رغم التحذيرات المتكررة من خطرها.. تصاعد خطير في كراهية الإسلام والتمييز ضد المسلمين
الدوحة في 25 مارس /قنا/ رغم التحذيرات المتكررة للأمم المتحدة من خطرها، وتأكيدها على أنها مخالفة للقانون الدولي وحقوق الإنسان، ما زالت "كراهية الإسلام" والتمييز ضد المسلمين في تزايد مستمر ببعض مناطق العالم.
وتعرف "كراهية الإسلام" أو "الإسلاموفوبيا" بأنها الخوف من المسلمين والتحامل عليهم بما يؤدي إلى الاستفزاز والعداء والتعصب بالتهديد وبالمضايقة وبالإساءة والتحريض عليهم، سواء في أرض الواقع أو على الإنترنت.
ونشرت هيئات مراقبة حقوق الإنسان مؤخرا بيانات تشير إلى مستويات قياسية من الحوادث وخطابات الكراهية ضد المسلمين في عدد من الدول، رغم تأكيد حكومات تلك الدول سعيها لمكافحة جميع أشكال التمييز.. كما ذكرت الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان أنها لاحظت تصاعدا في كراهية الإسلام والتحيز ضد المسلمين، خاصة منذ بدء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في السابع من أكتوبر 2023.
ومؤخرا، حذر أنطونيو غوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة، من الارتفاع المقلق للتعصب ضد المسلمين في جميع أنحاء العالم.
وقال، بمناسبة اليوم الدولي لمكافحة كراهية الإسلام الذي يصادف 15 مارس من كل عام: "نشهد تصاعدا مقلقا في التعصب ضد المسلمين، بدءا من التنميط العنصري والسياسات التمييزية التي تنتهك حقوق الإنسان وكرامته، إلى العنف الصريح ضد الأفراد وأماكن العبادة"، مشددا على ضرورة توقف المنصات الإلكترونية عن خطاب الكراهية والمضايقات.
وحول الأسباب التي أدت لازدياد حالات التعصب والكراهية ضد المسلمين، قال الدكتور عبد الله العتيبي الأستاذ المساعد بقسم الشؤون الدولية في كلية الآداب بجامعة قطر في حديث لوكالة الأنباء القطرية "قنا" إن زيادة التعصب ضد المسلمين، خاصة في الدول الغربية، تعكس تفاعلا معقدا بين عدد من العوامل البنيوية والسياقية، فعلى المستوى التاريخي هناك إرث استشراقي طويل ساهم في بناء صورة ذهنية سلبية عن الإسلام كدين، وعن المسلمين كـ"آخرين" يحملون تهديدا ثقافيا أو سياسيا، مشيرا إلى أن هذا الإرث لم يراجع بشكل جدي في كثير من المجتمعات الغربية ما سمح له بالبقاء في الخطاب العام.
وأضاف أنه في ظل ضعف الخطاب الإعلامي المعتدل واستغلال بعض الأحزاب اليمينية الشعبوية لبعض الحوادث لبناء قواعدها الجماهيرية انتشرت "الإسلاموفوبيا" بشكل متسارع، كما أن العولمة وما صاحبها من موجات هجرة جعلت من وجود المسلمين كجاليات تعيش بخصوصياتها ظاهرة لحالها في مدن الغرب، ما أدى إلى نوع من القلق الثقافي لدى بعض الفئات التي ترى في التعددية تهديدا لهويتها، خاصة في ظل غياب برامج فعالة للاندماج الثقافي والتربوي في عدد من الدول.
وأكد الدكتور العتيبي أن مكافحة هذه الظواهر تتطلب نقلة نوعية في أساليب المواجهة، فلا يكفي الرد الدفاعي عليها، بل يجب العمل على تغيير النظم الثقافية والإعلامية والقانونية التي تكرس هذه الأنماط، فعلى الصعيد القانوني، ينبغي الضغط لإدخال تعديلات واضحة في قوانين مكافحة الكراهية بحيث تشمل التمييز الديني، وتجريم التنميط بناء على العقيدة.
وأضاف أنه في الوقت نفسه، يجب تمكين المجتمعات المسلمة من التفاعل مع مؤسسات صنع القرار والتعليم والإعلام لتكون فاعلا مؤثرا.
وحول تحول ظاهرة التعصب ضد المسلمين إلى عنف مباشر، رأى الدكتور عبد الله العتيبي، أنه يجب أن تكون هناك إرادة سياسية واضحة لمكافحة هذا النوع من العنف، وذلك عبر سن قوانين صارمة ضد جرائم الكراهية وتخصيص وحدات أمنية متخصصة لرصدها ومنعها. وأن لا تقتصر المواجهة على الأمن فقط، بل تمتد إلى العمل على تغيير المناخ الثقافي والإعلامي الذي يبرر هذا العنف أو يصمت عنه. كما أن التحالف بين المكونات الدينية، خاصة في الدول الغربية أمر ضروري، لإظهار وحدة إنسانية في مواجهة الكراهية. ويجب تشجيع برامج زيارات متبادلة بين أبناء الديانات المختلفة، خاصة في المدارس وأماكن العبادة، لتعزيز الثقة وكسر الصور النمطية.
وشدد الدكتور عبد الله العتيبي الأستاذ المساعد بقسم الشؤون الدولية بكلية الآداب بجامعة قطر على ضرورة قيام آليات عدة تحتاجها الإنسانية لمكافحة التعصب والتمييز ضد الأديان، وخاصة تجاه الإسلام والمسلمين، منها إنشاء ميثاق دولي ملزم يحظر خطاب الكراهية ضد الأديان، ويؤكد على حرية العقيدة ضمن أطر المسؤولية المجتمعية.
وأضاف : كما يجب أيضا تعزيز الحوار الديني العالمي المنظم، عبر مؤسسات مستقلة تمولها منظمات أممية أو تحالفات إقليمية، وتمكين الشباب من قيادة مبادرات محلية وعالمية تنطلق من تجربتهم كمسلمين في الغرب، وتستخدم فيها أدوات العصر من إعلام رقمي وفنون تفاعلية، فضلا عن تفعيل دور الجامعات ومراكز الأبحاث لتقديم الصورة الصحيحة للإسلام، تعتمد على المنهجية العلمية وتصل للجمهور الأوسع.
وحذر في حديثه لـ"قنا" من أن وسائل التواصل الاجتماعي من الناحية السلبية قد أدت دورا في نشر التضليل والتجنيد والكراهية، خاصة مع وجود خوارزميات تفضل المحتوى المستفز والمثير للانقسام، وهو ما نراه في الانتشار السريع لمقاطع مهينة للمسلمين، ولكننا من الناحية الإيجابية، لا نغفل عما وفرته هذه الوسائل من منصات للمجتمعات المهمشة لعرض قضاياها، وتنظيم حملات تضامن عابرة للحدود، كما فعل كثير من النشطاء في قضايا مثل الحجاب، والاعتداءات العنصرية، أو حتى حملات التضامن مع فلسطين، لكن التحدي اليوم يتمثل في إعادة التوازن في استخدام هذه الوسائط من خلال دعم الخطاب المسؤول.
واختتم الدكتور عبد الله العتيبي حديثه قائلا، إنه ينبغي فرض تشريعات إلكترونية دولية تضع معايير واضحة لمكافحة المحتوى العنصري والديني المحرض على الكراهية، وتجبر المنصات الكبرى على التعامل الجاد مع البلاغات دون ازدواجية، فعلى المستوى الإقليمي، من الممكن أن تنشئ الدول الإسلامية تحالفا رقميا هدفه تطوير خطاب إعلامي مضاد، يبرز الجوانب الإيجابية للثقافات الإسلامية ويعمل على فضح وتوثيق ممارسات خطاب الكراهية. كما يمكن إطلاق منصات إعلامية رقمية شبابية، تدعمها جهات رسمية وغير حكومية، تعمل على التثقيف الرقمي وتقديم محتوى جذاب وتفاعلي يواجه الكراهية بخطاب متزن وذكي.
في ذات السياق وحول الأسباب التي تؤدي لارتفاع حالات التعصب وخطاب الكراهية ضد المسلمين، قال الأستاذ إبراهيم أحمد الكاروري الأستاذ بكلية القانون بجامعة لوسيل في حديث مماثل لـ"قنا"، إن ذلك يعزى إلى عدة أسباب أهمهما، فصل بعض أحداث العنف التي تقع في أماكن مختلفة عن سياقها ونسبتها للإسلام بسوء نية، وهذا يؤدي غالبا إلى ربط الإسلام بالعنف في أذهان الناس، كما أن التغطية الإعلامية لبعض وسائل الإعلام المتحيزة والسلبية تجاه المسلمين تعزز صورة نمطية سلبية متوارثة في بعض المجتمعات عن الإسلام والمسلمين.
ورأى أن من العوامل التي أدت لاستشراء حالات التعصب ضد المسلمين ضعف الفهم والمعرفة حول الإسلام وثقافات المسلمين ما يزيد من المخاوف والتحامل عليهم، مثلما أن بعض السياسات المتعلقة بالحد من الهجرة وحالات اللجوء تجاه بعض اللاجئين القادمين من مجتمعات مسلمة، تظهرها كمشكلة تهدد الثقافة الغربية.
وفيما يتعلق بالطرق المثلى التي من الممكن اتباعها لمكافحة الظواهر التي أفرزها التعصب ضد المسلمين، قال الكاروري إنه لا بد من توظيف الإعلام الهادف في بث برامج التوعية والتعليم، وتعزيز الفهم الصحيح للإسلام ولثقافات المسلمين من خلال البرامج التعليمية وورش العمل والعمل على دعم وسائل الإعلام لتقديم صورة إيجابية عن المسلمين تظهر تنوعهم وتعدد ثقافاتهم، كما أنه لا بد من سن تشريعات وقوانين تحظر التمييز العنصري وتعزز المساواة بين جميع الأديان والثقافات وهذا واجب دولي.
واختتم الأستاذ الكاروري بالقول إن المراقبة والتقارير المجردة لواقع التعصب وخطاب الكراهية والتعدي على المسلمين أمر ضروري، كما أنه لا بد من إجراء تقييمات دورية لحالة حقوق الإنسان في الدول الأعضاء وإصدار تقارير شفافة حول الانتهاكات وتخصيص مرصد يقوم بهذه المهمة في مختلف المناطق التي يتعرض المسلمون فيها للتعصب والكراهية على مستوى العالم.
يذكر أن العديد من الحكومات اتخذت أفعالا ملموسة لمكافحة كراهية الإسلام بوضعها تشريعات وتدابير تعنى بمكافحة جرائم الكراهية ومقاضاة مرتكبيها، وتنظيم حملات تثقيفية عامة عن المسلمين والإسلام بهدف تبديد الخرافات والمفاهيم المغلوطة والمسيئة.
وتبنت الدول الـ60 الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي، قرارا اتخذته الجمعية العامة للأمم المتحدة حددت فيه يوم 15 مارس ليكون يوما دوليا لمكافحة كراهية الإسلام. وتشدد وثيقة القرار على أن الإرهاب والتطرف العنيف لا يمكن ولا ينبغي ربطهما بأي دين أو جنسية أو حضارة أو جماعة عرقية. كما تدعو إلى تشجيع إقامة حوار عالمي بشأن تعزيز ثقافة التسامح والسلام على جميع المستويات، استنادا إلى احترام حقوق الإنسان وتنوع الأديان والمعتقدات.
English
Français
Deutsch
Español