قطر ودول إفريقيا.. رؤية استراتيجية ثابتة قوامها التنمية والسلام والشراكات المتينة
الدوحة في 22 نوفمبر /قنا/ تجسد زيارة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى إلى جمهوريتي رواندا والكونغو الديمقراطية وكذلك مشاركة سموه في قمة مجموعة العشرين بجنوب إفريقيا التي تبدأ اليوم، استمرارا لمسار قطري استراتيجي متدرج ومؤسسي نحو تعزيز التعاون مع دول القارة الإفريقية.
ويرتكز هذا المسار على بناء شراكات سياسية واقتصادية وإنسانية متينة، واضطلاع بجهود وساطة في الكثير من الأزمات، إذ تعكس هذه الرؤية الاحترام المتبادل لسيادة الدول وتعزيز الاستقرار والتنمية، بما يتوافق مع سياسة قطر الخارجية التي تراعي التوازن بين مصالحها الوطنية والتزامها بدعم الجهود الدولية والإقليمية لصون الأمن والسلم.
وعلى مدار أكثر من عقدين، انتهجت قطر مسارا ثابتا لتعزيز حضورها في إفريقيا، معتبرة القارة مستقبل الفرص الاستثمارية والتنموية الكبرى بفضل ثرواتها الطبيعية الضخمة، ومواردها البشرية الشابة، وأسواقها الناشئة الواعدة.
وقد أدركت الدوحة منذ وقت مبكر أهمية استقرار القارة الإفريقية ودورها في تعزيز السلام والاستقرار العالمي، فركزت جهودها على دعم الوساطة والمبادرات الهادفة إلى ترسيخ السلام والمساهمة الإيجابية في المنطقة.
وتأتي زيارة سمو الأمير إلى رواندا والكونغو الديمقراطية، ومشاركته في قمة مجموعة العشرين، ضمن هذا التوجه القطري المتنامي، ليس فقط لتعزيز التعاون الثنائي، بل في إطار رؤية أوسع لدور متوازن ومسؤول يسهم في دعم السلام وتعزيز التنمية عبر شراكات قائمة على المصالح المشتركة.
وتركز قطر على إفريقيا لأسباب استراتيجية متعددة؛ فمن الناحية الجيوسياسية، تتمتع القارة بموقع حيوي على ممرات التجارة الدولية، وتضم دولا مؤثرة في المنظمات الإقليمية والدولية، ما يجعلها شريكا مهما في صياغة القرارات الدولية، ويعكس حرص الدوحة على المشاركة الفاعلة في القضايا الإفريقية.
ومن الناحية الاقتصادية، تتميز القارة بمعدلات نمو سكانية واقتصادية مرتفعة، وتوفر فرصا استثمارية متعددة في قطاعات البنية التحتية والطاقة والزراعة والخدمات اللوجستية، بما يتوافق مع توجه قطر لتنويع محفظتها الاستثمارية وتعزيز الربط الاقتصادي الدولي.
وتكتمل الرؤية بالبعد الإنساني والتنموي، حيث تواجه بعض الدول الإفريقية تحديات كبيرة في التعليم والصحة والبنية التحتية، ما يتيح لدولة قطر دورا ملموسا عبر مؤسساتها المتخصصة مثل صندوق قطر للتنمية، ومؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع، وقطر الخيرية، ومؤسسة التعليم فوق الجميع، وغيرها.
وفي إطار ترسيخ قطر علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية مع الدول الإفريقية، اتسمت زيارات حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى بالعمق الاستراتيجي والشمولية، حيث شملت عقد مباحثات موسعة حول تعزيز التعاون متعدد الأبعاد، وتطوير فرص الاستثمار، والنهوض بالمشاريع التنموية.
فعلى سبيل المثال، في أبريل عام 2017، زار سمو الأمير دول إثيوبيا وكينيا وجنوب إفريقيا، حيث ركزت المباحثات على دعم البنية التحتية والتعليم والصحة، وتعزيز الاقتصاد الوطني وخلق فرص استثمارية مشتركة.
كما تم خلال هذه الزيارات توقيع اتفاقيات في مجالات التعليم والثقافة والسياحة، بما يعكس حرص قطر على بناء شراكات متوازنة ومستدامة تعود بالنفع على شعوب هذه الدول.
وفي ديسمبر من نفس العام، شملت زيارات سموه دول غرب إفريقيا: السنغال، وغينيا كوناكري، ومالي، وكوت ديفوار، وبوركينا فاسو، وغانا، حيث ركزت المباحثات على تعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري والتنمية البشرية بين دولة قطر وتلك الدول.
كما تم توقيع اتفاقيات تعاون ثقافي ورياضي وتعليمي، إلى جانب مشاريع إنسانية ملموسة، أبرزها إنشاء مركز لمعالجة السرطان في بوركينا فاسو بتمويل قطري، ودعم برامج تعليمية وصحية للأطفال في المناطق الأكثر حاجة، ما يعكس الالتزام القطري بالتنمية المستدامة والمساهمة الفاعلة في تحسين جودة الحياة.
وفي أبريل 2019 عام، زار سمو الأمير جمهوريتي رواندا ونيجيريا، حيث ركزت المباحثات على تعزيز التعاون الاقتصادي والتنموي، وسبل دعم التعليم والابتكار والطاقة والزراعة والبنية التحتية، فضلا عن توقيع عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم لتعزيز الشراكات الثنائية.
وفي سياق ذي صلة، عكست زيارة صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني إلى جنوب إفريقيا في مايو 2002 التزام الدولة المتواصل ببناء شراكات استراتيجية قائمة على الثقة والاحترام المتبادل، وهو مسار أسهم في وضع قطر كفاعل مؤثر في القارة عبر الجمع بين الدبلوماسية الرسمية والمشروعات الاقتصادية والإنسانية.
حافظت قطر على نهجها الدبلوماسي النشط القائم على الحياد الإيجابي والدبلوماسية الوقائية، وهو ما تجسد بوضوح في جهودها لتحقيق اختراق في مسار السلام بين رواندا والكونغو الديمقراطية.
ففي 18 مارس عام 2025، عقد حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى اجتماعا في الدوحة مع فخامة الرئيس بول كاغامي رئيس جمهورية رواندا، وفخامة الرئيس فيليكس تشيسكيدي رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية، في إطار الجهود المبذولة لتهدئة الوضع في شرق الكونغو الديمقراطية.
وقد شكل هذا الاجتماع بداية لمسار التهدئة بين الطرفين بوساطة قطرية ركزت على تقريب وجهات النظر وتخفيف التوترات، ما مهد الطريق لتوقيع اتفاق سلام بين البلدين في واشنطن في يونيو من العام نفسه برعاية قطرية وأمريكية.
كما توجت هذه الجهود لاحقا بتوقيع "إعلان المبادئ" في يوليو بين حكومة الكونغو الديمقراطية وحركة /23 مارس/، لتؤكد مكانة قطر كوسيط موثوق في تسوية النزاعات.
وحظي هذا الإنجاز بإشادة واسعة من مجلس الأمن الدولي وعدد من الدول والمنظمات الدولية لدور الدوحة الفاعل في دعم السلام، ضمن رؤية ترتكز على الحوار والتعاون الدولي.
وتعكس هذه الجهود الحثيثة للوساطة أيضا دور قطر في تمهيد مناخات الاستقرار التي تسمح بتنفيذ مشاريع تنموية واستثمارية، مع تموضع بارز على المسار الإنساني لتسهيل وصول المساعدات وحماية المدنيين المتضررين من النزاعات، وهو نهج يبرز التزام الدوحة بدمج الوساطة الدبلوماسية مع التنمية الاقتصادية والاجتماعية، بما يسهم في ترسيخ الأمن والسلام طويل الأمد.
وفي الجانب الاقتصادي، تجسد السياسة القطرية في إفريقيا عبر استثمارات مباشرة وشراكات استراتيجية مؤسسية، أبرزها قطاع الطيران والبنية التحتية، حيث استحوذت قطر على 60 بالمئة من أسهم مطار بوغيسيرا الدولي في رواندا، المصمم لاستقبال سبعة ملايين مسافر سنويا، مع خطة لتوسعة المرحلة الثانية لتصل إلى 14 مليون مسافر بحلول عام 2032.
كما عززت الخطوط الجوية القطرية الربط الجوي الإقليمي، وأطلقت رحلات مباشرة إلى كينشاسا في أبريل عام 2024، ما أدى إلى تحسين حركة الركاب والبضائع وربط الأسواق الإفريقية بمركزية مطار حمد الدولي، وهو ما يسهم في دعم التبادل التجاري والسياحي وتسهيل سلاسل الإمداد اللوجستية.
وفي المجال المالي والتمويلي، دخلت جهات قطرية في اتفاقيات مع جهات مالية إفريقية، من بينها مذكرة تفاهم بين مركز قطر للمال ووكالة رواندا فاينانس لفتح قنوات مالية واستثمارية مشتركة، ما يهدف إلى تشجيع الاعتراف المتبادل وتنمية بيئة استثمارية جاذبة، بالإضافة إلى مشاركة جهاز قطر للاستثمار وشركات القطاع الخاص في مشاريع طاقة وبنية تحتية في دول إفريقية متعددة.
وفي القطاع الزراعي، شهدت دول مثل رواندا توقيع اتفاقيات مع شركات قطرية مثل شركة "حصاد" لدعم الاستثمارات الزراعية والأمن الغذائي، ضمن توجه قطري لدعم سلاسل غذائية وتعزيز الإنتاجية، والجمع بين الاستثمار الحكومي والقطاع الخاص والربط الجوي لتشكيل منصة طويلة الأمد تحول الروابط السياسية إلى مشاريع تنموية ملموسة.
أما على الصعيد الإنساني والتنمية، فقد وجهت الدوحة عبر صندوق قطر للتنمية، ومؤسسة التعليم فوق الجميع، وقطر الخيرية، والهلال الأحمر القطري مبادرات واسعة في القارة، تركزت على التعليم والصحة وتمكين المجتمعات.
ففي رواندا، دعم الصندوق برنامج "صفر أطفال خارج المدارس" الذي ساهم في دمج 177 ألفا و119 طفلا في النظام التعليمي، بالتعاون مع وزارة التعليم ومنظمات دولية وشركاء محليين، إضافة إلى مشاريع رعاية صحية وتنمية ريفية.
وفي الكونغو الديمقراطية، دعم الصندوق جهود التعليم وحماية الأطفال الأكثر ضعفا بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف"، حيث خصص أكثر من 29 مليون دولار لتوسيع الوصول إلى التعليم في المناطق المتأثرة بالنزاعات بشرق البلاد، ضمن جهود قطر المستمرة لتسهيل عمل المنظمات الإنسانية وضمان وصول المساعدات للفئات الأكثر احتياجا.
ويعكس هذا التوجه التزام قطر بالنهج التنموي الذي يجمع بين دعم الاستقرار، وتمكين المجتمعات، وتعزيز البنية التحتية والخدمات الأساسية مثل الصحة والمياه، مع دمج العمل الإنساني ضمن سياسات التنمية المستدامة.
كما تسعى قطر إلى تعزيز التعاون المؤسسي عبر المنظمات الإقليمية الإفريقية، ومنها الاتحاد الإفريقي، مع المشاركة الفاعلة في القمم والمنتديات الاقتصادية الكبرى لتبادل الخبرات وبناء شراكات طويلة الأمد.
على صعيد متصل، تجسد مشاركة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى في قمة مجموعة العشرين المقررة في جنوب إفريقيا الحضور القطري الفاعل والبارز على الساحة الدولية، وتعكس التزام الدولة بالمساهمة في جهود المجتمع الدولي لتعزيز التنمية المستدامة في القارة الإفريقية.
وتسعى قطر من خلال هذه المشاركة إلى القيام بدور مؤثر في صياغة حوار دولي أكثر شمولا حول التنمية في إفريقيا، مع التركيز على تعزيز التكامل بين التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ودعم مبادرات العدالة الاجتماعية، وبناء شراكات متوازنة ومستدامة بين دول الشمال والجنوب.
كما تؤكد المشاركة التزام قطر بتقديم خبراتها الاستثمارية والاقتصادية لدعم المشاريع التنموية في القارة، وفتح آفاق جديدة للتعاون التجاري والاستثماري الذي يسهم في دفع عجلة النمو وتحقيق التنمية الشاملة في المنطقة.
إن الأبعاد الثلاثة، السياسي والاقتصادي والإنساني، تؤكد أن التوجه القطري نحو إفريقيا خيار استراتيجي متدرج، يعكس رؤية الدوحة في توسيع التعاون مع دول الجنوب العالمي وترسيخ نموذج تنموي يقوم على المشاركة والمسؤولية المشتركة.
وتؤكد زيارات سمو الأمير المفدى أن قطر تمضي بثقة نحو تعميق حضورها في إفريقيا كشريك موثوق في السلام والتنمية والاستثمار، في وقت تتجه فيه أنظار العالم نحو القارة كمحور رئيسي في مستقبل الاقتصاد العالمي.
وبينما تعزز قطر شراكاتها الإفريقية في مجالات الطاقة والبنية التحتية والتعليم والصحة، تؤكد أن دعم التنمية لا ينفصل عن دعم الاستقرار والسلام، وأن السياسة القطرية القائمة على الحوار والتعاون الإيجابي تظل رافدا أساسيا في بناء علاقات دولية قائمة على الاحترام والمصالح المشتركة.
ومع كل زيارة رسمية لسمو الأمير المفدى، تتعزز هذه الشراكات لتصبح الدوحة جسرا للحوار والتعاون بين العالم العربي وإفريقيا، وتعكس حضورها كقوة دبلوماسية وإنسانية فاعلة في دعم الأمن والاستقرار والتنمية في القارة الإفريقية.
English
Français
Deutsch
Español