المعادن الأرضية النادرة.. كنوز الحاضر والمستقبل وروح التكنولوجيا الحديثة
الدوحة في 05 فبراير /قنا/ تصدر مصطلح "المعادن الأرضية النادرة" عناوين النشرات الإخبارية والتقارير الصحفية الدولية بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مطلع الأسبوع الجاري رغبته في أن تزود أوكرانيا بلاده بمعادن أرضية نادرة كوسيلة للدفع مقابل ما يقرب من 300 مليار دولار من دعم واشنطن لكييف في حربها ضد موسكو.
وتحتوي أوكرانيا على مخزونات كبيرة من اليورانيوم والليثيوم والتيتانيوم على الرغم من أن أيا منها لا يعتبر من بين أكبر خمس مخزونات في العالم من حيث الحجم، فيما تمتلك الولايات المتحدة احتياطيات غير مستغلة من تلك المعادن وغيرها من المعادن المهمة.
وتعد المعادن الأرضية النادرة بمثابة الطاقة العالمية الجديدة والنواة الأساسية للصناعات عالية الدقة التي ستغزو الكوكب وستحدد البلدان القادرة على تحقيق السبق في مجال التقدم التكنولوجي في جميع أنحاء العالم خلال العقود المقبلة، حيث تقوم بدور محوري في تطوير القطاعات الهندسية والدفاعية والفضائية والطبية وغيرها من القطاعات الصناعية، وتعتبر واحدة من أكثر مكونات الاقتصاد العالمي قيمة.
وتلعب هذه المعادن النادرة دورا حاسما في مجال الطاقة ومستقبل البيئة والنمو الاقتصادي وتدخل كمكونات لا غنى عنها ولابديل لها في صناعة الإلكترونيات والبطاريات والنقل وتوليد الطاقة وتكرير البترول وصناعة الهواتف الذكية وشاشات العرض والمغناطيسات القوية، فضلا عن أهميتها في صناعة الطاقة المتجددة كتوربينات الرياح والألواح الشمسية والسيارات الكهربائية والمحركات في صناعة الألواح الشمسية وأجهزة الرؤية الليلية والأسلحة العالية التوجيه ومعدات الاتصالات وتحديد المواقع ومنظومات الدفاع الجوي، كما أنها تعد مكونات أساسية لصنع السبائك الشديدة الصلابة المستخدمة في الدبابات والمدرعات والقذائف والمحركات النفاثة والأقمار الصناعية والعوازل الحرارية للصواريخ، وفي المنتجات الطبية كعقاقير علاج مرض السرطان.
وعلى سبيل المثال، يعد اليوروبيوم والتربيوم مكونا رئيسيا موجودا في أجهزة التلفزيون، بينما يستخدم النيوديميوم والساماريوم لتوجيه الصواريخ الدقيقة والقنابل الذكية، وسيواجه العالم تحديات كبيرة في المعادن الضرورية للصناعة عالية الدقة التي يحتاجها للانتقال من الطاقة الملوثة للبيئة إلى الطاقة منخفضة الكربون خلال السنوات المقبلة. وتساعد هذه المعادن في الاستغناء عن الهيدروكربونات ووقف انبعاثات الغازات الدفيئة التي ترفع درجة حرارة الكوكب.
وستكون المعادن النادرة في قلب الجهود المبذولة للتخلص من الكربون وكهربة الاقتصاد، وستصبح بذات أهمية الفحم للمحركات البخارية في القرن التاسع عشر أو النفط في القرن العشرين، ومن المرجح أن يتزايد الطلب على المعادن الحيوية بنسبة 400 % بحلول عام 2040 إذا امتثل العالم لالتزامات اتفاق باريس للمناخ.
وعلى الرغم من أن اسمها يشير إلى ندرتها إلا أنها وفيرة نسبيا في قشرة الأرض، لكنها نادرة كونها لا توجد بمفردها بل كأجزاء مكونة لمعادن أكبر، ما يجعل استخراجها مسعى مكلفا، فقبل أن يتم استخدامها لأغراض تجارية أو عسكرية يجب أن تخضع لعدة مراحل من المعالجة المعقدة والضارة بالبيئة والمكلفة.
وتعد الصين اللاعب الرائد في جميع مراحل إنتاج المعادن النادرة، إذ تمتلك أكبر احتياطيات من المعادن النادرة في العالم وتقدر بنحو سبعة وثلاثين بالمئة من الإجمالي العالمي، فيما كانت الولايات المتحدة بين ستينيات وثمانينيات القرن الماضي أكبر منتج في العالم للعناصر الأرضية النادرة، قبل أن تستورد بين عامي 2014 و2017 حوالي 80 % من إمداداتها من الصين.
ورغم أن الصين أكبر منتج لتلك المعادن، فإنها تعتبر في الوقت ذاته أكبر مستورد لها، حيث تلعب دورا محوريا في استراتيجيات البلاد وخططها المستقبلية الرامية إلى تعزيز صناعاتها التكنولوجية عالية الجودة بما يخدم تحولها نحو اعتماد الطاقات المتجددة والسيارات الكهربائية وغيرها من الصناعات المتطورة.
ويشارك الصين لاعبون آخرون في السيطرة على بعض المعادن الاستراتيجية كالكونغو الديمقراطية التي تنتج 70 % من عنصر الكوبالت الحيوي، وتنتج جنوب إفريقيا 37 % من إنتاج المنغنيز العالمي، وغينيا 22 % من البوكسيت المستخدم في صناعة الألمنيوم، فيما تعد أستراليا وتشيلي والأرجنتين أكبر منتجي الليثيوم، أما بوليفيا فتمتلك أكبر احتياطات غير مستغلة من هذا المعدن.
ووفق إحصاءات عام 2023، تصدرت الصين قائمة منتجي المعادن الأرضية النادرة تلتها الولايات المتحدة ثم ميانمار وأستراليا وتايلاند والهند وروسيا ومدغشقر وفيتنام والبرازيل وماليزيا، حيث تقول بعض الدراسات إن جزيرة غرين لاند التابعة للمملكة الدانمارك تعد حاليا موطنا لأكبر رواسب المعادن النادرة غير المطورة في العالم.
وقد دخلت المعادن الأرضية النادرة حلبة الصراع والنفوذ الدولي، فقد فرضت الصين أمس قيودا فورية على صادراتها من بعض المعادن الأرضية النادرة مثل التنغستن والتيلوريوم والبزموت والإنديوم والموليبدينوم التي يتم استخدامها بكثرة في صناعة ألواح الطاقة الشمسية والقذائف المدفعية، لكنها تعهدت بضمان أمان واستقرار سلاسل الإمداد والتصنيع العالمية، وعزت وزارة التجارة الصينية هذه القيود إلى تداعيات حماية الأمن القومي، لكنها جاءت بعد وقت قصير من فرض الولايات المتحدة موجة جديدة من الرسوم الجمركية على الواردات الصينية.
وبالنظر إلى أن الطلب على المعادن النادرة وشبه النادرة سيزداد سبعة أضعاف بحلول سنة 2050 وفق تقديرات البنك الدولي تبعا للتوسع في الاقتصاد الرقمي، يتسارع السباق نحو حيازتها ليشمل بعض الخطط التي تشبه الخيال العلمي مثل التعدين في أعماق البحار أو على سطح القمر كما تخطط الصين مستقبلا وكذلك الولايات المتحدة أو استخراجها من المياه الحمضية التي يتم تصريفها من المناجم المهجورة.
ومن الواضح أن التنافس على المعادن الأرضية النادرة ليس إلا جزءا من صراع عالمي أشمل على الريادة يراوح بين التكنولوجي والسياسي والعسكري، وقد يزداد مع تعدد الأقطاب الدولية والانتقال الحثيث إلى اقتصاد المعرفة، ومن المرجح أن تعتمد الموازين الدولية والريادة العالمية مستقبلا على مدى التحكم في اقتصاد المعرفة والتكنولوجيا الفائقة التطور المدعومة بثروات طبيعية هائلة من المعادن النادرة والكفاءات البشرية.
English
Français
Deutsch
Español