فقد شهدت البلاد الشهر الماضي ثاني أكثر أشهر يونيو حرا منذ 1884، بينما سجلت فرنسا ثاني أكثر شهر يونيو حرا بعد 2003، فيما يقول علماء المناخ إن أوروبا باتت تسخن بمعدل أسرع من المتوسط العالمي، حيث سجلت خلال الأعوام الماضية موجات حر قياسية في أشهر مايو ويونيو وسبتمبر التي تعتبر فترات قبل وبعد فصل الصيف وتعرف بحرارتها الربيعية أو الخريفية.
وخلال مؤتمر صحفي بجنيف، قالت كلير نوليس المتحدثة باسم المنظمة العالمية للأرصاد الجوية إن "ما يحدث الآن هو المستقبل.. لكنه سيكون أسوأ إن لم نتحرك"، مضيفة "لدينا الأدوات والمعرفة لحماية الأرواح، ولكن يجب أن تستخدم بجدية وصرامة".
ودعت المنظمة إلى تحديث خطط الإنذار المبكر وتحسين المدن لتصبح صديقة للبيئة وحظر البناء دون عزل حراري وتطوير بنية تحتية قادرة على الصمود أمام حرارة مرتفعة، خاصة أن موجات الحر لم تعد حدثا موسميا طارئا، بل تحولت إلى ظاهرة دائمة تتحدى نمط الحياة في القارة، وتضع الحكومات أمام مسؤولية تاريخية.
واعتبر علماء المناخ حر يوليو الجاري ليس مجرد خبر مناخي، بل هو إنذار مفزع بأن "القيظ الجديد" بات هو الوضع الطبيعي القادم، في وقت تؤكد الأمم المتحدة أن "الوفاة بسبب الحر يمكن تجنبها"، إلا أن هذا يتطلب استعدادا متزايدا وتحركا عاجلا للحد من التغير المناخي عبر خفض الانبعاثات الكربونية وتحويل أنظمة الطاقة.
ووسط ارتفاع حرارة الكوكب، لم يعد سؤال "هل سنشهد موجات حر أخرى؟" هو أساس كل النقاشات حول المناخ بل بات التساؤل الأصوب والملح هو هل سنكون مستعدين لها؟، وهل تتخذ الحكومات هذه الموجات كجرس إنذار كاف للانتقال إلى سياسات أكثر استدامة؟ أم تظل هذه الحوادث تتكرر على وقع مفردات كغير مسبوقة واستثنائية وقاتلة في مواسم الصيف المتلاحقة؟
English
Français
Deutsch
Español