اتفاق مبدئي تاريخي في منظمة الصحة العالمية لمواجهة الأوبئة المستقبلية
الدوحة في 13 أبريل /قنا/ بعد ثلاث سنوات من المناقشات المتواصلة، أعلنت منظمة الصحة العالمية، توصل أعضائها إلى مسودة اتفاق دولي يهدف إلى تحسين الاستعداد والتعامل مع الأوبئة المستقبلية، في خطوة وصفت بالمفصلية نحو تعزيز البنية الصحية العالمية وتفادي تكرار كوارث صحية كالتي شهدها العالم خلال جائحة "كوفيد-19" في عام 2020.
وشكلت قضية الأوبئة المستقبلية محور اهتمام عالمي متزايد منذ انحسار أزمة كورونا، وسط دعوات لتوحيد الجهود الدولية بشأن تمويل البحوث، وتوفير آليات فعالة لإيصال اللقاحات والمستلزمات الطبية إلى المناطق التي تتكرر فيها الأوبئة الخطيرة. وقد واجهت المفاوضات تحديات معقدة، خصوصا فيما يتعلق بمسائل التمويل، وتبادل التكنولوجيا، وتوزيع الأدوية بعدالة.
وكانت أعمال "هيئة التفاوض الحكومية الدولية" قد انطلقت في ديسمبر 2021، بهدف إعداد اتفاقية عالمية ملزمة، وتوجيه عملية التفاوض، على أن تعرض الاتفاقية النهائية لاعتمادها خلال اجتماع جمعية الصحة العالمية المقرر العام الجاري، لتسريع الاستجابة الجماعية للأوبئة واسعة الانتشار.
ورحب الدكتور تيدروس أدهانوم غيبريسوس المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، بالاتفاق قائلا: "هذه إشارة جيدة للغاية"، مشيدا بالفرق المفاوضة التي وصفها بأنها "جزء من تاريخ مذهل قيد الصنع"، مضيفا أن الاتفاق يمثل "هدية جيدة لأطفالنا وأحفادنا".
من جهتها، أكدت آن كلير أمبرو السفيرة الفرنسية للصحة العالمية، أنه "تم التوصل إلى اتفاق مبدئي"، مشيرة إلى أن الدول الأعضاء ستجتمع بعد غد " الثلاثاء" في جنيف لوضع اللمسات الأخيرة على النص قبل عرضه لاعتماده النهائي خلال جمعية الصحة العالمية، حيث يتطلب إقراره موافقة جميع الأعضاء.
وقد لقي الاتفاق ترحيبا واسعا من قبل المندوبين الذين صفقوا بحرارة بعد جلسة ماراثونية امتدت لما يقارب 24 ساعة.
كما عبر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن دعمه للاتفاق، وكتب في منشور عبر منصة "إكس" : "مع الاتفاق المبدئي على معاهدة بشأن الأوبئة، يعمل المجتمع الدولي على إنشاء نظام جديد لحمايتنا بشكل أفضل".
وسبقت الاتفاق نقاشات شائكة، أبرزها الخلاف حول الفقرة الحادية عشرة من الاتفاق، والتي تتعلق بنقل التكنولوجيا اللازمة لإنتاج المنتجات الصحية المرتبطة بالأوبئة، خاصة لصالح البلدان النامية والتي حرمت من الحصول عليها في الوقت المناسب خلال جائحة "كوفيد-19".
وقد رفضت العديد من الدول، التي تلعب فيها صناعة الأدوية دورا اقتصاديا كبيرا، فكرة النقل الإلزامي للتكنولوجيا، مطالبة بأن يكون ذلك بشكل طوعي. ومع ذلك، صرح أحد المندوبين بأن هذه النقطة تم التوصل إلى حل بشأنها، بالرغم من عدم نشر النسخة النهائية من النص حتى الآن، في انتظار اعتماده رسميا خلال الأيام المقبلة.
وكانت قضية تقاسم الأدوية واللقاحات بشكل عادل إحدى نقاط الخلاف الجوهرية، وذلك من أجل تجنب تكرار أخطاء الاستجابة العالمية خلال جائحة "كوفيد-"19.
وشهدت المفاوضات، التي كانت الولايات المتحدة طرفا فيها قبل انسحابها، توترا بين وفود دولية، لا سيما من الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا، إذ أعرب البعض عن مخاوف من أن منح صلاحيات واسعة لمنظمة أممية قد يمس السيادة الوطنية.
ونفى تيدروس أدهانوم غيبريسوس هذه المخاوف، مؤكدا أن الاتفاق سيعزز قدرة الدول على حماية نفسها من تفشي الأوبئة.
وكانت الولايات المتحدة قد انسحبت من المحادثات هذا العام، عقب أمر تنفيذي أصدره الرئيس السابق دونالد ترامب في فبراير يقضي بالانسحاب من منظمة الصحة العالمية ووقف المشاركة في هذه المفاوضات. أما بقية الدول الأعضاء، وعددها 193 دولة، فسيكون أمامها حرية التصديق أو رفض الاتفاق عند عرضه رسميا.
وكانت جمعية الصحة العالمية قد وافقت في وقت سابق من هذا العام على تعديلات في اللوائح الصحية الدولية، والتي وضعت مسودتها الأولى عام 2005، بهدف وضع تعريف واضح لحالة الطوارئ الوبائية وتعزيز التعاون الدولي عند وقوع الجوائح.
وتشكل هذه التعديلات دعما أساسيا لاتفاقية الجوائح الجديدة، حيث تهدف إلى بناء منظومة عالمية قادرة على منع تكرار الأضرار التي ألحقها "كوفيد-19" بالصحة العامة والمجتمعات والاقتصادات، ولتعزيز أنظمة الدفاع الصحية في وجه الأمراض المعدية الجديدة.
تجدر الإشارة إلى أن الاتفاق الحالي، في حال اعتماده، سيكون ثاني اتفاق ملزم تتوصل إليه منظمة الصحة العالمية منذ تأسيسها قبل 75 عاما، بعد "اتفاقية مكافحة التبغ" التي أقرت في عام 2003.
وتشمل قائمة الأوبئة التي تسعى المعاهدة للتصدي لها مستقبلا أمراضا انتشرت تاريخيا وتسببت في آثار مدمرة، مثل الكوليرا، والحصبة، والسل، والملاريا، والحمى الصفراء، وفيروس نقص المناعة البشرية، إضافة إلى الأمراض النزفية الفيروسية النادرة ولكن القاتلة، مثل الإيبولا وماربورغ، والتي تنتشر بسرعة في ظل غياب العلاجات أو توفر اللقاحات المناسبة.
فعلى سبيل المثال، لا يزال وباء الملاريا يفتك بحياة أكثر من 600 ألف شخص سنويا في أكثر من 100 بلد، 75 بالمئة منهم من الأطفال دون سن الخامسة، وأكثر من 95 بالمئة منهم في القارة الإفريقية. وتواجه الجهات الصحية تحديات كبيرة نتيجة بدء ظهور مقاومة للأدوية الأكثر فعالية لدى الطفيليات المسببة للمرض، خصوصا في أجزاء من آسيا، وفقا لما أعلنته منظمة "أطباء بلا حدود".
وخلال السنوات الأخيرة، توفى الآلاف بسبب تفشي الحمى الصفراء في أنغولا و الكونغو الديمقراطية، والطاعون في مدغشقر، والكوليرا والحصبة في غرب ووسط إفريقيا، إضافة إلى ظهور حالات دفتيريا (الخناق) في اليمن وبين اللاجئين الروهينغا في بنغلاديش.
وقد عانت جميع دول العالم تقريبا من تبعات جائحة /كوفيد-19/، حيث كانت الأكبر منذ قرن. وشاركت فرق "أطباء بلا حدود" في الاستجابة لأزمة كورونا في أكثر من 75 دولة، من خلال تقديم الرعاية الطبية والمساعدة في إجراءات الوقاية من العدوى ومكافحتها.
وتعرضت أنظمة الرعاية الصحية حول العالم، بما فيها تلك التابعة لأغنى الدول، لضغط هائل نتيجة الأعداد الكبيرة من الإصابات. فابتداء من نوفمبر 2020، سجل أكثر من 55 مليون حالة إصابة، مع مليون حالة جديدة كل يومين أو ثلاثة، ما أدى إلى وفاة أكثر من مليون شخص.
وأظهرت الأزمة الصحية الأخيرة أن الفئات الأكثر تأثرا بالأوبئة هم سكان الدول الفقيرة والمناطق التي تعاني من الحروب والنزاعات، حيث يعيشون غالبا في ظروف معيشية غير آمنة، وتغيب عنهم الرعاية الصحية اللازمة، بينما تتعطل برامج اللقاحات أو تنخفض تغطيتها بشكل كبير.
كما يؤدي تدمير أو إضعاف البنية التحتية الصحية، وتعطل أنظمة الوقاية والمراقبة في مناطق النزاع، إلى زيادة خطر تفشي الأمراض. ويكون سكان المخيمات عرضة بشكل خاص لخطر الأوبئة في حال وجود اكتظاظ وضعف في خدمات المياه والصرف الصحي.
وفي هذا السياق، يشار إلى أن غياب الإرادة السياسية في بداية تفشي بعض الأمراض قد يعيق الاستجابة الفعالة. فبعد تفشي فيروس إيبولا في عدة دول إفريقية، قامت حكومات عدة بإغلاق حدودها وفرض حجر صحي صارم حتى على عمال الإغاثة، في محاولة لحماية نفسها، وهو ما أثر سلبا على الاستجابة الإنسانية.
English
Français
Deutsch
Español