اليابان تحدد غدا عبر صناديق الاقتراع خياراتها الاقتصادية والسياسية المقبلة
الدوحة في 19 يوليو /قنا/ يتوجه الناخبون في اليابان، يوم غد الأحد، إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم في انتخابات مجلس الشيوخ، في استحقاق انتخابي يتوقع أن تسهم نتائجه في رسم ملامح التوجهات الاقتصادية للبلاد، وتحديد مسارها السياسي خلال المرحلة المقبلة.
وتجرى هذه الانتخابات كل ثلاث سنوات لانتخاب نصف أعضاء المجلس البالغ عددهم 248 عضوا، حيث يتنافس المرشحون في هذه الدورة على 124 مقعدا، بالإضافة إلى مقعد شاغر. ويشمل هذا الاستحقاق الأعضاء الذين جرى انتخابهم في عام 2019، والذين تنتهي ولايتهم الممتدة لست سنوات، وفقا لما ينص عليه الدستور الياباني.
ويسعى الائتلاف الحاكم، الذي يقوده رئيس الوزراء إيشيبا شيغيرو، إلى الحفاظ على أغلبيته في مجلس الشيوخ، لكن ذلك يتطلب الفوز بما لا يقل عن 50 مقعدا متاحا للتنافس، بالإضافة إلى 75 مقعدا يشغلها الائتلاف، في ظل سعي المعارضة إلى قلب موازين القوى في عدد المقاعد المتنافس عليها لإضعاف قبضة الكتلة الحاكمة على السلطة وإعادة تشكيل مسار سياسات اليابان.
وكان الائتلاف الحاكم قد خسر أغلبيته في مجلس النواب في أكتوبر الماضي، ولذلك فإن المحافظة على سيطرته على مجلس الشيوخ أمر ضروري من أجل إبقاء أجندة سياساته على المسار الصحيح، وتجنب التفاوض مع أحزاب المعارضة بشأن كل بند تشريعي.
ويؤكد مراقبون في طوكيو أن نتائج هذه الانتخابات ستحدد مصير حكومة إيشيبا وقدرتها على تمرير التشريعات الرئيسية مثل الموازنة المالية لعام 2025 وإصلاحات الدستور، لافتين إلى أنه في حال خسارة الائتلاف الحاكم الأغلبية فقد يضطر رئيس الوزراء الحالي للاستقالة أو حل مجلس النواب لإجراء انتخابات مبكرة أخرى.
وترسم استطلاعات الرأي صورة قاتمة لآفاق الائتلاف الحاكم، وتشير إلى أن الحزب الديمقراطي الليبرالي قد يحصل على أقل من 40 مقعدا من أصل 125 مقعدا متاحا، وهو رقم كارثي بالنسبة لحزب اعتاد الهيمنة على السياسة اليابانية لعقود طويلة، ويقول المراقبون في طوكيو إن هذا السيناريو سيضع اليابان في وضع سياسي غير مسبوق، حيث ستحكم حكومة أقلية في كلا مجلسي البرلمان.
وستأتي هذه الانتخابات في ظل تحديات اقتصادية جسيمة تواجه اليابان، أبرزها ارتفاع تكلفة المعيشة والتضخم المستمر، بالإضافة إلى تراجع شعبية رئيس الوزراء شيغيرو إيشيبا إلى أدنى مستوياتها منذ عودة الحزب الديمقراطي الليبرالي للسلطة عام 2012.
وتعتبر قضية ارتفاع تكلفة المعيشة القضية الأولى والأكثر إلحاحا في أذهان الناخبين اليابانيين متفوقة حتى على فضائح الفساد السياسي التي هزت الحزب الحاكم في السنوات الأخيرة، حيث أشارت الأغلبية من الناخبين المحتملين في آخر استطلاع للرأي أجرته هيئة الإذاعة اليابانية إلى تصدر تدابير مواجهة ارتفاع الأسعار البرامج الانتخابية وتمثل أولوية للناخبين، تليها قضايا الضمان الاجتماعي وانخفاض معدل المواليد، في وقت تواجه اليابان لأول مرة منذ عقود معدلات تضخم مستمرة تتجاوز هدف بنك اليابان البالغ 2% في ثلاث سنوات متتالية.
كما شكلت تكاليف الطاقة عبئا إضافيا على الأسر اليابانية، خاصة مع ارتفاع أسعار الكهرباء والغاز نتيجة تقلبات أسعار الطاقة العالمية والتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، حيث اضطرت الحكومة لتقديم دعم مؤقت لفواتير الطاقة، لكن هذه التدابير لم تكن كافية لتخفيف العبء عن الأسر متوسطة ومحدودة الدخل.
وتشكل قضية خفض ضريبة الاستهلاك من 10% إلى مستوى أقل محورا رئيسيا في هذه الانتخابات، فرغم معارضة رئيس الوزراء إيشيبا لهذا الاقتراح أظهرت استطلاعات الرأي أن 68% من الناخبين يعتبرون الموضوع أفضل وسيلة لتخفيف عبء ارتفاع تكلفة المعيشة، مقارنة بـ 18% فقط يفضلون المدفوعات النقدية المباشرة.
وقد وضع هذا التأييد الشعبي الواسع لخفض ضريبة الاستهلاك حكومة طوكيو في موقف صعب، خاصة أن عدة أحزاب معارضة تبنت هذا المطلب كجزء من برامجها الانتخابية.
كما تواجه اليابان تحديا ديموغرافيا غير مسبوق مع تسارع شيخوخة المجتمع وانخفاض معدلات المواليد إلى مستويات تهدد الاستدامة الاقتصادية والاجتماعية طويلة المدى، فقد تجاوزت نسبة السكان فوق سن 65 عاما 30% من إجمالي السكان لتمثل أعلى نسبة في العالم، مقابل انخفاض معدل المواليد إلى 1.2 طفل لكل امرأة، وهو أقل بكثير من معدل الإحلال البالغ 2.1.
ووضع هذا التحول الديموغرافي ضغوطا هائلة على نظام الضمان الاجتماعي، حيث يتناقص عدد العمال الذين يساهمون في النظام، بينما يتزايد عدد المتقاعدين الذين يحتاجون للدعم، بينما تستنزف تكلفة الرعاية الصحية والمعاشات التقاعدية نسبة متزايدة من الميزانية الحكومية، مما يقلل من الموارد المتاحة للاستثمار في التعليم والبنية التحتية والابتكار.
وطرحت الأحزاب السياسية اليابانية حلولا متباينة لهذا التحدي، حيث ركز الحزب الحاكم على زيادة مشاركة المرأة في سوق العمل وتحسين بيئة العمل لتشجيع الإنجاب، بينما دعت أحزاب المعارضة إلى زيادة الدعم المالي للأسر الشابة وتحسين خدمات رعاية الأطفال، فيما اقترحت بعض الأحزاب الجديدة حلولا أكثر جذرية مثل زيادة الهجرة المنظمة لتعويض النقص في أعداد القوى العاملة.
وتعد اليابان من أكثر دول العالم مديونية نسبة إلى ناتجها المحلي الإجمالي، ورغم اعتراف الحكومة بالحاجة إلى ضبط الإنفاق، إلا أنها تعتمد بشكل كبير على إصدار الديون لتمويل التزاماتها في ظل عدم كفاية الإيرادات الضريبية لتغطية النفقات العامة.
وتحمل نتائج انتخابات مجلس الشيوخ الياباني تداعيات عميقة على مستقبل السياسة النقدية في البلاد واستقلالية بنك اليابان، الذي بدأ عملية تدريجية لرفع أسعار الفائدة من مستوياتها التاريخية المنخفضة، ومواجهته ضغوطا سياسية متزايدة للتراجع عن هذا التوجه إذا حققت أحزاب المعارضة المؤيدة للسياسات النقدية المرنة مكاسب كبيرة.
وحتى لو احتفظ الائتلاف الحاكم بأغلبية ضعيفة، فقد يضطر رئيس الوزراء إيشيبا إلى التخلي عن توجهه المالي المحافظ وزيادة الإنفاق لتخفيف الآثار الاقتصادية الناتجة عن التعريفات الأمريكية المحتملة وارتفاع تكلفة المعيشة، كما قد تجد حكومته صعوبة في التفاوض من موقع قوة مع الإدارة الأمريكية.
وتؤكد التقارير الصحفية اليابانية مواجهة حزبي الائتلاف الحاكم معركة حامية الوطيس في جميع الدوائر الانتخابية لمجلس الشيوخ، فيما شهدت المؤشرات اليابانية أداء متباينا خلال تعاملات الأيام الأخيرة التي تسبق هذه الانتخابات التي ستجرى في ظل متابعة دقيقة من جانب الأوساط الاقتصادية والسياسية لتطورات المفاوضات التجارية بين طوكيو وواشنطن.
English
Français
Deutsch
Español