قمة الأمم المتحدة لأنظمة الغذاء في أديس أبابا .. مسارات عالمية للقضاء على الجوع
الدوحة في 26 يوليو /قنا/ في ظل التحديات المتفاقمة التي تهدد الأمن الغذائي العالمي وتداعيات تغير المناخ على نظم الإنتاج الزراعي والغذائي، تتجه الأنظار غدا الأحد نحو العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، حيث تنعقد قمة الأمم المتحدة لأنظمة الغذاء، تحت شعار: "بناء نظم غذائية مرنة ومستدامة للقضاء على الجوع".
وتنظم القمة بالشراكة بين إثيوبيا وإيطاليا والأمم المتحدة، وسط مشاركة دولية رفيعة المستوى، تشمل عددا من رؤساء الدول والحكومات، والسيد أنطونيو غوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة، إلى جانب وزراء، وخبراء، وممثلين عن منظمات المجتمع المدني، وشباب مناصرين لقضايا الغذاء والتنمية من مختلف أنحاء العالم.
وتأتي القمة في توقيت بالغ الحساسية، إذ تتزايد تأثيرات الحروب والصراعات المسلحة على الأمن الغذائي العالمي، من خلال تعطيل سلاسل الإمداد، وتدمير البنى التحتية الزراعية، وتهجير المجتمعات، ما يؤدي إلى تفاقم الأزمات الإنسانية في عدد من مناطق العالم.
وفي ظل هذه الظروف، تبرز الحاجة الملحة إلى سياسات فعالة تعزز نظم الغذاء وتدعم قدرة الدول، لاسيما النامية والأقل نموا، على التكيف مع الأزمات المتعددة، وفي مقدمتها تغير المناخ، الذي لا يقل خطورة عن الصراعات المسلحة في تهديده للأمن الغذائي والاستقرار.
وستتناول الجلسات العامة، والموائد المستديرة الوزارية، وحلقات النقاش التي يشارك فيها خبراء من مختلف التخصصات، مجموعة من المواضيع المحورية، من بينها الزراعة الذكية مناخيا، والحوكمة الشاملة، وآليات التمويل، وحقوق المجتمعات المهمشة.
وستركز القمة، التي تستمر حتى الثلاثاء المقبل، على صياغة حلول مبتكرة لمعالجة التداعيات المترتبة على النزاعات المسلحة والتغيرات المناخية، فضلا عن مواجهة التحديات المرتبطة بسلامة الأغذية، والتي تؤثر على حياة ملايين الأشخاص سنويا.
كما تهدف القمة إلى تحفيز تعبئة الموارد المالية، بما في ذلك إعادة هيكلة الديون، وتقييم ما تحقق من الالتزامات التي أعلنت خلال قمة نظم الأغذية الأولى التي عقدت في روما عام 2021، مع التركيز على النجاحات، والعوائق، والفجوات في تنفيذ المسارات الوطنية لتحويل النظم الغذائية.
ومنذ قمة روما، اعتمدت 127 دولة مسارات تحول وطنية وقد أحرز العديد منها تقدما لافتا، فيما لا تزال دول أخرى تواجه انتكاسات كبيرة نتيجة للصدمات المناخية، والنزاعات، وعدم الاستقرار الاقتصادي، إضافة إلى الآثار الممتدة لجائحة كوفيد-19.
وستوفر قمة أديس أبابا منصة حيوية للتفكير في المسارات الوطنية التي تم اعتمادها، وتقييم التقدم المحرز في تنفيذها على أرض الواقع فيما سيطلع المشاركون على تقارير مرحلية، وينخرطون في جلسات رفيعة المستوى لمناقشة استراتيجيات متعددة تهدف إلى توفير ما يقدر بـ 300 إلى 400 مليار دولار من الاستثمارات السنوية اللازمة لتحويل النظم الغذائية العالمية نحو الاستدامة.
وتندرج قمة أديس أبابا في إطار الجهود المتواصلة التي تقودها الأمم المتحدة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وعلى رأسها القضاء على الجوع بحلول عام 2030، وتمثل نقطة تحول محورية، خاصة مع اقتراب الموعد النهائي بعد خمس سنوات فقط، مما يضاعف الحاجة إلى إجراءات ملموسة وتسريع وتيرة التنفيذ.
وتهدف القمة إلى تبادل النجاحات العملية في بناء نظم غذائية مستدامة، شاملة ومرنة، إلى جانب تقييم التقدم المحرز عالميا في هذا المجال الحيوي.
وفي هذا السياق، تعتزم إثيوبيا تقديم تجربتها الوطنية في تحول نظم الغذاء، لاسيما ما حققته في السنوات الأخيرة من إنجازات بارزة، تمثلت في تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح، وخططها الراهنة للتحول من دولة مستوردة إلى مصدرة لهذه السلعة الاستراتيجية، من خلال تعزيز الإنتاج والإنتاجية الزراعية.
وتمثل القمة فرصة حاسمة لتعزيز الجهود العالمية نحو تحقيق الأمن الغذائي والقضاء على الجوع، من خلال التركيز على التعاون الدولي، وتعبئة الموارد، ودعم المبادرات المحلية، ومن المنتظر أن تشهد القمة إطلاق تحالفات جديدة بين القطاعين العام والخاص لتمويل مشاريع الزراعة المستدامة وتطوير سلاسل توريد مرنة.
وتأتي هذه القمة في لحظة حرجة، إذ تتفاقم أزمات الأمن الغذائي عالميا نتيجة التغيرات المناخية المتسارعة، والصراعات، إلى جانب الضغوط الاقتصادية التي تعيق الوصول إلى الغذاء.
وتشير التقديرات الأممية إلى أن أكثر من 295 مليون شخص يواجهون الجوع الحاد في 53 دولة، في حين يعاني أكثر من 733 مليون شخص حول العالم من الجوع بمستويات متفاوتة، بينما لا يتمكن أكثر من ثلث سكان العالم من تحمل تكاليف نظام غذائي صحي، وهو ما يسلط الضوء على الحاجة الملحة لإصلاحات جذرية وشراكات فعالة في قطاع الغذاء.
ويزيد التغير المناخي من تفاقم أزمة الأمن الغذائي، حيث أدت الظواهر المناخية المتطرفة إلى ارتفاع حاد في أسعار المحاصيل، مما يشكل تهديدا بالغ الخطورة للفئات الأكثر فقرا حول العالم.
وفي هذا الإطار، حذر مايكل فخري المقرر الخاص المعني بالحق في الغذاء، في مارس الماضي، أغلب دول العالم من تزايد خطر الجوع والمجاعة إذا لم تتخذ إصلاحات جوهرية في نظمها الغذائية.
وأكد خلال تقديمه تقريره الذي حمل عنوان "الحق في الغذاء، والتمويل، وخطط العمل الوطنية" أمام الدورة الـ 58 لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، أن عدم تغيير نظم الغذاء الحالية قد يؤدي إلى استخدام الغذاء كسلاح حرب بشكل متزايد في المستقبل.
ونبه فخري إلى أن فلسطين تشهد أسرع حملة تجويع في التاريخ الحديث، وأن السودان يواجه أكبر موجة جوع ومجاعة معروفة في العصر الحديث، مشددا على أن الجوع ليس نتيجة حتمية لأسباب طبيعية، بل هو نتاج عوامل سياسية واجتماعية واقتصادية متشابكة.
وبدوره أصدر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، في نوفمبر الماضي تقريره حول "التوقعات العالمية 2025"، الذي يقيم احتياجات الأمن الغذائي على الصعيد العالمي، حيث دعا إلى توفير 16.9 مليار دولار أمريكي لسد الفجوة المقلقة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.
وأوضح التقرير أن سلسلة من الأزمات المتداخلة، بما في ذلك تصاعد الصراعات، والظواهر المناخية المتطرفة، والصدمات الاقتصادية، أدت إلى بلوغ مستويات الجوع أرقاما قياسية.
وبين التقرير أن نقص التمويل في عام 2024 أجبر برنامج الأغذية العالمي على تقليص نطاق عملياته، مما أدى في كثير من الأحيان إلى ترك بعض الفئات الأكثر ضعفا دون مساعدة.
وتعد أزمة المناخ واحدة من أكبر التحديات التي تواجه البشرية حاليا، إذ تؤثر بشكل مباشر على الأمن الغذائي العالمي، وقد حذرت تقارير مناخية حديثة من احتمال حدوث نقص حاد في الغذاء مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة العالمية؛ فقد كان عام 2024 الأكثر حرارة في التاريخ، ومن المتوقع أن يستمر هذا الاتجاه خلال عام 2025، ما يزيد من تعقيد الأزمة وتفاقمها.
وفي ظل هذه الظروف، تعتبر قمة أديس أبابا فرصة لإعادة صياغة مستقبل النظم الغذائية العالمية حيث يشير المراقبون إلى أن التعاون المشترك بين الحكومات، والمنظمات الدولية، والمجتمعات المحلية، يمكن أن يمهد الطريق لبناء نظم غذائية أكثر مرونة واستدامة وعدالة، تضمن عدم تخلف أي طرف عن الركب، وتسهم في تحقيق كوكب أكثر ازدهارا وعدالة للجميع.
English
Français
Deutsch
Español