غزة بعد الحرب.. أسواق تنهض من الركام واقتصاد يترنح تحت الحصار
غزة في 26 أكتوبر /قنا/ ما إن خمدت أصوات المدافع وانقشع غبار الحرب من سماء قطاع غزة، حتى بدأ أكثر من مليوني فلسطيني رحلة شاقة نحو استعادة أنفاس الحياة من جديد، بعد شهور طويلة من القتل والتجويع والتدمير المنهجي لكل ما يمت إلى مقومات العيش بصلة.
فالحرب الإسرائيلية الأخيرة لم تترك زاوية في غزة إلا وامتدت إليها نيرانها، فانهارت البنية التحتية، وتوقف النشاط الاقتصادي، وتحولت البيوت والمحال التجارية إلى ركام صامت، بينما وجد السكان أنفسهم أمام واقع قاس يختبر قدرتهم على الصمود والبقاء وسط جراح لم تلتئم بعد.
ومع انقضاء الأيام الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، بدأت مظاهر الحياة تدب بخُطا بطيئة ومتعثرة في أسواق القطاع، تلك الأسواق التي ظلت طيلة أيام العدوان خاوية من البشر والبضائع، بعدما أغلقت المعابر التجارية، ومنع الاحتلال دخول المواد الغذائية والمستلزمات الأساسية.
ومع توقف أصوات القصف وبدء عودة بعض العائلات النازحة، ظهرت محاولات خجولة للتعافي الاقتصادي، لكنها تواجه عراقيل جمة بفعل استمرار الحصار الإسرائيلي وتقييد حركة البضائع.
وتبدو أسواق غزة اليوم كأنها تستيقظ من تحت الأنقاض.. المحال المدمرة جزئيا فتحت أبوابها وسط الشوارع المزدحمة بالركام، بينما يحاول التجار ترتيب ما تبقى من بضائعهم على طاولات مهترئة، علهم يجذبون زبائن أنهكهم الفقر وغلاء الأسعار.
ورغم أن بعض السلع الأساسية عادت تدريجيا إلى الأسواق، فإن معظم العائلات الفلسطينية تواجه صعوبة بالغة في تأمين احتياجاتها اليومية بسبب ارتفاع الأسعار وضعف الدخل وغياب السيولة النقدية.
لقد أتت نيران الحرب على كل ما كان يسند حياة الغزيين، فأغلقت آلاف المحال، وتوقفت المصانع الصغيرة، وتراجعت القدرة الشرائية إلى مستويات غير مسبوقة. وحتى بعد إعلان وقف إطلاق النار، بقيت مشاهد المعاناة ماثلة في وجوه المواطنين الذين يكابدون يوميا للحصول على لقمة عيش تسد الرمق، بينما يقفون طوابير طويلة في انتظار دخول مساعدات محدودة لا تغطي سوى القليل من حاجاتهم.
وفي جولة لوكالة الأنباء القطرية "قنا" لعدد من الأسواق المركزية والشعبية، بدا المشهد مزيجا من الأمل والألم؛ فبعض المحال عادت إلى العمل بعد أن رمم أصحابها ما يمكن ترميمه، في حين بقيت متاجر أخرى مغلقة بعدما التهمها الدمار أو فقد أصحابها مصادر تمويلهم.
وقد بدأت أصناف كانت مفقودة خلال الحرب بالعودة إلى الأسواق، مثل الخضراوات وبعض الفواكه والبقوليات والمعلبات والسلع الأساسية من الأرز والزيت والسكر والطحين ومواد التنظيف. لكن أسعار هذه المواد لا تزال مرتفعة مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب؛ إذ وصلت خلال العدوان إلى عشرات أضعاف قيمتها الأصلية. أما اللحوم الطازجة والمجمدة والألبان والبيض فما زالت نادرة بسبب استمرار القيود الإسرائيلية التي تمنع إدخالها بالكميات المطلوبة.
وفي هذا السياق، يقول خالد أبو مرعى، أحد تجار المواد الغذائية في مدينة خان يونس، إن الأسواق شهدت بعد توقف الحرب "نوعا من الانتعاش النسبي"، لكنه لا يزال بعيدا عن الحد الأدنى المطلوب لإعادة دوران عجلة الاقتصاد المحلي.
وأضاف: "حاولنا إدخال السلع الأساسية عبر المعابر التجارية فور بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار، لكن الاحتلال ما زال يمنع دخول اللحوم والألبان والبيض والحليب بالكميات الطبيعية. ما وصل فعليا إلى القطاع كميات محدودة للغاية، وهذا ما أدى إلى استمرار ارتفاع الأسعار وصعوبة حصول المواطنين على احتياجاتهم اليومية".
وأوضح في حديث لـ"قن"/: "الناس يأتون إلى الأسواق بدافع الأمل، لكنهم يغادرون خاليي الوفاض بعد أن تصدمهم الأسعار. المواطن اليوم يختار بين شراء القليل من الطعام أو الاحتفاظ بما تبقى من ماله لتأمين دواء أو وقود للطهي".
في سوق مدينة دير البلح الشعبي، يمشي المسن عليان فارس بخطوات متثاقلة، يتفقد أكياس الحبوب وأرغفة الخبز في محلات صغيرة أعيد فتحها جزئيا، محاولا شراء بعض الطعام لأحفاده الذين فقدوا والدهم خلال الحرب. لكنه يعود في نهاية المطاف خالي اليدين، فغلاء الأسعار وندرة المال جعلا من شراء الحاجيات الأساسية أمرا شبه مستحيل.
وقال فارس لـ"قنا": "عشنا أيام الحرب بلا طعام تقريبا، كنا نحلم برغيف خبز واحد. وبعد توقف القصف ظننا أن الحال سيتحسن، لكن الواقع لم يتغير كثيرا. الأسعار انخفضت قليلا، لكن لا مال لدينا. فقدت عملي ومصدر دخلي ومحلي التجاري الذي كان يعيل أسرتي. اليوم أعيش على المساعدات، وهي لا تكفي شيئا".
وقصة فارس لا تختلف كثيرا عن آلاف الأسر الغزية التي فقدت مساكنها ومصادر دخلها، فكثيرون وجدوا أنفسهم يعيشون في خيام أو منازل مهدمة جزئيا، يحاولون الصمود في وجه الفقر والجوع والبرد، بينما تغيب أي مؤشرات حقيقية على انتعاش اقتصادي قريب.
ورغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار، لا تزال عملية إدخال المساعدات إلى غزة تعاني من التعطيل المتعمد من قبل الاحتلال الإسرائيلي، فقد أكد الدكتور إسماعيل الثوابتة، مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، أن إجمالي ما دخل القطاع منذ بدء سريان القرار حتى الآن لا يتجاوز 1000 شاحنة مساعدات إنسانية فقط من أصل 6600 شاحنة تم الاتفاق على إدخالها.
وأوضح الثوابتة، في حديث لـ"قنا"، أن متوسط عدد الشاحنات التي تدخل القطاع يوميا لا يزيد عن 89 شاحنة فقط من أصل 600 شاحنة كان من المفترض دخولها بشكل يومي، وهو ما يعكس استمرار سياسة "الخنق والتجويع" التي يتبعها الاحتلال ضد أكثر من مليوني فلسطيني يعيشون في القطاع المحاصر.
وأكد أن هذه الكميات لا تغطي الحد الأدنى من الاحتياجات الإنسانية والمعيشية، مشددا على الحاجة الماسة لتدفق عاجل ومنتظم للمساعدات التي تشمل المواد الغذائية والطبية والإغاثية، إضافة إلى وقود التشغيل وغاز الطهي لضمان استمرار الحد الأدنى من الخدمات الأساسية كالمياه والكهرباء والصحة.
وفي قراءة اقتصادية للوضع الراهن، قال الخبير أحمد أبو قمر إن البيانات الاقتصادية تشير إلى أن ما دخل القطاع من بضائع ومساعدات منذ بداية الحرب وحتى اليوم لا يتجاوز 15 بالمئة من احتياجات السوق الفعلية، وهو ما يعكس عمق الأزمة واستمرار سياسة "التقطير الاقتصادي" التي يستخدمها الاحتلال كأداة ضغط جماعي.
وأضاف أبو قمر لـ"قنا" أن المتوسط اليومي لدخول الشاحنات لا يتعدى العشرات، بينما يفترض أن يتجاوز 600 شاحنة يوميا لتغطية الاحتياجات الأساسية للسكان. هذه الفجوة الكبيرة أدت إلى اضطرابات حادة في الأسعار والعرض والطلب، وجعلت السوق المحلية رهينة للتقلبات السياسية والميدانية.
وبين أن الانخفاض الطفيف الأخير في أسعار بعض السلع لم ينعكس فعليا على تحسين مستوى المعيشة، إذ تشير التقديرات إلى أن نسبة الفقر تجاوزت 90 بالمئة، في حين وصلت معدلات البطالة إلى نحو 83 بالمئة، وهي من الأعلى عالميا.
وأضاف أن استمرار الإغلاق الجزئي للمعابر والمماطلة في إدخال المساعدات يعيق أي فرصة لتعافي الاقتصاد الغزي الذي يعاني من "تشوه هيكلي" بفعل الحصار والحروب المتكررة.
بدوره، أكد الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، في تقرير حديث، أن قطاع غزة يغرق في معدلات بطالة غير مسبوقة بعد مرور عامين على الحرب الإسرائيلية، حيث ارتفع معدل البطالة خلال العدوان إلى أكثر من 80 بالمئة، ما رفع عدد العاطلين عن العمل إلى مستويات قياسية، وعمق الأزمة الاجتماعية والإنسانية التي يعيشها السكان.
وأشار التقرير إلى أن الحرب دمرت البنية الاقتصادية للقطاع بالكامل، إذ توقفت المصانع والمنشآت الإنتاجية، وتضررت البنية التحتية للنقل والاتصالات والطاقة، ما جعل من استئناف الحياة الاقتصادية أمرا بالغ الصعوبة.
وكان اتفاق وقف إطلاق النار بين حركة المقاومة الإسلامية "حماس" والكيان الإسرائيلي قد دخل حيز التنفيذ في العاشر من الشهر الجاري، عقب انسحاب جيش الاحتلال من المواقع والمناطق المأهولة في القطاع، وبدء عودة النازحين إلى شمالي غزة.
وجاء الاتفاق في إطار المرحلة الأولى من مبادرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء الحرب وفتح مسار تسوية سياسية بين الطرفين.
ورغم مرور أسابيع على وقف إطلاق النار، فإن غزة ما زالت تعيش تبعات حرب لم تنته فعليا، فالدمار ما زال شاهدا على قسوة العدوان، والاقتصاد ما زال مشلولا، والناس يعانون من أجل البقاء في مواجهة الجوع والحصار وانعدام الأفق.
ويحاول أهل غزة اليوم النهوض من تحت الركام بأيد عارية وقلوب مثقلة بالأمل، لكنهم يدركون أن طريق التعافي طويل وشاق ما دامت إسرائيل تواصل سياساتها القائمة على الخنق الاقتصادي والتجويع، ففي غزة، انتهت الحرب عسكريا، لكنها ما زالت مستعرة في تفاصيل الحياة اليومية، حيث يكافح الناس كل صباح لإثبات أن الحياة يمكن أن تولد حتى من بين الرماد.
English
Français
Deutsch
Español