التغير المناخي.. مستويات غير مسبوقة وأجراس الإنذار تدق من جديد
الدوحة في 20 مارس /قنا/ يعد تغير المناخ التحدي الأكبر والأكثر إلحاحا الذي يواجه البشرية في الوقت الحاضر، خاصة وأن هذه الظاهرة لا تؤثر فقط على البيئة، بل تهدد استقرار الأنظمة الصحية والاقتصادية والاجتماعية في جميع أنحاء العالم.
وفي إنذار جديد وغير مباشر، أكد تقرير أممي صدر أمس /الأربعاء/ أن تغير المناخ، بلغ مستويات غير مسبوقة عام 2024، وأن بعض عواقب هذه الكارثة التي سببها الإنسان ستكون لا رجعة فيها "على مدى مئات إن لم يكن آلاف السنين" حتى لو عاد العالم إلى المسار الصحيح بشكل فوري.
وأظهر تقرير حالة المناخ العالمي، الصادر عن المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، أن عام 2024 كان على الأرجح أول عام تقويمي تتجاوز فيه درجة حرارة سطح الأرض 1.5 درجة مئوية عن معدل ما قبل الصناعة، مما يجعله العام الأكثر دفئا في سجل الرصد الذي يمتد لـ175 عاما.
ووجد التقرير أن تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي "بلغ أعلى مستوياته في الـ800 ألف عام الماضية"، مشيرا إلى أن كل سنة من السنوات العشر الماضية، كانت على حدة بين أكثر عشر سنوات دفئا على الإطلاق، وأن كل سنة من السنوات الثماني الماضية سجلت "رقما قياسيا جديدا لحرارة المحيطات".
كما وجد التقرير أن معدل ارتفاع مستوى سطح البحر قد تضاعف منذ بدء القياسات بالأقمار الصناعية، وتوقع استمرار ارتفاع درجة حرارة المحيطات حتى نهاية القرن الحادي والعشرين على الأقل، حتى في ظل سيناريوهات انبعاثات الكربون المنخفضة.
ويظهر تقرير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية لعام 2024، سلسلة من الدمار الناجم عن ظواهر جوية قاسية أودت بحياة الكثيرين، وهدمت المباني، وأتلفت المحاصيل الحيوية، وقد نزح أكثر من 800 ألف شخص وأصبحوا بلا مأوى، وهو أعلى رقم سنوي منذ بدء تسجيل البيانات عام 2008.
ويسرد التقرير 151 ظاهرة مناخية قاسية غير مسبوقة وقعت عام 2024، حيث تسببت موجات الحر في اليابان في إصابة مئات الآلاف بضربات شمس، وبلغت درجات الحرارة المرتفعة خلال موجات الحر ذروتها عند 49.9 درجة مئوية في غرب أستراليا، و49.7 درجة مئوية في مدينة تاباس بإيران، و48.5 درجة مئوية في موجة حر في مالي، كما أدت الأمطار القياسية في إيطاليا إلى حدوث فيضانات وانهيارات أرضية وانقطاعات للكهرباء، ودمرت السيول آلاف المنازل في السنغال؛ وتسببت الفيضانات المفاجئة في باكستان والبرازيل بخسائر فادحة في المحاصيل، كما تفاقمت العواصف بفعل الاحتباس الحراري العالمي عام 2024، حيث ضربت الفلبين ستة أعاصير غير مسبوقة في أقل من شهر، وكان إعصار /هيلين/ الأقوى على الإطلاق الذي ضرب منطقة بيج بيند بولاية فلوريدا الأمريكية، بينما ضرب إعصار /ياغي/ الفائق فيتنام، مما أثر على 3.6 مليون شخص.
ويرى تقرير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن العالم يغرق بالفعل في أزمة المناخ، وعلى الرغم من تسجيل أعلى عشر سنوات حرارة على الإطلاق ولأول مرة خلال العقد الماضي، فقد استمرت انبعاثات الكربون العالمية في الارتفاع، مما سيؤدي إلى آثار أسوأ.
يستند التقرير إلى مساهمات علمية من المرافق الوطنية للأرصاد الجوية والهيدرولوجيا، ومراكز المناخ الإقليمية التابعة للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، وشركاء الأمم المتحدة، وعشرات الخبراء. وقد نشر قبل حلول اليوم العالمي للأرصاد الجوية في 23 مارس، واليوم العالمي للمياه في 22 مارس، واليوم العالمي للأنهار الجليدية في 21 مارس.
وفي هذا السياق، قال أنطونيو غوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة، إن كوكب الأرض يصدر مزيدا من إشارات الاستغاثة، مضيفا أن التقرير الجديد يظهر أيضا أن الحد من ارتفاع درجة الحرارة العالمية على المدى الطويل إلى 1.5 درجة مئوية لا يزال ممكنا.
وشدد غوتيريش على ضرورة أن يبذل القادة جهودا لتحقيق ذلك، مستغلين فوائد مصادر الطاقة المتجددة الرخيصة والنظيفة لشعوبهم واقتصاداتهم، بالإضافة إلى خطط المناخ الوطنية الجديدة المقرر طرحها هذا العام.
بدورها، أعلنت سيليست ساولو الأمينة العامة للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، أن التقرير بمثابة جرس إنذار بشأن المخاطر المتزايدة على الأرواح وسبل العيش، وقالت إن بيانات عام 2024 تظهر أن المحيطات استمرت في الاحترار، وأن مستويات سطح البحر استمرت في الارتفاع، مضيفة أن الأجزاء المتجمدة من سطح الأرض، والمعروفة بالغلاف الجليدي، تذوب بمعدل ينذر بالخطر، بينما لا يزال الطقس المتطرف يخلف عواقب وخيمة في جميع أنحاء العالم، حيث أدت الأعاصير المدارية والفيضانات والجفاف وغيرها من المخاطر خلال عام 2024 إلى أعلى عدد من حالات النزوح الجديدة المسجلة خلال السنوات الـ16 الماضية، وساهمت في تفاقم الأزمات الغذائية، وتسببت في خسائر اقتصادية فادحة.
وأكدت ساولو أن الاستثمار في خدمات الطقس والمياه والمناخ أصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى لمواجهة التحديات وبناء مجتمعات أكثر أمانا ومرونة.
ويقول خبراء المناخ إن الأبحاث السابقة التي حددت دور أزمة المناخ في الكوارث غير الطبيعية أظهرت أن ما لا يقل عن 550 موجة حر وفيضانات وعواصف وجفاف وحرائق غابات أصبحت أكثر شدة أو أكثر تواترا بسبب الاحتباس الحراري العالمي، ويتوقع الخبراء أن يكون العقد القادم أشد حرارة، وأن يعاني ملايين البشر من عواقب الاحتباس الحراري بشكل متزايد، ويؤكد هؤلاء الخبراء أن التغير المناخي ليس مجرد قضية بيئية بل أزمة شاملة تهدد مستقبل البشرية بأسره، وحذروا من أن استمرار الاتجاهات الحالية دون تدخل جاد، سيقود إلى عواقب كارثية، وقالوا إن التحرك الآن وبخطوات جريئة لم يعد خيارا، بل ضرورة ملحة، تفرض على الأفراد، والحكومات، والشركات أن يتحدوا لاتخاذ إجراءات فعالة تعيد التوازن لكوكب الأرض، وتحفظ مستقبله.
ويقدر الخبراء أن كل دولار ينفق على التكيف مع تغير المناخ يوفر 13 دولارا من الأضرار وتكاليف المعالجة، مؤكدين أن السياسات والخيارات التي يتم اتخاذها اليوم ستحدد مدى شدة تأثيرات التغير المناخي وأضراره خلال السنوات المقبلة.
English
Français
Deutsch
Español