حماية الغابات.. اتساع الفجوة بين الوعود والواقع
الدوحة في 16 أكتوبر /قنا/ على الرغم من التعهدات التي قدمتها أكثر من مائة وأربعين دولة خلال مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ في غلاسكو عام 2021 بوقف إزالة الغابات وتدهورها وعكس مسارها بحلول عام 2030، واستعادة 350 مليون هكتار من الأراضي والغابات المتدهورة، إلا أن التقارير الحديثة ترسم صورة قاتمة لوضع الغابات على مستوى العالم، وتشير إلى أن الفجوة بين الوعود والواقع تتسع عاما بعد عام، ما يهدد صحة الكوكب ورفاه الأجيال القادمة.
ويؤكد أحدث تقرير لإعلان الغابات، والذي يتم تجميعه كل عام، من قبل تحالف من منظمات المجتمع المدني والبحث العلمي، أن الغابات مكون أساسي لا غنى عنه في كوكب الأرض، خاصة بسبب دورها في معالجة أزمات المناخ والتنوع البيولوجي والطبيعة المترابطة.
وأشار التقرير إلى أن العالم متأخر في الوقت الحاضر بنسبة ثلاثة وستين بالمائة عن المسار الصحيح، لتحقيق الأهداف المنشودة، وسلط الضوء على كيفية قيام الأنظمة المالية بضخ الأموال في إزالة الغابات، وتقويض الجهود الرامية إلى الحد من الدمار الذي يلحق بها، مشيرا إلى إحراق أو إزالة عشرين مليون فدان من الغابات خلال العام الماضي، وهي مساحة تعادل نصف مساحة إنجلترا تقريبا.
وأكد التقرير أن الغابات بنية تحتية لا غنى عنها لكوكب صالح للعيش، وإن الاستمرار في عدم حمايتها يعرض الازدهار العالمي للخطر، وأشار إلى أن وراء الصورة القاتمة للجهود المبذولة للحفاظ على الغابات اختلال مريع بين التمويل المخصص لإزالة الغابات والمحافظة عليها، وقال إن القطاعات الزراعية، التي كانت مسؤولة عن 85 بالمئة من فقدان الغابات خلال العقد الماضي، تلقت إعانات سنوية بقيمة 409 مليارات دولار أمريكي، وهو ما يعادل تقريبا 70 ضعفا من التمويل العام الدولي المخصص سنويا لحماية الغابات واستعادتها، والبالغ 5.9 مليار دولار أمريكي.
وكشف تقرير منفصل صادر عن منظمة "غلوبال ويتنس"، المتخصصة في كشف العلاقة بين استغلال الموارد الطبيعية والصراع والفساد وانتهاكات حقوق الإنسان، أن البنوك حققت 26 مليار دولار كأرباح من تمويل شركات إزالة الغابات منذ توقيع اتفاقية باريس عام 2015، بمتوسط 7 ملايين دولار يوميا.
ويرى معدو التقرير أن العالم لن يحقق هدفه لعام 2030 بوقف إزالة الغابات، ما دام اقتلاعها أكثر ربحية من حمايتها، وقالوا إن على قادة العالم إذا أرادوا تغيير هذا الوضع التحرك الآن وبشكل عاجل لوقف تدفق الأموال التي تغذي هذه الأزمة، والتصدي لإزالة الغابات بشكل حقيقي وجماعي لتنفيذ إصلاحات جريئة وملزمة تحدث تحولا في النظام الذي لا يزال يكافئ بسخاء فقدان الغابات.
كما دعا معدو التقرير لوضع إطار عمل مشترك، لتوحيد الحكومات والشركات والممولين والمجتمعات حول أجندة عمل متسقة لوقف إزالة الغابات وعكس مسارها بحلول عام 2030، وقالوا إن هذه الرؤية ليست مجرد تعهد، بل هي خارطة طريق عملية تترجم الالتزامات القائمة إلى إجراءات ذات أولوية على المدى القريب، ويجب على مختلف الجهات الفاعلة اتخاذها للبقاء على المسار الصحيح.
وأشار التقرير إلى أن الآمال بالتغيير معقودة الآن على مؤتمر الأطراف الثلاثين (COP30)، الذي سيعقد الشهر المقبل في البرازيل، وهو أول قمة مناخية تعقد في منطقة الأمازون، ويهدف المؤتمر إلى تحقيق تقدم كبير في الحفاظ على الغابات والعمل المناخي بحلول عام 2030.
وقد أثبتت البرازيل، الدولة المضيفة، قدرتها على إبطاء وتيرة إزالة الغابات بشكل كبير من خلال تطبيق القانون بشكل أكثر صرامة، ومن المنتظر أن تقترح خلال المؤتمر آلية تمويل جديدة للحفاظ على الغابات، والتي تهدف لجمع 125 مليار دولار أمريكي للدول التي تحافظ على غاباتها بشكل دائم، وتضم البرازيل نحو ستين بالمائة من غابات الأمازون المطيرة، أي ما يعادل 421 مليون هكتار إجمالا.
ويعترف خبراء الغابات والمناخ أن الطريق إلى الأمام لن يكون سهلا، خاصة أنه يتطلب كسر الحواجز قصيرة النظر، والتغلب على اختلالات القوة المتجذرة، والاعتراف بالغابات ليس كموارد قابلة للاستهلاك، بل كنظم حية بالغة الأهمية لبقاء البشر ورفاهيتهم وسلامة كوكبهم.
ويعد فقدان الطبيعة وتغير المناخ من أكثر التحديات التي تواجه البشرية إلحاحا، في الوقت الحالي، ووفق تقارير دولية، تغطي الغابات ثلث مساحة اليابسة على كوكب الأرض، وتعمل كركائز أساسية لتعزيز كل من الصحة البيئية ورفاه الإنسان، وتشير بعض الدراسات إلى أنه يتم قطع 10 ملايين هكتار من الأشجار سنويا من أجل زراعة المحاصيل وزيادة الثروة الحيوانية، ومن خلال إعطاء الأولوية للغابات في الأجندات السياسية العالمية، يمكن ضمان مستقبل مستدام للجميع.
وتوفر الغابات العديد من الفوائد التي تشكل أهمية بالغة لصحة الكوكب ورفاه سكانه، وتعمل كدروع حيوية ضد الظروف الجوية القاسية، مثل العواصف والفيضانات، وهي ضرورية لتوفير مياه الشرب لنحو نصف أكبر مدن العالم، مما يسلط الضوء على أهميتها في الحياة اليومية، كما توفر الغابات الغذاء والأخشاب والوقود وفرص العمل والمأوى لأكثر من 1.6 مليار شخص، وتعد موطنا لثمانين بالمائة من أنواع النباتات والحيوانات البرية، كما أنها بالغة الأهمية لتنظيم الدورات الهيدرولوجية، وتعزيز الأمن الغذائي.
وتلعب الغابات، بفضل مخزونها الهائل من الكربون وقدرتها على عزله، دورا لا غنى عنه في تنظيم المناخ العالمي واستقراره، وذلك في إطار الجهود العالمية للحد من الاحتباس الحراري إلى 1.5 درجة مئوية وفقا لاتفاقية باريس.
English
Français
Deutsch
Español