ما تداعيات الانسحاب الأمريكي الثاني من اتفاقية باريس للمناخ؟
الدوحة في 22 يناير /قنا/ في إجراء ذي أبعاد عالمية واسعة، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في اليوم الأول من عودته للبيت الأبيض، يوم الاثنين الماضي، انسحاب بلاده للمرة الثانية من اتفاقية باريس للمناخ، وهو ما يعني خروج أكبر اقتصاد في العالم وثاني أكبر مصدر للتلوث المسبب لارتفاع درجة حرارة الأرض، من الجهود العالمية لمكافحة أحد أهم التحديات التي تواجه البشرية.
وأكد الرئيس ترامب شكوكه المتكررة حول الأساس العلمي للتغيرات المناخية والاحتباس الحراري، وقال قبيل توقيع أمر تنفيذي بالانسحاب من اتفاقية المناخ: "سأنسحب على الفور من خدعة اتفاق باريس للمناخ غير العادلة والمنحازة... لن تخرب الولايات المتحدة صناعاتها، في حين تطلق الصين التلوث مع الإفلات من العقاب"، وكان الرئيس ترامب قد أعلن انسحاب الولايات المتحدة من اتفاق باريس خلال ولايته الأولى، لكن العملية في ذلك الوقت استغرقت سنوات، وتم التراجع عنها على الفور بمجرد بداية رئاسة جو بايدن في عام 2021.
وتعهد ترامب أيضا بعكس جهود سلفه جو بايدن الرامية إلى تنمية قطاع الطاقة النظيفة في الولايات المتحدة، والذي وصفه ترامب بـ "الخدعة الخضراء الجديدة"، وألغى مذكرة أصدرها سلفه بايدن العام الماضي، تحظر التنقيب عن النفط في نحو 16 مليون فدان في القطب الشمالي، وقال إنه يجب على الحكومة الأمريكية أن تشجع استكشاف الطاقة وإنتاجها على الأراضي والمياه الاتحادية، وأعلن ترامب حالة طوارئ وطنية للطاقة، ووعد بملء الاحتياطيات الاستراتيجية من النفط وتصدير الطاقة الأمريكية في جميع أنحاء العالم.
ومن المتوقع أن يتوسع قطاع الوقود الأحفوري بشكل أكبر خلال رئاسة ترامب الثانية، على الرغم من إنتاج كميات قياسية من النفط بالفعل، وفي عهد بايدن أصبحت البلاد أكبر منتج للغاز في العالم، وشهدت العام الماضي إصدار 758 ترخيصا قياسيا لحفر النفط والغاز. وقبل فوز ترامب في الانتخابات في نوفمبر الماضي، أشار أحد التقديرات إلى أن عودته إلى البيت الأبيض قد تضيف 4 مليارات طن إلى الانبعاثات الأمريكية بحلول عام 2030.
ويأتي إعلان الرئيس ترامب بعد أيام من اندلاع حرائق الغابات المدمرة في لوس أنجلوس، والتي تسببت بمحو مدن بأكملها، وهي الأحدث في سلسلة متزايدة من الكوارث الجوية المتطرفة المرتبطة بظروف مناخية مركبة غير مسبوقة من الحرائق ورياح الأعاصير الشديدة والجفاف ودرجات الحرارة المرتفعة نسبيا، والتي تسببت بمقتل 27 شخصا على الأقل، وأضرار مادية تصل قيمتها إلى 250 مليار دولار.
وفي إطار ردود الفعل على قرار الانسحاب الأمريكي من اتفاقية باريس للمناخ، ووصف فوبكه هوكسترا، مفوض الاتحاد الأوروبي المعني بتغير المناخ، القرار الأمريكي بأنه تطور مؤسف، في حين أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لايين، أن اتفاق باريس يظل أفضل أمل للبشرية جمعاء، وأعلنت الصين أنها تشعر بالقلق إزاء القرار الأمريكي، واصفة تغير المناخ بأنه "تحدٍّ مشترك تواجهه البشرية، ولا يمكن لأي بلد أن يبقى بمنأى عن المشكلة أو أن يحلها وحده".
وقال مكتب المتحدث باسم الأمم المتحدة، في بيان، إن الأمين العام للمنظمة الدولية واثق من أن المدن والولايات والشركات الأمريكية "ستستمر في إظهار الرؤية والقيادة من خلال العمل من أجل النمو الاقتصادي المتين منخفض الكربون الذي سيخلق وظائف ذات جودة عالية".
ويأمل المدافعون عن المناخ بالولايات المتحدة حاليا في أن تستمر المدن والقادة بجميع أنحاء المناطق الأمريكية في دفع التحول إلى الطاقة النظيفة، وقالوا إنه يمكن للقادة في جميع أنحاء الولايات المتحدة أن يستمروا في العمل، وأن يظهروا للعالم أن قيادة بلادهم للمناخ تحددها عوامل أكثر بكثير من مجرد من يجلس في المكتب البيضاوي، وعبروا عن ثقتهم بأن الولايات والمدن والشركات والمؤسسات المحلية مستعدة لتولي زمام القيادة المناخية في الولايات المتحدة وبذل كل ما في وسعها، على الرغم من التراخي الفيدرالي، لمواصلة التحول إلى اقتصاد الطاقة النظيفة.
وبالنسبة للعديد من حلفاء الولايات المتحدة، فإن انسحاب ترامب من الاتفاق يمثل خرقا تاريخيا للثقة، ومن شأنه أن يضر بالولايات المتحدة من خلال منح منافسيها ميزة في سباقهم للهيمنة على تصنيع الطاقة النظيفة.
ويرى خبراء المناخ أن الانسحاب الأمريكي من اتفاقية باريس يقوض النضال الجماعي ضد تغير المناخ في وقت أصبحت فيه الوحدة والإلحاح أكثر أهمية من أي وقت مضى، كما أن الخروج من الاتفاقية من شأنه أن يلغي وعد الولايات المتحدة في عهد بايدن بخفض تلوث المناخ بنسبة تصل إلى 66 بالمائة في غضون عقد من الزمان، وأشاروا إلى أن تداعيات الانسحاب الأمريكي تتجاوز حدود الولايات المتحدة، لتصل للدول النامية والمجتمعات الضعيفة التي تقف على الخطوط الأمامية لأزمة المناخ، وتهدد بتفاقم التفاوتات القائمة، وترك أولئك الأقل مسؤولية عن تغير المناخ يتحملون أعباءه الثقيلة، خاصة أنه يثير تساؤلات حول مجموعة من الالتزامات الأمريكية، مثل تقديم مليارات الدولارات لدعم الدول الأكثر فقرا، التي تعاني من موجات حر غير مسبوقة وفيضانات وارتفاع منسوب مياه البحار.
يذكر أن اتفاقية باريس للمناخ، التي تم توقيعها في ديسمبر 2015، تضم 195 دولة، وتلزم الدول المشاركة بتخفيض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بشكل طوعي خلال العقود المقبلة؛ بهدف الحد من ارتفاع متوسط درجة الحرارة العالمية إلى 1.5 أو 2 درجة مئوية، مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، وجاءت ثمرة سنوات من المفاوضات، وقد ألزمت كل دولة تقريبا على هذا الكوكب، بغض النظر عن حجمها أو ثروتها أو مستوى التلوث، بوضع أهداف أقوى على نحو متزايد لخفض انبعاثات الكربون، وتعهّدت الولايات المتحدة بموجب الاتفاقية بخفض انبعاثاتها لغازات الدفيئة بنسبة تراوح بين 61 و66 في المئة بحلول 2035، فضلا عن بلوغ الحياد الكربوني في عام 2025.
وعلى الرغم من أن هذه الأهداف غير ملزمة، لكن الاتفاق ساعد مع ذلك في إبطاء ظاهرة الاحتباس الحراري العالمي، مقارنة بما كان يمكن أن يحدث بدون باريس، وفقا لتحليلات أجراها خبراء النماذج وهيئة المناخ التابعة للأمم المتحدة.
English
Français
Deutsch
Español