اليوم الدولي للقضاء على التمييز العنصري... جهود مضنية رغم كل التحديات
الدوحة في 20 مارس /قنا/ يشكل التمييز العنصري أحد أخطر الآفات الاجتماعية والإنسانية التي تقسم المجتمعات و تسمح لبعض الفئات بممارسة ما يسمى بالتفوق العنصري والتغلب الاجتماعي، عبر رفع فئات على حساب أخرى بحسب العرق أو الإثنية أو القبيلة أو الحزب دون مراعاة لعناصر المساواة والكفاءة والإنجاز كمعايير واجبة في توزيع الثروات أو تقديم الخدمات أو نيل الاستحقاق العملي والوظيفي، ولذا فإن دراسات دولية تشير إلى أن أهم خطوة لتجذير المساواة والعدالة وإنتاج التغيير المطلوب هو تفكيك المؤسسات والثقافات التي تمارس العنصرية.
ويتزامن احتفال هذا العام مع الذكرى الـ60 لإقرار الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، حيث اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة الاتفاقية عام 1965، بهدف القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، مما شكل حينها خطوة مهمة نحو القضاء على العنصرية على مستوى العالم، والتمهيد نحو تقدم مستقبلي في مجال حقوق الإنسان وتعزيز المساواة والتفاهم والوحدة العالمية الخالية من التفرقة العنصرية.
وكان اليوم الدولي للقضاء على التمييز العنصري يتم الاحتفال به سنويا في اليوم الذي أطلقت فيه الشرطة في مدينة شاربفيل بدولة جنوب إفريقيا النار، وقتلت 69 شخصا كانوا مشاركين في مظاهرة سلمية ضد قوانين المرور المفروضة من قبل نظام الفصل العنصري في عام 1960، ثم تم التوافق عام 1979 على اعتماد أسبوع التضامن مع الشعوب التي تكافح ضد العنصرية والتمييز العنصري، ليبدأ في الـ21 من مارس، ضمن برنامج الأنشطة العالمية.
ورغم تفكيك نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا مطلع التسعينيات من القرن الماضي، وإلغاء القوانين والممارسات العنصرية في العديد من البلدان، وبناء إطار دولي لمكافحة العنصرية، إلا أن العديد من دول العالم تشهد تفرقة بين مكوناتها البشرية والاجتماعية، ولا يزال الكثير من أفرادها يقاسون مرارة الظلم والانتقاص والإهانات التي أملتها الممارسات العنصرية.
وتؤكد الأمم المتحدة في مقرراتها ومبادئها على أن جميع البشر يولدون أحرارا ومتساوون في الكرامة والحقوق ولديهم القدرة على المساهمة البناءة في تنمية مجتمعاتهم، ومنذ تأسيسها أبدت القلق من عواقب تجاهل هذه القضية، فحظرت التمييز العنصري وفرضت التزامات على الدول للقضاء على التمييز في المجالين العام والخاص، بما فيها توفير البيئة والتدابير الضرورية للقضاء على الظروف التي تسبب أو تساعد في إدامة التمييز العنصري.
وفي عام 2001، وضع المؤتمر العالمي لمكافحة التمييز العنصري إعلان وبرنامج عمل "ديربان" في جنوب إفريقيا، ثم عقد مؤتمر آخر في ديربان أيضا في أبريل 2009، للنظر في التقدم المحرز عالميا في مجال التغلب على العنصرية، تم فيهما تجديد الالتزام الدولي بخطة مناهضة العنصرية، لكن الحاضرين اعترفوا بأن السلوك العنصري ما زال شائعا في مناطق مختلفة من العالم، بما يستوجب قطع الطريق واتخاذ إجراءات رادعة في هذا المسار.
وفي سبتمبر 2011، عقدت الجمعية العامة للأمم المتحدة اجتماعا في نيويورك احتفالا بحلول الذكرى السنوية العاشرة لإعلان وبرنامج عمل ديربان، انتهى باعتماد قادة العالم إعلانا سياسيا يؤكد العزم على جعل أهم الأولويات هو مناهضة العنصرية والتمييز العنصري وكراهية الأجانب وما يتصل بذلك من تعصب وحماية ضحايا تلك الممارسات.
وفي الـ23 من ديسمبر 2013، أعلنت الجمعية العامة، بموجب قرارها بدء العقد الدولي للمنحدرين من أصل أفريقي في 1 يناير 2015 لينتهي في 31 ديسمبر 2024، تحت شعار "المنحدرون من أصل أفريقي: الاعتراف والعدالة والتنمية".
وفي هذا الإطار، وإزاء كل التحديات العنصرية المتصاعدة، أطلقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان حملة #FightRacism بهدف تعزيز ثقافة عالمية تقوم على التسامح والمساواة ومكافحة التمييز، وفي عام 2020، سلطت الحملة الضوء على مناصرة بعض الشخصيات العالمية البارزة في عالم الثقافة الشعبية، لا سيما الرياضة والموسيقى والأزياء والأفلام والتلفزيون، بهدف تعزيز المساواة ومكافحة التمييز.
ضمن إطار الدورة الـ57 لمجلس حقوق الإنسان التي عقدت في جنيف بسويسرا في سبتمبر 2024، قدم مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك تقريرا سلط الضوء فيه على التقاطعية كأداة حاسمة لمكافحة العنصرية النظمية ومواجهة تركات الاستعباد والاستعمار، ويوضح تقرير تورك، أشكال التمييز المتقاطعة حين يجتمع سببان أو أكثر، مثل العرق والجنس وغيرهما، وتتداخل هذه الأسباب فتكون النتيجة تجارب استثنائية وفريدة ومركبة من معاناة التمييز.
ويحدد خبراء معنيون بمواجهة التمييز العنصري ثلاث خطوات، لتحقيق العدالة والمساءلة، وهي اعتماد إجراءات فعالة للإبلاغ والاستعراض والتحقيق، وإنشاء هيئات رقابة على إنفاذ القانون مدنية ومستقلة، وآليات مستقلة لدعم الضحايا والمجتمعات المحلية، ويشدد التقرير على أن الإفلات من العقاب يبقى التحدي الأكبر، كما أنه نادرا ما يتم دعم حقوق الضحايا.
من جانبه، يعمل صندوق الأمم المتحدة للسكان، وهو وكالة الأمم المتحدة المعنية بالصحة الجنسية والإنجابية، على النهوض بحقوق الإنسان ومكافحة التمييز العنصري وخاصة تجاه النساء والفتيات والشباب - من خلال إلقاء الضوء على تجاربهم والحث على اتخاذ إجراءات هادفة لضمان كرامتهم والسماح لهم بتحقيق إمكاناتهم.
وتشدد أبحاث صندوق الأمم المتحدة للسكان، على أن النساء والفتيات تمثل نسبة كبيرة من الأقليات العرقية والعنصرية الأكثر تهميشا في العالم، حيث لا تزال العنصرية الهيكلية والتمييز الجنسي تمنعهن من الحصول على الصحة والتمكين والاستقلال الذاتي، ووجدت دراسة حديثة أجراها صندوق الأمم المتحدة للسكان وشركاؤه حول صحة المنحدرين من أصل أفريقي في الأمريكيتين، تقوم 11 دولة من أصل 35 فقط بجمع بيانات صحة الأم مصنفة بحسب العرق.
وفي دولة قطر، تؤكد المواقف الدولية والقوانين والتشريعات المحلية على أهمية محاربة العنصرية بكل أشكالها وجوانبها، وفي آخر مؤتمر شاركت فيه عن العنصرية، تحدث الشيخ سلطان بن خالد آل ثاني، عضو الوفد الدائم لدولة قطر بجنيف، خلال الحوار التفاعلي مع المقررة الخاصة المعنية بالأشكال المعاصرة للعنصرية في الـ8 من يوليو 2024، وقال "إن العنصرية والتمييز العنصري يظلان من أسوأ انتهاكات حقوق الإنسان التي عرفتها البشرية لما لها من تأثير مباشر على كرامة الإنسان، وحياته، وأمنه، وأن خطابات الكراهية والتمييز، التي تحرض على العداء والعنف ضد المنتمين إلى أقليات عرقية أو دينية، تظل الأخطر في تأثيرها على المجتمع وعلى تمتع الأفراد بجميع حقوق الإنسان".
وأعرب عن إدانة دولة قطر بأقوى العبارات الممارسات العنصرية التي ظل يتعرض لها اللاجئون والمهاجرون والأقليات المسلمة في بعض البلدان، والتضييق عليهم بشتى الوسائل بما فيها التدابير التشريعية والسياسات الحكومية، فقط من منطلق أصلهم العرقي وانتمائهم الديني.
وأوضح أن هذه الممارسات، التي تغذيها خطابات الكراهية من بعض السياسيين وقادة الأحزاب اليمينية المتطرفة، بما في ذلك عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية المختلفة، من شأنها أن تؤجج مشاعر العداء والعنف ضد هذه الفئات وتعمل على إقصائهم اجتماعيا مما يترتب عليه مزيد من الانتهاك لحقوقهم وحرياته.
ودعا بيان دولة قطر مجلس حقوق الإنسان وجميع الحكومات وأصحاب المصلحة المعنيين، لمواجهة هذه الممارسات التمييزية والعنصرية بكل السبل واتخاذ ما يلزم من إجراءات فاعلة للقضاء عليها، والعمل على محاسبة المسؤولين عنها، وضمان عدم تكرارها.
English
Français
Deutsch
Español