العواصف الغبارية في المنطقة العربية تنذر بمواسم قاسية للتغيرات المناخية
الدوحة في 07 مايو /قنا/ تندرج العواصف الغبارية والرملية والترابية ضمن قائمة أسوأ الأزمات البيئية في القرن الـ21، نظرا لتأثيراتها السلبية الشديدة على جودة الهواء والصحة البشرية ونقاوة البيئة، وهي ظاهرة مرتبطة بالطقس والتغير المناخي وتؤثر على أكثر من 150 دولة حول العالم، بحسب المنظمة الدولية للأرصاد الجوية.
وتحدث هذه العواصف عندما ترفع الرياح القوية الأتربة بالمناطق الجافة التي لا يوجد بها غطاء نباتي وتكسر طبقة الغبار فوق التربة حاملة كميات كبيرة من الرمال والغبار في الهواء، قد تكون أحيانا سُحبا هائلة متدحرجة، حيث يدخل سنويا أكثر من مليوني طن تقريبا من الرمال والغبار إلى الغلاف الجوي بفعل العواصف الترابية.
وتتسبب العواصف الرملية والترابية في أضرار بالغة بالثروة الحيوانية والزراعة وصحة الإنسان، كما يمكن أن تُجبر العواصف الشديدة على إغلاق الطرق والمطارات بسبب ضعف الرؤية وتدهور البنية التحتية، كما يقلّل الغبار أيضا من الإشعاع الشمسي في المناطق النائية، ما يؤثر على إنتاج الطاقة الشمسية.
واعتبر برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن العواصف الغبارية تقع ضمن أبرز التحديات البيئية المستجدة التي تواجه العالم، إذ ازدادت تكراريتها في السنوات الخمسين الماضية وخاصة في العقد الأخير بنسبة من 25 إلى 50 بالمئة، لأسباب أهمها التغيرات المناخية واستعمالات الأراضي غير الملائمة واستخدام المحاريث التقليدية بشكل مفرط في تهيئة التربة للزراعة.
وتشير تقديرات المنظمة الدولية للأرصاد الجوية إلى أن نسبة 25 بالمئة من انبعاثات الغبار سببها أنشطة الإنسان، وتُشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن نحو 330 مليون شخص على مستوى العالم يتعرّضون إلى العواصف الرملية والغبارية على أساس يومي، وفي منطقة الصحراء الكبرى في إفريقيا تؤدي العواصف الرملية إلى تفشّي مرض التهاب السحايا، ما يعرّض ملايين الأشخاص للخطر.
وتتركز مصادر العواصف الترابية الكبرى على مستوى العالم في المناطق القاحلة وشبه القاحلة، مثل الصحراء الكبرى في إفريقيا، وصحراء جنوبي آسيا، وصحراء شبه الجزيرة العربية.
وقد ضربت العواصف الرملية في الأيام الماضية مناطق عدة في العراق وشبه الجزيرة العربية وبلاد الشام ومصر، وكان شهر إبريل بشكل عام شهر العواصف الترابية في عدة مناطق من العالم.
وتشير منظمة الأرصاد الجوية العالمية إلى أن العواصف الغبارية تكلف المنطقة العربية 150 مليار دولار أمريكي سنويا.
من جانبه، يقول معهد دول الخليج العربية في واشنطن في تقرير له صدر في نوفمبر 2023، إن العواصف الرملية والترابية تعد من السمات المميزة لمنطقة الخليج العربية، وأنها تتزايد من حيث التكرار والشدة بشكل مطرد على مدى العقد الماضي، وتسببت في اضطرابات هائلة للسكان والاقتصاد.
وأشار المعهد إلى أهمية تنمية القطاع غير النفطي والتنويع الاقتصادي في دول مجلس التعاون الخليجي، عبر اتخاذ إجراءات متتالية في الاستعانة بالطاقة النظيفة إزاء التسارع الصارخ للظواهر المرتبطة بالمناخ، مثل الارتفاع السريع في درجات الحرارة والجفاف وزيادة ملوحة الخليج.
وعلى مدى السنوات العشر الماضية، أدت التغيرات الاجتماعية والاقتصادية في المنطقة إلى زيادة هائلة في الطلب على موارد المياه الشحيحة أصلاً، في حين أن انخفاض معدلات هطول الأمطار قلل من إمكانية الاعتماد على خزانات المياه الجوفية السطحية. وفي عام 2021، كانت مياه البحر المحلاة توفر ما يصل إلى 20% من احتياجات منطقة الخليج من المياه، أخذاً بالاعتبار أن عملية التحلية تستهلك الكثير من رأس المال والطاقة، ومن شأنها أن تؤدي إلى زيادة الانبعاثات في المنطقة، بالإضافة إلى زيادة العبء المالي على دول الخليج.
وفي دولة قطر، وضعت السلطات والوزارات المعنية إطار عمل وطني لمُكافحة التصحر، وأطلقت الاستراتيجية الوطنية للبيئة والتغير المناخي، وخُطة العمل الوطنية القطرية للتغير المناخي 2030، وتم تنفيذ العديد من البرامج والمشاريع للمُحافظة على الغطاء النباتي، مثل تأهيل الروض، واستزراع البرّ القطري بنباتات من البيئة المحلية، فضلًا عن إطلاق مُبادرة زراعة مليون شجرة، وإطلاق مبادرة لإنشاء حزام أخضر حول مدينة الدوحة وضواحيها.
كما أطلقت وزارة البيئة والتغير المناخي، برنامج لرصد التربة، والذي يقوم بمسح بيئي لـ 52 موقعًا بجميع مناطق الدولة، ما يُسهم في المُحافظة على التربة ضد التصحر ويُحافظ على جودتها، لافتًا إلى العديد من القوانين والتشريعات التي أصدرتها الدولة لتنظيم عمليات الرعي والمُحافظة على الغطاء الأخضر، بالإضافة إلى تجميع كَميات كبيرة من بذور النباتات البرية، وتعزيز المخزون البذري للدولة في بنك الجينات.
ومنذ العام 1999 انضمت دولة قطر إلى اتفاقية الأمم المُتحدة لمُكافحة التصحر، فضلًا عن مُساهمتها بمبلغ 100 مليون دولار لدعم الدول الجزرية الصغيرة النامية والدول الأقل نموًا، للتعامل مع تغير المناخ والمخاطر الطبيعية والتحديات البيئية، وبناء القدرة على مواجهة آثارها المُدمّرة.
وفي فبراير الماضي 2025، نظمت دولة قطر الحوار الإقليمي المعني بتعزيز التعاون بين الأقاليم حول العواصف الرملية والترابية وتعميق الفهم المشترك، في الدوحة، بالتعاون مع اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لآسيا والمحيط الهادئ (ESCAP)، واللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (ESCWA)، والحكومة السويدية، والمركز العربي لسياسات تغيُّر المناخ (APCIM).
وناقش الحوار التحديات الناجمة عن العواصف الرملية والترابية وتأثيراتها على البيئة والصحة العامة والاقتصاد، وسبل تعزيز التعاون الإقليمي والدولي لمواجهتها، بالإضافة إلى استعراض أحدث الدراسات والممارسات الناجحة لمواجهة العواصف الرملية والترابية، مع التركيز على تعزيز آليات الإنذار المبكر والتكيف مع التغيرات المُناخية.
وفي السعودية، تمثل صحراء "الربع الخالي"، أكبر صحراء متصلة في العالم، وهي جزء من الصحراء العربية التي تمتد من اليمن إلى دول الخليج والعراق والأردن، وتضم 67.7% من مجمل التجمعات الرملية في البلاد، وهي سبب رئيسي لوجود العواصف الرملية في السعودية، ويُشكّل الغطاء الرملي في السعودية ما نسبته 34% من المساحة الكلية للمملكة، ما يزيد من نشاط وسرعة العواصف الرملية.
وقد سعت السعودية لمعالجة تلك الظاهرة، ويقول المركز الإقليمي للعواصف الغبارية، إن السلطات عملت على تنظيم عملية الرعي والحفاظ على الغطاء النباتي، ضمن منظومة بيئية وطنية لحماية الحياة الفِطرية، مشيراً إلى جهود المحميات الملكية التي أدت دوراً كبيراً في تنظيم عملية الرعي والحفاظ على الغطاء النباتي.
وأضاف المركز الإقليمي أن المملكة تمتلك مبادرات بيئية مثل مبادرة "السعودية الخضراء" التي تستهدف زراعة 10 مليارات شجرة في كافة أنحاء المملكة وتخفيف نسبة الكربون وغيرها، مؤكداً هطول الأمطار بكميات مناسبة وفي الأوقات المناسبة، ما أدى لتنمية الغطاء النباتي وتماسُك التربة.
English
Français
Deutsch
Español