قمة باريس للذكاء الاصطناعي.. فرص غير مسبوقة وتحديات هائلة
الدوحة في 09 فبراير /قنا/ تنطلق في باريس غدا أعمال مؤتمر القمة بشأن العمل في مجال الذكاء الاصطناعي برئاسة مشتركة بين فرنسا والهند، وسط تطلعات لصياغة سياسات عالمية لتنظيم الذكاء الاصطناعي، ويشارك في القمة ما يقرب من 100 دولة وأكثر من 1000 ممثل من قادة القطاع الخاص والمجتمع المدني من مختلف أنحاء العالم، لتبادل وجهات النظر حول أفضل الممارسات بشأن قضايا الذكاء الاصطناعي ومحاولة بناء شكل من أشكال الإجماع بشأن الإجراءات التي ينبغي اتخاذها للتعامل مع تحديات هذه التكنولوجيا.
وستركز القمة بشكل أساسي على الفرص الاقتصادية التي يقودها الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء العالم، كما تهدف لوضع فرنسا وأوروبا على خريطة الذكاء الاصطناعي في محاولة لاقتحام المنافسة التي تتركز بين الولايات المتحدة والصين. كما تهدف مناقشات القمة إلى معالجة عدد من الأسئلة وتشمل: كيف يمكن تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي واستخداماتها على نطاق واسع في جميع دول العالم؟، وكيف يمكن ضمان عدم تخلف أي شخص عن الركب والحفاظ على الحريات في ثورة الذكاء الاصطناعي؟، وكيف يمكن ضمان أن استخدامات الذكاء الاصطناعي تحترم القيم الإنسانية وأن التكنولوجيا تخدم المجتمع والمصلحة العامة؟.
وسيسعى المشاركون إلى تحقيق ثلاثة أهداف أساسية وهي: إتاحة انتفاع أكبر عدد ممكن بتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي المستقلة والآمنة والموثوقة، وتطوير تكنولوجيات للذكاء الاصطناعي أكثر بساطة واحتراما للبيئة، وضمان حوكمة تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي على نحو فعال وشامل في الوقت نفسه.
وستنظم أكثر من مائة فعالية على هامش قمة باريس وهي الثالثة من نوعها، فقد استضافت المملكة المتحدة قمة الذكاء الاصطناعي الأولى في نوفمبر 2023، واستضافت سول، بكوريا الجنوبية القمة الثانية، وفي حين أن القمتين الأولى والثانية شهدتا بعض النجاحات الملحوظة في التعاون العالمي بشأن سلامة الذكاء الاصطناعي، فإن قمة باريس هذا العام قد تثبت أنها أكثر صعوبة في إيجاد أرضية مشتركة بين اللاعبين الكبار في مجال الذكاء الاصطناعي، خاصة مع تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة والصين، بسبب التعريفات الجمركية التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤخرا على السلع الصينية، وإطلاق الصين لتطبيق "DeepSeek"، الذي أحدث اضطرابا شديدا في مجال الذكاء الاصطناعي من خلال تحدي الهيمنة الأمريكية المفترضة في هذا المجال.
وقال خبراء فرنسيون إن التطبيق الصيني جعل الجميع يدركون أنه لا ينبغي الاكتفاء بما تقوله الشركات الكبرى على الساحل الغربي، وإن هناك حاجة إلى حوار عالمي في هذا المجال، مع ارتفاع المخاطر التي تهدد الزعامة في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي، والخطط العالمية لاستثمار مليارات الدولارات في البنية الأساسية للذكاء الاصطناعي، وأوضحوا أن قمة العمل بشأن الذكاء الاصطناعي في باريس هي "جرس إنذار" لأوروبا حتى لا تدع ثورة الذكاء الاصطناعي تمر دون أن تنتبه إليها.
وقبل يومين من القمة، أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عزمه الدفاع عن السيادة الفرنسية والأوروبية في مجال الذكاء الاصطناعي، مشددا على ضرورة تقليل الاعتماد على عمالقة التكنولوجيا الأمريكيين والصينيين، وفي تصريحات نشرتها الصحافة الباريسية أمس الأول الجمعة، دعا ماكرون الاتحاد الأوروبي إلى عدم التخلف عن الركب، ودافع عن ما أسماه "الصحوة الأوروبية"، التي تجسدت في الإعلان عن خطة لتطوير أجهزة الكمبيوتر العملاقة على المستوى القاري، ودعا إلى "الوطنية التكنولوجية"، وتشجيع الشركات على إعطاء الأولوية لشراء حلول الذكاء الاصطناعي الفرنسي والأوروبي كلما كانت موجودة، ولدعم هذا الزخم، كشف ماكرون عن عدة مبادرات رئيسية، بما في ذلك هدف تدريب 100 ألف باحث في مجال الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030 وتطوير 35 موقعا جديدا لمراكز البيانات في فرنسا.
لكن هذا التسارع أثار الكثير من المخاوف، وخاصة في عالم الثقافة والتوظيف، ويعترف ماكرون بهذه المخاوف، لكنه يؤكد أن "الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة للإبداع"، متعهدا باتخاذ تدابير لحماية حقوق الفنانين والمؤلفين، ورغم أنه يؤيد تنظيم الاستخدام، فإنه يحذر من الإفراط في التنظيم الذي من شأنه أن يعيق الابتكار، كما حذر من أن "هناك خطرا يتمثل في أن تفرض أوروبا على نفسها الكثير من القواعد وبالتالي لن تتمكن من الابتكار بعد الآن".
وكانت الحكومة الفرنسية قد أعلنت في يناير الماضي عن إنشاء معهد عام مسؤول عن مراقبة الذكاء الاصطناعي، تحت اسم "المعهد الوطني لتقييم وأمن الذكاء الاصطناعي (Inesia)"، ومهمته هي توقع المخاطر المرتبطة بهذه التكنولوجيا الناشئة.
وتأتي قمة باريس في وقت يؤكد فيه المحللون أن القمة ستكون واحدة من أهم الأحداث في تشكيل سياسات الذكاء الاصطناعي العالمية والتقدم المحرز فيها، وأضافوا أنه على مدى السنوات العشر المقبلة، سيكون إتقان الذكاء الاصطناعي هو الذي سيحدد القوة الاقتصادية في القطاعات الاستراتيجية، وسيصبح قريبا بمثابة الكهرباء الجديدة في العالم المعاصر، وقالوا إن هذه التكنولوجيا التي لا تنفك وتيرة تطورها عن التسارع تحدث تحولا عميقا في المجتمعات والاقتصادات، كما تفتح هذه التكنولوجيا "المنقطعة النظير" فرصا غير مسبوقة قد تحدث ثورة في مجالات أساسية كالصحة والتعليم والعمل والابتكار، ويطرح انتشارها السريع أيضا تحديات كبرى على صعيد احترام القيم العالمية ومصداقية المعلومات وحماية الحقوق الأساسية والانتفاع بها.
English
Français
Deutsch
Español