الكونغو الديمقراطية.. موارد عملاقة وجغرافيا استراتيجية في قلب القارة الإفريقية
الدوحة في 21 نوفمبر /قنا/ تعد جمهورية الكونغو الديمقراطية من عمالقة القارة الإفريقية من حيث المساحة والثروات الطبيعية، ولتجسيد اتساعها توصف أحيانا بأنها "شبه قارة" أو "قارة داخل قارة"، فهي ثاني أكبر دولة في إفريقيا من حيث المساحة، بعد الجزائر، حيث تمتد على مساحة شاسعة تبلغ حوالي 2,344,858 كم².
وتشترك الكونغو في حدود مشتركة بطول تسعة آلاف ومائة وخمسة وستين كيلومترا مع تسع دول مجاورة، مما يمثل ميزة كبيرة على عدة أصعدة، بما في ذلك الاستثمار.
كما تطل على المحيط الأطلسي في الغرب من خلال شريط ساحلي لا يزيد عن 50 كم من حيث يمتد مصب نهر الكونغو، ويقدر عدد سكانها بحوالي مائة وعشرين مليون نسمة، ما يجعلها من أكثر الدول اكتظاظا بالسكان في القارة، مع تنوع هائل يشمل أكثر من 200 مجموعة عرقية وثقافية.
وتعتبر الكونغو الديمقراطية واحدة من أغنى دول العالم بالثروات الطبيعية، التي تجعلها محورا استراتيجيا للقرن الحادي والعشرين، خاصة أن الاقتصاد العالمي يعتمد بشكل متزايد على المعادن التي تمتلك تلك الدولة الاحتياطيات الأكبر منها، وتقدر ثرواتها من المعادن غير المستغلة بنحو 24 تريليون دولار.
وتعد الكونغو الديمقراطية المورد الأول عالميا للعديد من المعادن الاستراتيجية، وفي مقدمتها الكوبالت، حيث تنتج منه أكثر من 70% من الإنتاج العالمي، وهو مكون لا غنى عنه في صناعة بطاريات الليثيوم المستخدمة في السيارات الكهربائية، والهواتف الذكية، وأجهزة الكمبيوتر المحمولة، ما يجعل من هذا المعدن ثروة استراتيجية في عصر التحول نحو الطاقة النظيفة.
كما تقع داخل حدود الكونغو الديمقراطية حوالي 10% من احتياطيات النحاس العالمية، وهو معدن أساسي لشبكات نقل الكهرباء والبنية التحتية للطاقة المتجددة، كما تنتج أيضا الكولتان وهو معدن حاسم في صناعة الإلكترونيات، كالمكثفات، والهواتف الذكية، والأجهزة الطبية وتمتلك احتياطيات كبيرة من الألماس والذهب، والليثيوم والقصدير والزنك والمنغنيز وغيرها.
ووفقاً لتقديرات البنك الدولي، يساهم قطاع التعدين هناك بنحو 90% من الصادرات، مع إنتاج تجاوز 25 مليار دولار في عام 2024 من النحاس والكوبالت وحدهما.
لكن الثروة لا تقتصر على معادن الأرض؛ فالسماء والأنهار تشاركان في هذا الغنى، حيث تمتلك الكونغو الديمقراطية جزءا كبيرا من غابة الأمازون الإفريقية، وهي ثاني أكبر غابة استوائية في العالم، حيث تغطي 60% من حوض الكونغو، وتلعب دورا حيويا في تنظيم المناخ العالمي، ولا ينحصر دور هذه الغابات في كونها مصدرا للتنوع البيولوجي الاستثنائي من خلال أكثر من 10 آلاف نوع نباتي وألفي نوع حيواني، بل هي مصدر هائل لتجارة وصناعة الأخشاب، كما أنها مصدر محتمل لـ900 مليون دولار سنويا من خلال أسواق الائتمان الكربوني.
وعن الإمكانيات الزراعية للكونغو الديمقراطية، تمتلك البلاد 80 مليون هكتار صالحة للزراعة، 90% منها لا تزال غير مستغلة، ووفقا لتقارير الأمم المتحدة فإن هذه الأراضي الخصبة المروية بأنهار ومياه جوفية وفيرة، قادرة على إطعام أكثر من ملياري شخص، كما تمنح هذه الأراضي، مع هطول الأمطار الكافي، جمهورية الكونغو الديمقراطية القدرة على أن تصبح سلة غذاء لإفريقيا.
وتشمل المنتجات الرئيسية لهذه الأراضي الأرز والقطن والبن والكسافا، والذرة، والفول السوداني والفواكه والتبغ، وقصب السكر، والكاكاو، والمطاط وزيت النخيل، لكن الإنتاج الحالي لا يغطي سوى 10% من الطلب المحلي، ما يجعل الكونغو الديمقراطية مستورداً صافياً للغذاء رغم إمكانياتها، ويسهم القطاع الزراعي هناك بنسبة 18% من الناتج المحلي الإجمالي، ويُوفر أكثر من 60% من فرص العمل الجديدة.
وعلى صعيد الطاقة الكهرومائية، يعد نهر الكونغو، ثاني أكبر نهر في العالم من حيث التدفق، ويمتلك النهر إمكانات توليد طاقة كهرومائية تُقدر بأكثر من 100,000 ميغاواط، من خلال مشروع سد إنجا ومشاريع التوسعة اللاحقة، وهو من أكبر المشاريع الكهرومائية في العالم، مع إمكانية تزويد جزء كبير من القارة الإفريقية بالكهرباء النظيفة وبتكلفة منخفضة.
ويعتمد النقل في تلك البلاد بشكل كبير على الأنهار كنهر الكونغو، وهو ثاني أطول نهر في إفريقيا، وأعمق نهر في العالم، حيث يصل عمقه إلى أكثر من 220 متراً، بالإضافة إلى الطرق البرية والسكك الحديدية التي تعاني من تحديات في البنية التحتية.
وتحتوي الكونغو الديمقراطية على مجموعة من المتنزهات الوطنية المدرجة في قائمة التراث العالمي لليونسكو، مثل منتزه فيرونغا الوطني الذي يعتبر ملاذا للكثير من الحيوانات النادرة، مثل غوريلا الجبال.
تعد الفجوة بين الإمكانات الزراعية والاعتماد على الواردات الغذائية فرصة استثمارية ضخمة، وقد أطلقت الحكومة في كينشاسا برنامج تحول زراعي يهدف إلى استثمار 6.6 مليار دولار على مدى عشر سنوات، ويعد جذب الاستثمارات عاملا أساسيا في تحسين مناخ الأعمال، وتواصل حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية بذل جهود حثيثة لجعل بيئتها وجهة للاستثمارات المحلية والدولية.
وفي هذا السياق، صادقت في يوليو 2021، على خارطة طريق إصلاحات مناخ الأعمال، كما اعتمدت خطة وطنية استراتيجية للتنمية، لتمكين المستثمرين من استكشاف أسواق جديدة في قطاعات نمو واعدة.
وتركز هذه الخطة على عدد من القطاعات، منها: التعليم، والبنية التحتية، والطاقة، والزراعة، والصناعة، وتقنيات المعلومات والاتصالات الجديدة، والتأمين، وغيرها، مما يُسهم في تنويع الاقتصاد الكونغولي وتعزيز مرونته، وهو الضمان الرئيسي للأمن من الصدمات الخارجية.
ومن خلال تنفيذ هذه الخطة، تعتزم الكونغو الديمقراطية الوصول إلى مستوى التنمية المطلوب على ثلاث مراحل رئيسية، هي: أن تصبح دولة ذات دخل متوسط "المستوى الأول" بحلول عام 2030 من خلال التحول الزراعي، ثم الوصول إلى مرحلة البلدان ذات الدخل المتوسط "المستوى الثاني" بحلول عام 2040 من خلال الصناعة التحويلية، وأن تصبح في المستوى الثالث دولةً ذات دخل مرتفع بحلول عام 2050 من خلال تراكم المعرفة، ويتعلق الأمر ببناء مجتمع قائم على المعرفة من خلال الاستثمار بكثافة في تراكم رأس المال البشري والبحث والتطوير.
وتمثل جمهورية الكونغو الديمقراطية وجهة استثمارية غنية بالفرص بكل ما في الكلمة من معنى، انطلاقا من تنوع مواردها الطبيعية ووفرتها في مختلف أنحاء البلاد، ويشكل الشباب دون سن الخامسة والعشرين نحو 60 % من إجمالي عدد السكان الذي يقدر بمائة وعشرين مليون نسمة، الأمر يخلق قاعدة هائلة من الأيدي العاملة، وسوقا استهلاكية ضخمة.
English
Français
Deutsch
Español