نتيجة التغيرات المناخية المتطرفة.. الجفاف يزحف نحو بريطانيا
الدوحة في 17 يوليو /قنا/ على الرغم من أن المملكة المتحدة معروفة بمناخها الرطب وهطول الأمطار الغزيرة وتعرضها للفيضانات أحيانا، فإن السنوات الأخيرة شهدت تغيرات مناخية أدت إلى انتشار ظاهرة الجفاف بشكل متزايد، وتواجه المملكة المتحدة هذا الصيف تحديا بيئيا استثنائيا، يتمثل في أزمة جفاف واسعة النطاق تؤثر على مناطق شاسعة من إنجلترا وتهدد بالانتشار إلى مناطق أخرى.
وحسب هيئة الأرصاد الجوية البريطانية، فإن الأشهر الثلاثة الماضية سجلت أدنى مستويات هطول مطري منذ أكثر من 40 عاما في أجزاء واسعة من إنجلترا وويلز، فيما تشير التوقعات إلى استمرار الظروف الجافة خلال الأسابيع المقبلة، وقد دعت السلطات المختصة هناك لاتخاذ إجراءات احترازية، تشمل حملات توعية لترشيد الاستهلاك وتحذيرات من احتمال فرض قيود على استخدام المياه في بعض المناطق.
وقد تم إعلان أربع مناطق تضم شرق وغرب ميدلاندز، ومنطقة يوركشاير والشمال الغربي، في حالة جفاف رسمي، بينما تواجه ثلاث مناطق إضافية ظروف طقس جاف مطول، ويشير هذا التوسع الجغرافي للأزمة إلى أن الجفاف ليس ظاهرة محلية محدودة، بل هي حدث مناخي واسع النطاق يؤثر على معظم أنحاء الجزر البريطانية، ويجعل من هذه الظاهرة تحديا بيئيا واقتصاديا واجتماعيا، يؤثر على إمدادات المياه، والزراعة، والبيئة، والحياة اليومية للملايين من البشر.
وكان شهر يونيو الماضي في إنجلترا شديد الحرارة والجفاف، وانخفض معدل هطول الأمطار بنسبة 20% عن المتوسط طويل الأمد لذلك الشهر، وسجلت المياه في الخزانات أدنى مستوياتها خلال عقد من الزمان، مع زيادة في الاستهلاك ونقص الأمطار، حيث بلغ إجمالي التخزين في جميع أنحاء إنجلترا 75.6%، وهو أقل من مستواه خلال عام الجفاف الشديد 2022، عندما بلغت سعة الخزانات 77%، في الوقت ذاته تستمر مستويات المياه في الانخفاض بشكل كبير، حيث تسبب الطقس الحار في زيادة الطلب على المياه، ولم يكن هناك سوى القليل من الأمطار لإعادة ملء الخزانات. وقال خبراء مختصون إن مستويات الخزانات مرتبطة بشكل مباشر بهطول الأمطار؛ لذا فإن القيود المحلية على استخدام المياه قد تكون ضرورية لتحقيق الاستقرار فيها.
ومن الواضح أن ما يميّز موسم الجفاف الحالي لهذا العام عن سابقيه هو شدته الاستثنائية وتوقيته المبكر في العام، فمعظم مواسم الجفاف التاريخية تأتي في أواخر الصيف، لكن أزمة الجفاف الحالية بدأت تتكشف في الربيع واستمرت في التفاقم خلال الصيف، وقد أثر هذا الجفاف المبكر على دورة النمو الطبيعية للنباتات وأدى إلى انخفاض مبكر في مستويات المياه الجوفية والسطحية.
ولفتت وزارة البيئة والأغذية والشؤون الريفية البريطانية إلى أن النمو السكاني السريع وارتفاع درجة حرارة المناخ، في حال عدم اتخاذ إجراءات عاجلة، قد يتسببان في نفاد مياه الشرب ببريطانيا، وأكدت أنها اتخذت إجراءات سريعة وحاسمة لتأمين 104 مليارات جنيه إسترليني من استثمارات القطاع الخاص لبناء تسعة خزانات ومد أنابيب جديدة.
ولمواجهة تداعيات هذه الظاهرة، اجتمعت مجموعة الجفاف الوطنية التابعة للحكومة البريطانية هذا الأسبوع لمناقشة استجابتها للطقس الجاف المطول، والذي تسبب في نفوق أعداد كبيرة من الأسماك، وانخفاض تدفقات الأنهار، وازدهار الطحالب الخطيرة، فيما رجحت وزارة البيئة والأغذية والشؤون الريفية البريطانية أن تكون غلة المزارعين هذا العام أقل من العام الماضي، خاصة الحبوب غير المروية والقش، فقد تضررت الأراضي الزراعية بشكل ملحوظ، حيث أبلغ العديد من المزارعين عن تلف محاصيل الحبوب والخضراوات ونقص في الأعلاف الحيوانية، مما قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية محليا.
ويشير اتحاد المزارعين البريطاني إلى أن استمرار الجفاف دون تدخل عاجل قد يؤدي إلى ضربة قاسية لقطاع الزراعة البريطاني، الذي يعاني أصلا من ضغوط ارتفاع التكاليف وتقلبات الأسواق. وتقول مجموعة الجفاف الوطنية إن الطبيعة تعاني أيضا من ظاهرة الجفاف، فقد تم تسجيل حرائق في الغابات، وجفاف بالأراضي الرطبة والمواقع الساحلية، وفقدان مواسم تكاثر الأنواع النادرة من الطيور والأسماك، وطالبت مستخدمي المياه بمن فيهم الصيادون والسباحون وركاب القوارب بالإبلاغ عن أي مشاكل بيئية يلاحظونها، مثل الأسماك التي تواجه خطر النفوق.
وتوضح التقديرات أن نقص المياه قد يكلف الاقتصاد البريطاني 25 مليار جنيه إسترليني خلال السنوات الخمس المقبلة؛ منها 18.3 مليار جنيه في خسائر النشاط الاقتصادي المرتبط بالبناء وحده. وفي سياق الاستجابة الحكومية لمواجهة الجفاف، تجتمع مجموعة الجفاف الوطنية البريطانية بانتظام، بينما تعمل وكالة البيئة على مراقبة نشطة لمستويات الأنهار والخزانات.
ويقول خبراء المناخ إن أزمة الجفاف البريطانية لا تحدث في فراغ، بل تأتي في سياق تغيرات مناخية عالمية واسعة النطاق، حيث شهد العام الحالي تغيرات جوية متطرفة ومتزامنة في مختلف أنحاء العالم، من موجات حر قياسية في أوروبا إلى فيضانات مدمرة في آسيا وجفاف شديد في أجزاء من أفريقيا وأمريكا الشمالية، وهو ما يعكس تأثيرات التغير المناخي على الأنماط الجوية العالمية.
وتشير الدراسات المناخية إلى أن أحداث الجفاف في شمال أوروبا ستصبح أكثر تكرارا وشدة خلال العقود المقبلة، ولفتت توقعات مكتب الأرصاد الجوية البريطاني إلى احتمالية انخفاض هطول الأمطار الصيفية بنسبة 25% وانخفاض تدفق الأنهار الصيفية بنسبة 45% بحلول عام 2050، الأمر الذي يضع أزمة الجفاف الحالية في سياق أوسع كمؤشر على التحديات المستقبلية التي تواجه مناطق عديدة على كوكب الأرض.
ا
English
Français
Deutsch
Español