العراق يستعد لانتخابات حاسمة في نوفمبر وسط تحديات اقتصادية وسياسية وأمنية
بغداد في 12 أكتوبر /قنا/ يستعد العراقيون في الحادي عشر من نوفمبر المقبل للتوجه إلى صناديق الاقتراع لاختيار ممثليهم في انتخابات تعد من أبرز المحطات السياسية في تاريخ البلاد الحديث، وسط حالة من الترقب الشعبي والجدل السياسي الواسع حول نتائجها المتوقعة ودلالاتها في رسم ملامح مرحلة جديدة في مسار الدولة العراقية.
تأتي هذه الانتخابات في ظروف داخلية معقدة تتداخل فيها التحديات الاقتصادية والسياسية والأمنية، وتتزامن مع دعوات متصاعدة للإصلاح والتغيير، في وقت تكثف فيه المفوضية العليا المستقلة للانتخابات استعداداتها لضمان نزاهة العملية الانتخابية وشفافيتها.
ويأمل العراقيون أن تشكل هذه الانتخابات خطوة نحو الاستقرار السياسي وتكريس مبادئ الديمقراطية بعد سنوات من الأزمات المتكررة التي عصفت بالمشهد العراقي.
وتشارك في هذا الاستحقاق قوى سياسية تقليدية تمتلك قواعد جماهيرية راسخة، إلى جانب حركات ناشئة وشخصيات مستقلة تحاول كسر احتكار المشهد السياسي.
ويرى مراقبون أن القضايا المعيشية ومكافحة الفساد وتحسين الخدمات ستكون محورا رئيسيا في توجهات الناخبين، في ظل تصاعد المطالب الشعبية بوجوه جديدة قادرة على تحقيق الإصلاح الحقيقي.
وأكد عضو الفريق الإعلامي في المفوضية مهند الصراف، لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، أن التحضيرات الفنية واللوجيستية اكتملت بشكل تام، بما في ذلك تحديث سجل الناخبين وتوزيع البطاقات البايومترية وتدريب آلاف الموظفين العاملين في مراكز الاقتراع.
وأوضح أن هذه الخطوات تهدف إلى ضمان انسيابية التصويت وتقليل الأخطاء وضمان نزاهة العملية الانتخابية.
وأشار الصراف إلى أن المفوضية اتخذت إجراءات متقدمة للحد من أي تلاعب في النتائج، شملت إدخال تقنيات حديثة وتحديث الأجهزة المستخدمة في الدورات السابقة، إضافة إلى تزويد أجهزة التحقق بكاميرات لالتقاط صور آنية للناخبين في حال تعذر ظهور البصمة، مبينا أن البطاقة البايومترية الحصينة تمثل أداة رئيسية لمنع التزوير؛ إذ لا يمكن استخدامها إلا من قبل صاحبها كونها تحتوي على بياناته الحيوية مثل بصمات الأصابع والوجه.
وبلغ عدد العراقيين الذين يحق لهم التصويت في هذه الانتخابات أكثر من 21.7 مليون مواطن، يتنافسون على اختيار 329 نائبا يمثلونهم في مجلس النواب، من بينهم تسعة مقاعد مخصصة للأقليات.
وقد بلغ عدد المرشحين 7926 مرشحا، وستجرى عملية التصويت الخاص قبل الموعد الرسمي بيوم واحد.
وحسب وثيقة رسمية صادرة عن المفوضية، فإن إجمالي عدد الناخبين المسجلين بايومتريا في عموم العراق بلغ 21,404,291 ناخبا، منهم 20,063,773 في التصويت العام، و1,313,980 في التصويت الخاص، و26,538 من النازحين.
وتتطابق هذه الأرقام مع ما أعلنته المتحدثة باسم المفوضية جمانة الغلاي، التي أكدت توزيع أكثر من 600 ألف بطاقة بايومترية من خلال 1,079 مركز تسجيل في عموم المحافظات، مشيرة إلى أن الأرقام الواردة في الوثيقة الرسمية تعكس دقة البيانات المنشورة وشفافيتها.
وأكد مهند الصراف أن المفوضية أتاحت لمنظمات المجتمع المدني والمراقبين الدوليين وكيانات الأحزاب السياسية مراقبة العملية الانتخابية في جميع مراحلها، بعد منحهم بطاقات خاصة تخولهم دخول مراكز ومحطات الاقتراع.
وأوضح أن لوكلاء الكيانات السياسية الحق في تقديم شكاوى أو ملاحظات من خلال استمارات رسمية داخل المحطات، تراجع من قبل لجان مختصة في مكاتب المحافظات قبل رفعها إلى المكتب الوطني.
وبين الصراف أن الهدف من وجود المراقبين هو ضمان حرية الناخب ومنع أي تأثير عليه أثناء الإدلاء بصوته، مؤكدا أن الشفافية الكاملة ستظل المبدأ الحاكم للعملية الانتخابية.
ويرى الباحث السياسي الدكتور علاء حسين أن انتخابات 2025 تختلف جذريا عن سابقاتها من حيث المزاج الشعبي وتوزيع القوى، إذ إن دخول عدد كبير من الوجوه الجديدة يعكس تململا واضحا من الطبقة السياسية التقليدية.
وقال في حديثه لوكالة الأنباء القطرية إن "رغبة التغيير أصبحت حقيقية، لكن التحديات أمام المرشحين الجدد كبيرة بسبب النفوذ السياسي للأحزاب الكبرى".
وأكد حسين أن لا بوادر لتأجيل الانتخابات، مشيرا إلى أن العملية الانتخابية ستجرى في موعدها المحدد بفضل الاستقرار الأمني والإداري الذي يشهده العراق حاليا.
ولفت إلى أن التظاهرات المحدودة في بعض المناطق تجري بموافقة وزارة الداخلية، ولا تشكل سببا لتأجيل الاقتراع.
من جهته، أكد الفريق الركن قيس المحمداوي، نائب قائد العمليات المشتركة، أن جميع القطاعات الأمنية جاهزة لتأمين الانتخابات المقبلة، موضحا في تصريح لوكالة الأنباء القطرية أن الخطط الميدانية وضعت بدقة وبمشاركة الجيش والشرطة وجهاز المخابرات والأمن الوطني.
وأشار إلى أنه لن يفرض حظر تجوال في يوم الاقتراع، والهدف هو "تأمين أجواء انتخابية مستقرة وبيئة آمنة تسمح للمواطن بالإدلاء بصوته بحرية تامة"، مؤكدا أن القوات الأمنية ستبقى على مسافة واحدة من جميع المرشحين.
وبين المحمداوي أن التنسيق بين اللجنة الأمنية والمفوضية العليا يتم بشكل يومي، ويشمل حماية المراكز الانتخابية والمخازن وتأمين نقل المواد الانتخابية وضمان انسيابية حركة الناخبين.
من جانبه، شدد رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان على أن الانتخابات تمثل الركيزة الأساسية لأي نظام ديمقراطي، مؤكدا أنها الوسيلة التي يعبر من خلالها الشعب عن إرادته في اختيار ممثليه في السلطتين التشريعية والتنفيذية.
وقال زيدان في بيان تلقت وكالة الأنباء القطرية نسخة منه إن "الانتخابات تمنح الشرعية للسلطة وتضمن التداول السلمي لها، وتمنع احتكار الحكم والتسلط"، مضيفا أن اقتراب موعد الانتخابات يبرز أهمية المشاركة الفعالة من كل مواطن يؤمن بأن الإصلاح الحقيقي يتحقق عبر الوسائل السلمية والدستورية.
ودعا زيدان القوى السياسية والمرشحين إلى اعتماد خطاب وطني جامع بعيد عن الشحن الطائفي أو القومي، وتكريس روح المواطنة والانتماء للدولة، مؤكدا أن السلطة القضائية ملتزمة بتحقيق الحياد الكامل في الرقابة وحماية أصوات الناخبين وضمان الشفافية في جميع مراحل العملية الانتخابية بالتنسيق مع المفوضية العليا المستقلة.
وختم زيدان بيانه قائلا إن "القضاء سيبقى حارسا للدستور وضامنا لسيادة القانون وحاميا لإرادة الشعب"، في تأكيد على دور المؤسسة القضائية في صون نزاهة الانتخابات المقبلة.
وتبدو انتخابات نوفمبر 2025 اختبارا حقيقيا للديمقراطية العراقية، إذ تتقاطع فيها رهانات الإصلاح الشعبي مع تحديات الواقع السياسي والأمني.
وبينما تؤكد المفوضية جاهزيتها الكاملة، وتعلن القوى السياسية مواقفها المتباينة بين المشاركة والتريث، يظل الشارع العراقي هو الأساس في تحديد ملامح المرحلة المقبلة، وما إذا كانت صناديق الاقتراع ستفتح فعلا صفحة جديدة في التاريخ السياسي الحديث للعراق.
English
Français
Deutsch
Español