حمامات عكاشة في شمال السودان.. إرث حضاري وسياحي وعلاجي يمتد لقرون
الدوحة في 20 يوليو /قنا/ تعد "حمامات عكاشة"ذ في شمال السودان إرثا حضاريا فريدا يمتد لقرون، حيث تجمع بين القيمة التاريخية والجاذبية السياحية والفوائد العلاجية النادرة.
وهذه الينابيع الحارة من أبرز الشواهد على عراقة الحضارة النوبية؛ إذ تربطها الروايات التاريخية بعهد مملكة نبتة والملك النوبي كاشتا.
ورغم التحديات التي واجهتها حمامات عكاشة من كوارث طبيعية ونقص في الموارد، فقد حافظت على وجودها بفضل جهود المجتمع المحلي، الذي ساهم عبر مبادرات شبابية وتنموية في إعادة تأهيل موقعها، والسعي لتحويلها إلى وجهة سياحية وعلاجية متكاملة.
وتحتفظ "حمامات عكاشة"، الواقعة في محلية دلقو قرب مدينة عبري بالولاية الشمالية، بحزمة من الأسرار التي لم تكشف بعد، فهي تعد من أقدم الينابيع المعدنية الطبيعية في السودان، وتنبع مياهها الحارة من أعماق المرتفعات الغربية، متدفقة منذ آلاف السنين وسط تلال وسهول الحوض النوبي في شمال السودان باتجاه نهر النيل.
وتعد حمامات عكاشة وجهة متفردة تجمع بين عبق التاريخ، وتنوع الجغرافيا، وفلسفة الطب الشعبي، إلى جانب قيمتها الترفيهية، فهي ينابيع طبيعية دافئة تتدفق من باطن الأرض بدرجات حرارة تتراوح بين 38 و45 درجة مئوية، وتتميز بتركيبة غنية بالكبريت والأملاح، تمنحها خصائص علاجية فريدة تعزز صحة الجسم.
وحسب مختصين في العلاج الطبيعي، تعد هذه الحمامات ملاذا فعالا لعلاج الالتهابات المفصلية المزمنة، والروماتيزم، وارتخاء العضلات، فضلا عن مساهمتها في التخفيف من أمراض جلدية مثل الأكزيما والصدفية والبهاق وحب الشباب، ما جعلها حتى اليوم مقصدا ثابتا للباحثين، وطلبة التاريخ، والراغبين في الاستشفاء الطبيعي من داخل السودان وخارجه.
ومن الناحية الجغرافية، تقع حمامات عكاشة في منطقة صحراوية جافة بأقصى شمال السودان، على بعد نحو 775 كيلومترا شمال العاصمة الخرطوم.
وتنبع المياه الحارة من باطن الأرض بشكل طبيعي تماما، وتتجمع في برك صغيرة تحيط بها الكثبان الرملية والتكوينات الجبلية، مما أضفى على المكان طابعا فريدا جذب اهتمام الباحثين في الطب الطبيعي، وأكسبه أهمية متزايدة كوجهة للسياحة البيئية والعلاجية.
وقد ساهم هذا النبع الحار في تنشيط الحركة بقرية عكاشة المجاورة، التي اشتق اسم الحمامات منها، حيث يتدفق النبع داخل جسم مصمم بعناية كغرفة، يبلغ طولها نحو ثلاثة أمتار ونصف، وعرضها مترين، وارتفاعها مترا ونصفا، تحتضن بداخلها هذا المصدر العلاجي الساحر.
ورغم تصنيفها ضمن مناطق الجذب السياحي في السودان، فإن الحمامات لم تحظ بالاهتمام الكافي، نظرا لموقعها النائي وضعف الخدمات الأساسية ووسائل الوصول.
ويعتبر السكان المحليون في الولاية الشمالية والمناطق المجاورة من الزوار الدائمين للحمامات، لا سيما كبار السن والمصابين بمشكلات في المفاصل والعظام.
ومع مرور الزمن وتوسع المعرفة بها، أصبحت الحمامات مقصدا لزوار من ولايات مختلفة مثل الخرطوم ودارفور وكردفان، بالإضافة إلى زوار من دول مجاورة مثل مصر وليبيا وتشاد وغيرها من الدول، كما ساهم السودانيون المقيمون بالخارج، خاصة خلال فترات الإجازة، في تنشيط حركة السياحة العلاجية بالمنطقة.
ووفقا لما نشر في المجلة السودانية للطب الشعبي "عدد ديسمبر 2019"، فقد أدرجت حمامات عكاشة ضمن عدد من الدراسات الصحية المحلية التي تناولت ممارسات الطب الشعبي في السودان.
ورغم الأهمية العلاجية والتاريخية لحمامات عكاشة، فإن الدعم الحكومي لتطوير المنطقة ظل محدودا، فالمنطقة تفتقر إلى البنية التحتية الأساسية من فنادق، ومرافق صحية حديثة، وخدمات سياحية متكاملة، وهو ما أدى إلى ضعف الاستثمارات فيها. ومع ذلك، يبذل السكان المحليون والقطاع الخاص جهودا عبر مبادرات شعبية تهدف إلى الحفاظ على الموقع، وتنظيم زيارات، وتوفير الحد الأدنى من الخدمات، بما في ذلك إقامة نزل سياحية، خصوصا أن فصل الشتاء يشهد ارتفاعا ملحوظا في عدد الزوار من داخل السودان وخارجه.
وفي الإطار ذاته، فإنه من المثير للاهتمام أن منطقة عكاشة لا تحتوي فقط على الحمامات المعدنية، بل تحيط بها عدد من الآثار النوبية القديمة، مثل المعابد التاريخية والمقابر النوبية والصخور المنقوشة باللغة الهيروغليفية القديمة، مما يضيف قيمة سياحية وتاريخية مضاعفة للمنطقة.
من الناحية التاريخية، يعتقد أن حمامات عكاشة كانت معروفة منذ العهد النوبي القديم، حيث تشير بعض الروايات المحلية إلى استخدامها منذ قديم الزمان، وتحديدا في فترة الممالك النوبية (كوش، نبتة ومروي).
وقد أكد باحثون في علم الآثار والطبيعة الجيولوجية أن الينابيع الحارة في منطقة عكاشة هي نتاج تفاعلات جيولوجية تعود لآلاف السنين، ما يدلل على قدمها وأصالتها.
ويرجّح مؤرخون وجود "حمامات عكاشة" إلى عهد الملك النوبي العظيم "كاشتا" إبان مملكة نبتة، وهو أحد الملوك الكوشيين للنوبة، وهو خليفة الملك " ألارا" مؤسس المملكة، غير أن بعض المؤرخين ينظرون إلى الملك كاشتا باعتباره أول ملوك الأسرة الخامسة والعشرين بسبب تمتعه بنفوذ ملحوظ في المنطقة.
وحسب عدد من المصادر، فإن حمامات عكاشة التاريخية تعرضت لفترة طويلة من الإهمال بعد خروج الإنجليز واستقلال السودان، تزامنت مع ظروف طبيعية قاسية، ففي عام 1988، اجتاح فيضان نهر النيل المنطقة، ما أدى إلى طمر الحمامات بطبقات من الطمي استمر وجودها لنحو تسع سنوات دون تدخل يذكر لإعادة تأهيل الموقع.
وفي ظل الغياب المؤسسي، بادرت مجموعة من شباب المنطقة عام 2017 إلى تأسيس "منظمة حمامات عكاشة الخيرية"؛ بهدف إعادة إحياء الحمامات، ومعالجة مشكلات تصريف المياه، وفتح النبع مجددا بعد إجراء مسوحات جيوفيزيائية واستخدام تقنيات حفر ملائمة لطبيعة المنطقة.
من جهتها، تؤكد وزارة الثقافة والإعلام والسياحة في السودان على أهمية تطوير هذا الموقع وتحويله إلى منتجع متكامل يضم فنادق وعيادات وخدمات متكاملة للزوار.
وبناء على العديد من الحقائق العلمية والسياحية، فإنه لا يمكن النظر إلى حمامات عكاشة بوصفها مجرد ينابيع حارة، بل هي شاهد على التقاء الجغرافيا بالتاريخ، وذاكرة حية لتراث نوبي عريق، ومنارة للسياحة البيئية والعلاجية، وصورة صادقة عن ارتباط الإنسان السوداني بأرضه، وإصراره على الحفاظ على كنوزها الطبيعية رغم قسوة الظروف وشح الإمكانيات.
English
Français
Deutsch
Español