جولة الرئيس الصيني في أوروبا.. بين الطموحات والتحديات
الدوحة في 05 مايو /قنا/ بعد خمس سنوات من قيامه بجولته الأوروبية الأخيرة، يصل الرئيس الصيني شي جين بينغ اليوم، إلى باريس في مستهل جولة أوروبية ثانية، تشمل فرنسا وصربيا وهنغاريا، بهدف الحفاظ على التقارب مع دول الاتحاد الأوروبي واحتواء الأضرار التي لحقت بالعلاقات بين الطرفين في السنوات الثلاث الماضية.
وتأتي الجولة في الوقت الذي تسعى فيه الصين لتجنب حرب تجارية مع الاتحاد الأوروبي، في حين تتشدد المواقف في الكتلة الأوروبية تجاه بكين، وسيجد الرئيس الصيني شي جين بينغ عندما يهبط اليوم على الأراضي الأوروبية لأول مرة منذ نصف عقد، قارة تغيرت كثيرا عما كانت عليه وقت جولته السابقة عام 2019، فقد عادت الحرب إلى أوروبا، ولم يظهر الصراع المستمر في أوكرانيا منذ أكثر من عامين أي علامة على التوقف، كما خلفت ويلات جائحة كوفيد-19 ندوبا واضحة في سعي الاتحاد الأوروبي إلى تحقيق المرونة والأمن.
وساعدت كلتا الأزمتين على وضع علاقة الكتلة مع الصين في دوامة، وتضمنت رحلة شي إلى أوروبا في ذلك العام حفلا مبهرا احتفالا بمشاركة إيطاليا الجديدة في مبادرة الحزام والطريق، وهو انتصار كبير لمبادرة الرئيس الصيني الرائدة في السياسة الخارجية.
ومع ذلك، أدارت إيطاليا ظهرها لمبادرة الحزام والطريق في أغسطس الماضي، ووجهت ضربة لطموحات بكين في القارة، وعكست مدى تغير المواقف مع قيام القادة بإعادة تقييم علاقاتهم مع بكين، لكن الصين تأمل حسب المراقبين في الحصول على فرصة للتأثير على الرئيس الفرنسي أحد أقوى أعضاء الاتحاد الأوروبي.
وفي باريس المحطة الأولى من الجولة التي تتزامن مع ذكرى مرور 60 عاما على إقامة العلاقات الدبلوماسية الفرنسية الصينية، سيلتقي الرئيس الصيني في قصر الإليزيه بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وأورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، ومن المتوقع أن تثار خلال الاجتماع النزاعات التجارية بين الصين والاتحاد الأوروبي.
ولمزيد من التنسيق الأوروبي التقى الرئيس ماكرون على عشاء غير رسمي، مع أولاف شولتس المستشار الألماني في باريس الخميس الماضي، واقترح الإليزيه على المستشار الألماني المشاركة في الاجتماع الثلاثي، والغاية من ذلك تكرار صيغة اجتماع عام 2019 في باريس بين ماكرون والمستشارة السابقة أنغيلا ميركل وجان كلود يونكر، سلف فون دير لاين، مع الرئيس الصيني، لكن شولتس اعتذر لأن له زيارة مقررة إلى لاتفيا وليتوانيا، وقال مصدر في الرئاسة الفرنسية إن محادثات ماكرون - شولتس ستسمح للرئيس الفرنسي بالتناقش مع نظيره الصيني من منظور أوروبي.
ومن المقرر أن يعقد منتدى اقتصادي صيني - فرنسي غدا الإثنين في باريس، وقبل مأدبة في الإليزيه، يلتقي ماكرون وشي على انفراد في اجتماع طابعه سياسي، ثم يتحدثان أمام الصحافة، كما يعتزم الرئيس الفرنسي أن يطلب من الصينيين دعم "هدنة أولمبية" لتعليق كل النزاعات خلال دورة ألعاب باريس هذا الصيف.
ويرى مراقبون في باريس أن الرئيس الصيني اختار في جولته الجديدة في أوروبا اعتماد التوازن الدبلوماسي في محطاته، فبعد زيارة الدولة إلى فرنسا التي تدعوه منذ نحو عام إلى حمل روسيا على تحكيم العقل، بشأن الحرب في أوكرانيا، يتوجه الرئيس الصيني إلى صربيا وهنغاريا القريبتين من موسكو.
وتأتي جولة الرئيس الصيني بعد أسابيع من التوترات المتصاعدة، حيث اتخذ المسؤولون الأوروبيون إجراءات صارمة ضد شبهات بالتجسس من جانب بكين، وهدد الاتحاد الأوروبي بإطلاق العنان لرسوم جمركية جديدة على الممارسات التجارية المثيرة للجدل لبكين.
وفي الأسبوعين الماضيين فقط، اتهمت السلطات الألمانية والبريطانية ستة أشخاص يشتبه في قيامهم بالتجسس لصالح الصين، كما تبنت بروكسل أيضا موقفا تجاريا تصادميا متزايدا تجاه الصين، مع سلسلة من التحقيقات في الدعم الصيني الضخم للسيارات الكهربائية، وتوربينات الرياح، والألواح الشمسية، فضلا عن شراء بكين للأجهزة الطبية.
ويقول محللون أوروبيون إن القيادة الصينية واضحة تماما بشأن ما تريد، وإن الرئيس شي سيركز على الضغط ضد تحقيقات الاتحاد الأوروبي لمكافحة الدعم، وخاصة فيما يتعلق بالسيارات الكهربائية وعلى استقرار العلاقات الثنائية.
وفي تصريحات أدلت بها الشهر الماضي، قالت أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية:" نحن نحب المنافسة العادلة، ما لا نحبه هو عندما تغمر الصين السوق بالسيارات الإلكترونية المدعومة على نطاق واسع، وهذا ما نقاتل ضده، المنافسة نعم الإغراق لا.. يجب أن يكون هذا شعارنا".
وفي مقابلة صحفية نشرت الأسبوع الماضي، أقر الرئيس ماكرون بعدم وجود إجماع لدى الأوروبيين بشأن الاستراتيجية الواجب اتباعها تجاه بكين، وقال إن "بعض الأطراف لا يزالون يرون الصين كسوق للبيع"، في حين أنها تقوم بالتصدير بشكل هائل نحو أوروبا.
في إبريل من العام الماضي التقى ماكرون وفون دير لاين وشي آخر مرة شخصيا في بكين، وقد أثار ماكرون، الذي وصل برفقة وفد تجاري يتألف من خمسين رجلا وغادر ومعه 18 اتفاقية تعاون موقعة بين الشركات الفرنسية والصينية، عاصفة في تلك الرحلة عندما قال للصحفيين إن أوروبا لا ينبغي لها أن تصبح "أتباعا لأمريكا" فيما يتصل بقضية تايوان، في حين قال الرئيس الأمريكي جو بايدن مرارا وتكرارا إن الولايات المتحدة ستدافع عن تايوان عسكريا في حال محاولة الصين ضمها إليها.
وتحسنت العلاقة الشخصية بين شي وماكرون العام الماضي عندما اصطحب الرئيس الصيني نظيره الفرنسي في رحلة شخصية نادرة إلى مدينة قوانغتشو في جنوب الصين، ومن المنتظر أن يرد ماكرون على هذه المبادرة بمرافقة الرئيس الصيني في زيارة إلى منطقة أوت بيرينيه، وهي منطقة جبلية في فرنسا.
ومع الجولة الجديدة للرئيس الصيني، ترسم بكين صورة أكثر وردية للعلاقات مع بروكسل وتردد وسائل إعلامها المختلفة أن الزيارات الرسمية بين الطرفين تشكل فرصا لفتح فصول جديدة من التضامن والتعاون بينهما، وتقول إن الشراكة الإستراتيجية الشاملة بين الصين والاتحاد الأوروبي حققت نتائج مثمرة على مدى السنوات الـ20 الماضية، كما حقق الطرفان، بوصفهما قوتين رئيسيتين تنهضان بالتعددية وسوقين رئيسيتين تدعمان العولمة، تعاونا ملحوظا في شتى المجالات، وهو ما أفاد كثيرا مواطني الجانبين وقدم مساهمات إيجابية لتحقيق السلام والاستقرار والرخاء في العالم.
وتضيف وسائل الإعلام الصينية أنه علاوة على ذلك، تتمسك الشركات الصينية والأوروبية بتفاؤلها إزاء أسواق بعضهما البعض، حيث أظهرت الإحصاءات أن حجم الاستثمارات الثنائية الاتجاه قد تجاوز 250 مليار دولار أمريكي، كما أن هناك العديد من الأدلة التي تؤكد أن الصين وأوروبا شريكتان وليستا خصمتين؛ وأنهما توفران فرصا لبعضهما البعض، ولا تشكلان تهديدا للآخر؛ وأن مصالحهما المشتركة تفوق بكثير خلافاتهما.
ويرى المراقبون أن رسالة التضامن والتعاون التي ترسلها بكين قد لا تلقى صدى لدى الزعماء الأوروبيين الذين أصبحوا يشعرون بقلق متزايد إزاء التكامل الاقتصادي العميق الذي ميز العلاقات تاريخيا، وفي حين أن أوروبا منقسمة منذ فترة طويلة حول أفضل السبل للرد على الصين، فإن بروكسل والعديد من الزعماء الأوروبيين يتبنون بشكل متزايد موقفا أكثر صرامة تجاه بكين مع تزايد القلق بشأن الخلل التجاري الهائل والتدفق الهائل لصادرات التكنولوجيا الخضراء الصينية الرخيصة على دول الاتحاد الأوروبي.
English
Français
Deutsch
Español