القمة الأوروبية الإفريقية السابعة.. جهود جدية لاستعادة الشراكة وتنمية الاستثمارات
الدوحة في 24 نوفمبر /قنا/ تمثل القارة الأوروبية الشريك التجاري الأول للدول الإفريقية وأقرب جيرانها في المحيط الجيوسياسي بكل تشعباته الثقافية والاقتصادية فضلا عن تبعاته الأمنية والتجارية، وسط متغيرات كبيرة جرت في العقد الأخير، وهو ما اقتضى التحرك أوروبيا بآفاق أوسع لمواجهة التحديات والمنافسة الدولية على مستوى التدخلات العسكرية ومشاريع الاستثمارات بمنطقة كانت تعد الحديقة الخلفية للدول الأوروبية في القرن الماضي.
ويحيي الاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي ذكرى مرور خمسة وعشرين عاما على أول قمة أوروبية إفريقية انعقدت في العاصمة المصرية القاهرة عام 2000، عبر القمة السابعة في العاصمة الأنغولية لواندا، وتستمر ليومي 24 - 25 نوفمبر تحت شعار: "تعزيز السلام والازدهار من خلال تعاون متعدد الأطراف فعال"، وأهم بنودها تعزيز التعاون وتنمية الاستثمارات وتنمية الدول الإفريقية.
وتهدف اجتماعات القمة إلى تعزيز بناء المؤسسات الإفريقية، إضافة إلى تطوير آليات العمل عبر اللقاءات الوزارية والبرامج الإقليمية والقارية، وتسعى إفريقيا من خلال هذه القمة إلى ردم الفجوات الكبيرة في مجالات الأمن الغذائي، والمستلزمات الصحية، والأدوية الأساسية، والتطور التقني، مقابل توفير فرص استثمارية جديدة لأوروبا وإيجاد حلول لمخاوفها المتعلقة بالأمن والهجرة غير النظامية، حيث تشكل هذه القمة محطة بارزة تجسد 25 عاما من الشراكة، وتعزيز الروابط الاقتصادية والسياسية والاجتماعية بين الجانبين.
ويجتمع القادة في الوقت الذي تستمر فيه الموجة الكبيرة من الدبلوماسية الدولية في القارة، خصوصا بعد قمة الدول العشرين التي استضافتها دولة جنوب إفريقيا قبل أيام خلت، ما يبرز توجهات القادة الأفارقة نحو مزيد من الانفتاح الدولي رغم موجة الانقلابات العسكرية في السنوات الأخيرة، وتجدد الحروب والنزاعات الداخلية والإقليمية، ناهيك عن صعوبة التحديات المناخية ومواسم الجفاف التي تضرب دولا عدة فيها.
وحسب الموقع الإلكتروني الذي أنشأته المفوضية الأوروبية خصيصا للقمة السابعة، فإن الاتحاد الأوروبي قدم دعما لمفوضية الاتحاد الإفريقي بقيمة 600 مليون يورو للفترة بين 2022 - 2025 عبر آلية السلام الأوروبية، للدفع قدما بتحقيق أولويات رؤية 2063 الإفريقية، ومعها 1.3 مليار يورو لدعم العمليات الإفريقية لبناء وحفظ السلام، تستفيد منها 21 دولة إفريقية وينشر الاتحاد الأوروبي حاليا 12 بعثة وعملية مدنية وعسكرية في القارة.
أما على مستوى التجارة والاستثمار، تبلغ الاستثمارات الأجنبية المباشرة الأوروبية قرابة 239 مليار يورو، فضلا عن حشد نحو 80 مليار يورو من الاستثمارات في إطار مبادرة البوابة العالمي، لتشمل 138 مشروعا رائدا في مجالات الطاقة النظيفة والتحول الرقمي والبنى التحتية، وأكثر من 80 برنامجا لدعم منطقة التجارة الحرة القارية في إفريقيا، وارتفعت واردات الاتحاد الأوروبي من إفريقيا خلال الفترة 2014 - 2024 بنسبة 37%، كما زادت واردات المنتجات المصنعة بنسبة 75% فزادت من 29 إلى 52 مليار يورو، وتبلغ المواد الأولية منها نسبة 71%، ويشكل الوقود قرابة نصفها، وفقا لأرقام المفوضية الأوروبية.
وتستثمر إفريقيا وأوروبا معا في تنمية المهارات والبحث العلمي والابتكار والتنقل الأكاديمي، فخصص أكثر من 3 مليارات يورو لشراكات البحث والابتكار منذ عام 2021، وأكثر من 1.3 مليار يورو تنفذها جهات إفريقية ضمن برنامج "هورايزون أوروبا" للمنح والمشاريع البحثية، كما يشارك نحو 32 ألف طالب وأكاديمي إفريقي في برامج التبادل ضمن برنامج إيراسموس.
وكانت القمة الأولى في القاهرة عام 2000 تمثل انطلاقة التعاون والشراكة بين إفريقيا والاتحاد الأوروبي، حيث تركزت رؤية الشراكة المعلنة المنبثقة عن هذا المؤتمر على تعزيز العلاقات السياسية، وتعزيز وتشجيع القضايا ذات الاهتمام المشترك، مع تعزيز التعددية الفعالة والشراكات التي يكون محورها الشعوب.
وفي قمة لشبونة البرتغالية عام 2007، اتفق الزعماء الأفارقة والأوروبيون ورؤساء المؤسسات القارية على تبني وثيقة "شراكة إستراتيجية" من أجل فتح صفحة جديدة في علاقات المجموعتين "تتميز بالندية"، وتتركز الإستراتيجية التي تم تبنيها على تحقيق أولويات السلام والأمن، والحكم الديمقراطي وحقوق الإنسان، والتجارة والاندماج الإقليمي، وأهداف الألفية للتنمية، والطاقة والتغيرات المناخية، والهجرة والعلوم والمجتمع والإعلام والفضاء.
أما قمة طرابلس في ليبيا عام 2010، فأعلن بيانها الختامي خطة العمل الثانية، من أجل تعزيز التعاون في الشراكات الثماني التي حددتها الاستراتيجية المشتركة السابقة لإفريقيا والاتحاد الأوروبي عام 2007.
وجاءت قمة بروكسل في بلجيكا عام 2014، فتم خلالها وضع ما تسمى بخريطة الطريق المشتركة، أو مخطط عمل 2014 - 2017، التي تتضمن أهدافا في خمسة مجالات ذات أولوية للتعاون.
ومرورا بقمة أبيدجان عاصمة ساحل العاج عام 2017، التي شكلت أولويات حلول قضيتي الهجرة والأمن محور هذه القمة، بعد ما أثارته الفضيحة الدولية ببيع مهاجرين أفارقة رقيقا في ليبيا من جدل كبير، أعاد قضية الهجرة الإفريقية إلى أوروبا وضرورة تفكيك الشبكات الإجرامية إلى الواجهة، وخلالها خصص الاتحاد الأوروبي 150 مليار يورو للاستثمار خلال سبع سنوات ، مع إعطاء الأولوية للبنية التحتية والنقل والشبكات الرقمية والطاقة، حسب الإعلان النهائي للقمة.
وفي عام 2022، عقدت القمة الأوروبية الإفريقية السادسة مجددا بالعاصمة البلجيكية بروكسل، لتجديد وتعميق الشراكة بين الاتحادين وإطلاق حزمة استثمار إفريقية أوروبية طموحة وبحث التحديات العالمية الراهنة، تحت عنوان: "إفريقيا وأوروبا.. قارتان برؤية مشتركة حتى 2030"، وناقشت عددا من الملفات؛ على رأسها: تمويل النمو والزراعة والتنمية المستدامة، والتعليم والثقافة والتدريب المهني والهجرة والتنقل، ودعم القطاع الخاص والتكامل الاقتصادي، والسلام والأمن والحكم، انتهاء بتغير المناخ.
كما أبدى الاتحاد الأوروبي التزامه بتمويل النظم الصحية وإنتاج اللقاحات في أعقاب جائحة كورونا، وتوفير ما لا يقل عن 450 مليون جرعة من اللقاحات لإفريقيا بحلول منتصف عام 2022، كما تضمنت الوثيقة التأكيد على ضرورة مواصلة الاتحادين جهودهما حتى الوصول إلى استجابة شاملة لمنظمة التجارة العالمية للوباء، فيما يتعلق بالملكية الفكرية والجوانب المتعلقة بالتجارة ذات الصلة.
وفي هذا السياق، تشير العديد من الدول الإفريقية إلى عدم التزام أوروبا بتنفيذ تعهداتها خلال القمم السابقة، رغم عقود من التعاون والشراكة. فالكثير من المشاريع الممولة لا يصل إلى الأسواق الإفريقية بالسرعة المطلوبة، ما يعرقل جهود إنعاش اقتصاداتها.
ويبلغ عدد سكان القارة الإفريقية نحو 1.5 مليار نسمة تقريبا وفقا لإحصاءات الأمم المتحدة للعام 2025، بما يمثل خمس سكان العالم ونسبة 18.8% منهم، وتتمثل أهم ثروات القارة في المعادن مثل الذهب، والبلاتين، والكوبالت، والألماس، واليورانيوم، بالإضافة إلى النفط والغاز الطبيعي والأخشاب الاستوائية، فضلا عن الزراعة بحجم أراضيها الخصبة الواسعة.
بينما يبلغ عدد سكان الاتحاد الأوروبي حوالي 460 مليون نسمة في عام 2025، ويمثل هذا حوالي 5.8% من إجمالي سكان العالم، ويعد ثالث اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة والصين، ويعرف الاتحاد الأوروبي بنموذج اقتصادي متكامل للتجارة الموحدة، ويقدر الإنتاج المحلي لدوله بين 22 - 25% من الاقتصاد العالمي، لكنه يواجه منذ عامين انكماشا كبيرا ويخيم على اقتصادات دوله الكبرى شبح الانكماش والركود مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا.
English
Français
Deutsch
Español