تداعيات نتائج الانتخابات البرلمانية الفرنسية على الملفات الداخلية والسياسة الخارجية
الدوحة في 08 يوليو /قنا/ تدخل فرنسا منعطفا جديدا بعد إعلان نتائج الانتخابات التشريعية والتي أفرزت جمعية وطنية موزعة بين ثلاث كتل، دون أغلبية واضحة وهو ما أضفى موجة ضبابية حول شكل وتوجهات الحكومة المقبلة وخياراتها السياسية والاقتصادية في ظل التباينات بين هذه الكتل حيال الملفات الداخلية والسياسة الخارجية.
وكانت المؤشرات الأولية قد أظهرت تصدر تحالف اليسار نتائج التصويت في الجولة الثانية من الانتخابات، فيما جاء تحالف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في المركز الثاني متقدما على تحالف اليمين المتطرف وسط إقبال للناخبين هو الأعلى منذ عام 1997 بنسبة تجاوزت 67 بالمئة بحسب وزارة الداخلية.
وستبدأ المداولات السياسية بين جبهة اليسار بقيادة جان لوك ميلانشون التي فاجأت الجميع بتصدرها لنتائج الانتخابات التشريعية خلافا للتوقعات، وبين غريمتيها "كتلة معا" التي يقودها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وجبهة التجمع الوطني بقيادة جوردان بارديلا التي تصنف باليمين المتطرف، على أمل الوصول لغالبية تبدو مجهولة المعالم حتى الآن.
ومنذ الساعة الأولى لإعلان النتائج بدأت تداعيات مفاجأة تقدم جبهة اليسار الفرنسي تدق الأبواب السياسية، فقد قدم غابريال أتال رئيس الوزراء استقالته للرئيس ماكرون لكنه أعلن استعداده للبقاء في منصبه "طالما يستدعي الواجب"، خصوصا مع قرب استضافة باريس لدورة الألعاب الأولمبية بعد بضعة أسابيع.
من جانبه، قال قصر الإليزيه في بيان: إن الرئيس ماكرون الذي لم يعلق رسميا بعد، سينتظر تشكيلة الجمعية الوطنية ليقرر من سيعين في منصب رئيس الوزراء، مضيفا أن الرئيس سيضمن احترام الخيار السيادي للشعب الفرنسي.
في المقابل سارع ستيفان سيجورنيه وزير الخارجية الفرنسي بالتحذير من أن "كتلة معا" ستضع شروطا مسبقة لأي نقاش من أجل تشكيل غالبية جديدة، منوها بمحددات كتلته للمشاورات وأهمها العلمانية الفرنسية والهيكلية الأوروبية وضرورة بقاء الدعم الفرنسي لأوكرانيا.
في الشارع الفرنسي، تجمع آلاف الأشخاص في ساحة الجمهورية في باريس وخصوصا من أنصار اليسار، فور إعلان النتائج للاحتفال وسط تواجد الآلاف من أفراد الشرطة في عموم البلاد.
وبلغة الأرقام، تحدت الجبهة الشعبية اليسارية الجديدة التوقعات وأصبحت القوة الأولى في الجمعية الوطنية مع 177 إلى 198 نائبا، متقدمة على معسكر الرئيس ماكرون الذي حصد بشكل غير منتظر، 152 إلى 169 نائبا، بينما كان اليمين المتطرف أكثر الخاسرين بالجولة الثانية بحلوله ثالثا، رغم تصدره لنتائج الجولة الأولى الأسبوع الماضي، لكنه بالمجمل حقق تقدما لافتا بمقاعد تتراوح بين 135 إلى 145 نائبا.
وتنبع معضلة اختيار شخصية رئيس الوزراء من عجز أي من الكتل السياسية عن الوصول إلى الغالبية المطلقة المحددة بـ289 نائبا من أصل 577 مقعدا في الجمعية الوطنية، بجانب صعوبة الجمع بين الكتل المتناقضة، فالتحالف اليساري الذي يقوده حزب "فرنسا الأبية" بقيادة جان لوك ميلانشون، برفقة الاشتراكيين وحزب الخضر والحزب الشيوعي، يواجه انتقادات سياسية كثيرة ومتنوعة توجه لرئيسه ميلانشون وتصفه بصاحب سياسة غاضبة واستفزازية، لكنه بعث رسالة واضحة أن على رئيس الوزراء المغادرة وأنه ينبغي على الجبهة الشعبية الجديدة التي ينتمي إليها حزبه "أن تحكم".
كما يتعين على هذا التحالف الصمود أمام معسكر رئاسي موحد تمكن من الحلول ثانيا رغم استطلاعات الرأي التي توقعت له هزيمة منكرة، وهذا برأي الخبراء سيفتح الباب أمام سيناريوهات مستقبلية مختلفة خصوصا بطريقة المشاورات التي سيتبعها تحالف يمين الوسط والاستقطابات الحزبية للآخرين لبناء تحالف الأغلبية وإمكانية بقائه في الحكم.
أما التجمع الوطني أقصى اليمين، فقد حقق تقدما نسبيا في البرلمان إلا أنه تخلف كثيرا عن الغالبية النسبية أو المطلقة التي كان منى النفس بها بعد دورة أولى تصدر فيها نتائج الانتخابات، وهو ما واجهته مارين لوبن زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي بالقول إن نصرها تم تأجيله فحسب، وإن المد اليميني يرتفع بحسب وصفها، لكنه لم يرتفع بالمستوى الكافي، مؤكدة أن لديها الخبرة الكبيرة للمستقبل، في ظل توقعات بترشحها مجددا للانتخابات الرئاسية عام 2027، في الوقت الذي لا يمكن للرئيس ماكرون الترشح مرة أخرى.
وبدوره، أكد جوردان بارديلا رئيس التجمع الوطني أنه سيكون في معسكر المعارضة لكن مع صوت أقوى داخل الجمعية الوطنية، وانتقد بشدة الجبهة الجمهورية ودعايتها الكبيرة خلال الأيام الماضية التي وقفت في وجه معسكره اليميني، في ظل الحديث عن حملة منسقة من قبل جبهة اليسار وجبهة الرئيس ماكرون، وسط إدراك أن غالبية من الفرنسيين في الوقت الراهن لا تزال ترفض أن يتولى اليمين المتطرف الحكم.
على مستوى المشاورات للحصول على الأغلبية، فيمكن لجبهة اليسار أن تحاول الحصول على دعم من قوى الوسط، إما كحكومة أقلية بموافقتهم أو تشكيل ائتلاف كبير، لكن التوجهات السياسية المتعارضة، تقف عقبات ليست بالبسيطة أمام تحقيقه، خصوصا وأنه من غير الواضح ما إذا كان الرئيس ماكرون سيضطر سياسيا إلى تعيين رئيس وزراء من صفوف اليسار في مثل هذا السيناريو، إذ أن وجود رئيس وزراء من اليسار، سيدفع الرئيس ماكرون إلى تقاسم السلطة بموجب ترتيب يعرف في فرنسا باسم التعايش، وعندها سيصبح رئيس الوزراء أكثر أهمية، وهذا سيلقي بظلاله ليس على المستوى الداخلي الفرنسي بل حتى بالنسبة للمحيط الأوروبي وخصوصا تجاه ألمانيا ذات الثقل السياسي والاقتصادي المنافس.
وينص الدستور على أن ماكرون لا يمكنه الدعوة لإجراء انتخابات برلمانية جديدة قبل 12 شهرا أخرى، كما ينص الدستور على أن ماكرون هو الذي يختار من سيقوم بتشكيل الحكومة، لكن من سيختاره سيواجه تصويتا بالثقة في الجمعية الوطنية.
وربما يسعى ماكرون في إخراج الاشتراكيين والخضر من التحالف اليساري لتشكيل ائتلاف يسار وسط مع كتلته، مما يترك حزب فرنسا الأبية بمفرده، ومع ذلك، لا يوجد أي مؤشر على تفكك وشيك للجبهة الشعبية الجديدة في هذه المرحلة.
في المقابل ثمة من يشير إلى احتمالية تعيين حكومة تكنوقراط، تدير الشؤون اليومية ولكنها لا تشرف على التغييرات الهيكلية، وهذا الخيار قد يهدد الدولة بالجمود السياسي، ولم يتبين إن كانت كتلة اليسار ستدعم هذا التصور الذي سيظل يتطلب دعم البرلمان، كما يمكن أن يطلب الرئيس من وزراء حكومة أتال البقاء في مناصبهم على أساس مؤقت حتى يتم تشكيل أغلبية لتشكيل حكومة جديدة.
يذكر أن الرئيس ماكرون أعلن بشكل مفاجئ في التاسع من يونيو الماضي حل الجمعية الوطنية والدعوة إلى انتخابات تشريعية مبكرة، بعد فشل تكتله في انتخابات البرلمان الأوروبي، وتصدر التجمع الوطني (يمين متطرف) وحلفائه نتائج الدورة الأولى بفارق كبير بلغ 33 في المئة، متقدما على تحالف اليسار "الجبهة الشعبية الوطنية" بنسبة 28 في المئة والمعسكر الرئاسي الذي ينتمي ليمين الوسط الذي نال فقط 20 في المئة من الأصوات.
على الصعيد الخارجي، اعتبر مسؤول في الحزب الديمقراطي الاشتراكي الألماني الذي يتزعمه المستشار أولاف شولتس أمس الأحد، أنه تم "تجنب الأسوأ" بخسارة اليمين المتطرف في الانتخابات الفرنسية، بينما رحب رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أمس الأحد بنتائج الانتخابات.
وبدوره، أبدى رئيس الوزراء الإسباني الاشتراكي بيدرو سانشيز ارتياحه باختيار فرنسا "رفض اليمين المتطرف والالتزام الصارم باليسار الاشتراكي".
English
Français
Deutsch
Español