اتفاق دول مجموعة السبع على التخلي عن الفحم... خطوة ضرورية في تنفيذ تعهدات مواجهة التلوث المناخي
الدوحة في 01 مايو /قنا/ تمثل قضية الحفاظ على البيئة ومواجهة التلوث وخفض انبعاثات الغازات السامة محل اهتمام دولي منذ عقود، في ظل ارتفاع مستويات الاحتباس الحراري التي تجاوزت للمرة الأولى 1.5 درجة مئوية على مدار عام 2023، حيث شهد العالم سيولا وفيضانات وموجات جفاف وحرائق غابات مختلفة، وهذه بدورها تسببت بخفض الإنتاجية الزراعية عالميا فضلا عن مشاكل المياه من حيث الكمية والجودة.
ولأجل هذا، اجتمع ممثلو دول مجموعة السبع منذ يومين في إيطاليا لتطوير سبل مواجهة تحديات التغيرات المناخية، وتوصلوا أمس الثلاثاء بعد جهد كبير إلى الاتفاق على التخلص التدريجي من محطات الطاقة التي تعمل بالفحم من دون احتجاز الكربون بحلول العام 2035، في خطوة رائدة عدها الخبراء ضرورية ومهمة نحو إنهاء استخدام هذا الوقود الأحفوري الذي يطلق غازات ضارة أهمها ثاني أكسيد الكربون.
واتفقت مجموعة السبع التي تضم إيطاليا وكندا وفرنسا وألمانيا واليابان والمملكة المتحدة والولايات المتحدة على "التخلص التدريجي من توليد الكهرباء باستخدام الفحم في أنظمة الطاقة خلال النصف الأول من ثلاثينات القرن الحالي أو وفق جدول زمني يتوافق مع الحفاظ على قضية حصر الاحترار بـ 1.5 درجة مئوية، وفقا لمسارات الحياد الكربوني".
ويمثل هذا الاجتماع الذي عقد في مدينة تورينو الإيطالية أول مباحثات جدية بهذا الحجم بشأن المناخ، منذ مؤتمر الأمم المتحدة المعني بتغير المناخ (COP28)، الذي عقد في ديسمبر الماضي في دبي عندما تعهد المشاركون الابتعاد تدريجا عن الفحم والغاز والنفط، وانتهى بجمع أكثر من 83 مليار دولار في أيامه الخمسة الأولى، بجانب إصدار 11 تعهدا وإعلانا ليدشن مرحلة جديدة من العمل المناخي.
ولم يتوقف اتفاق الدول السبع على قضية الفحم، بل شمل إنتاج مادة البلاستيك الملوثة للحياة البحرية على وجه الخصوص، حيث اتفقت مجموعة السبع أيضا إلى مسودة اتفاق طموحة بحسب البيان بشأن خفض الإنتاج العالمي من البلاستيك من أجل التصدي بشكل مباشر للتلوث العالمي الناجم عن هذه المادة الموجودة في كل مكان في البيئة، من قمم الجبال إلى قاع المحيطات وحتى في دماء البشر، بجانب دعوة جميع الدول لإنهاء هذا التلوث، بما فيها الصين الدولة الأكثر إنتاجية صناعيا خارج مجموعة الدول السبع.
وتتضمن حزمة الاتفاقات جهودا ترمي إلى مساعدة الدول الفقيرة على مكافحة تغيرات المناخ من خلال مضاعفة التمويل وإنشاء مراكز دعم يمكنها المساهمة في تجسير الفجوات بين الدول الغنية الاقتصادية والدول النامية والفقيرة ذات الإمكانات المتواضعة التي تتعرض بصورة مباشرة لأسوأ تداعيات الاحتباس الحراري على مدى السنوات المقبلة، والعمل على ألا تتأثر حاجتها الماسة للطاقة في احتياجاتها الصناعية والتنموية بتلك التخفيضات، فوفقا للتقديرات العالمية ستغطي مصادر الوقود الأحفوري في عام 2030 حوالي 90 بالمئة من الحاجة العالمية للطاقة والتي كانت عام 2005 نحو81 بالمئة.
وبموجب اتفاقية الأمم المتحدة للمناخ لعام 1992، وهي إحدى الاتفاقيات الثلاث التي اعتمدت في قمة ريو البرازيلية المعروفة بقمة الأرض في عام 1992 للترويج لكوكب مستدام للأجيال القادمة، التزمت دول قليلة فقط من البلدان ذات الدخل المرتفع التي كانت تهيمن على الاقتصاد العالمي في ذلك الوقت، بتمويل مكافحة الاحترار العالمي، إذ تمثل دول مجموعة السبع مجتمعة 38 بالمئة من الاقتصاد العالمي وهي مسؤولة عن 21 بالمئة من انبعاثات غازات الدفيئة، وفقا لأرقام عام 2021 الصادرة عن معهد تحليل المناخ.
ورغم أن الأبحاث العلمية تختلف قليلا حول مدى ارتفاع درجات الحرارة على وجه التحديد، ولكن الجميع يتفقون على أن العالم يمر الآن بـ"الفترة الأدفأ" له منذ بدء السجلات الحديثة، ومن المرجح أن تستمر لفترة أطول بكثير، وقال تقرير بارز للأمم المتحدة في عام 2018: إن المخاطر الناجمة عن تغير المناخ، مثل موجات الحر الشديدة وارتفاع منسوب مياه البحر وفقدان الحياة البرية، كانت أعلى بكثير عند ارتفاع درجة الحرارة بمقدار درجتين مئويتين مقارنة بـ1.5 درجة مئوية.
وأدت ظاهرة الاحترار المناخي الطبيعية المعروفة باسم "ظاهرة النينيو" إلى ارتفاع درجات حرارة الهواء بشكل إضافي في الأشهر الأخيرة، على الرغم من أنها لا تفعل ذلك عادة إلا بنحو 0.2 درجة مئوية، وهذا ما يدفع إلى تغيرات ملحوظة على مناطق حماية الكوكب ومنها على سبيل المثال، مناطق الصفائح الجليدية في غرينلاند وغرب أنتاركتيكا اللتين تمثلان نقطة تحول، إذ يؤدي انهيارهما المحتمل في ارتفاعات كارثية إلى مستويات سطح البحر العالمية على مر القرون التي تلت ذلك، لكن الباحثين حريصون على التأكيد على أن البشر لا يزالون قادرين على إحداث فرق في مسار الاحترار في العالم.
وتكمن أهم الجهود في هذا المسار، ما حققه العالم من تقدم في التقنيات الخضراء مثل مصادر الطاقة المتجددة كالطاقة الشمسية وطاقة الرياح ووقف قطع أشجار الغابات وتنمية الحياة البحرية ووقف عمليات الصيد الجائر وزيادة حجم المحميات البرية والبحرية، وتعزيز الاستدامة البيئية، بما تنطوي عليه من فوائد كثيرة تتمثل في التكيف مع الآثار المتوقعة لظاهرة التغير المناخي وخفض للانبعاثات وتحسين جودة الهواء، ناهيك عن زيادة إنتاج السيارات الكهربائية في أجزاء كثيرة من العالم.
ولا يتوزع الوقود الأحفوري بالتساوي في جميع أنحاء الأرض، حيث تمتلك الولايات المتحدة وروسيا والصين أكبر رواسب الفحم في العالم، كما توجد رواسب كبيرة أيضا في أستراليا والهند وجنوب إفريقيا، ويوجد أكثر من نصف احتياطيات النفط والغاز الطبيعي المعروفة في العالم في منطقة الشرق الأوسط، وتليها كندا والولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية وأفريقيا وأجزاء من روسيا وما وراء القوقاز وآسيا الوسطى، حيث تحتوي كل منطقة من هذه المناطق على أقل من 15 بالمئة من الاحتياطيات المؤكدة في العالم.
ويصنف الوقود الأحفوري على أنه طاقة غير متجددة لأن المواد والكائنات التي تكونه تستغرق ملايين السنين لتتحول إلى وقود فلا يمكن استبداله عند استخدامه، وقد يكون مواد صلبة أو سائلة أو غازات من فئة المواد الكيميائية وأكثرها شيوعا الفحم والنفط والغاز الطبيعي، ويعد الفحم هو الوقود الأحفوري الأكثر تلويثا الذي حض الناشطون في مجال البيئة مجموعة السبع على أن تكون قدوة في التخلي عنه.
ويشكل تدهور الأراضي وتلوث المياه والانبعاثات الغازية في الهواء ثالوث المخاوف البيئية المتولدة عن استخراج الفحم خصوصا، إذ يتسبب التنقيب عن النفط ورواسب الغاز والفحم ومعالجتها واستخراجها من باطن الأرض بتأثيرات هائلة على الأراضي والأنظمة البيئية، حيث يتم كشط مساحات كاملة من الأراضي بما فيها غابات بأكملها بعيدا لاستخراج الفحم أو النفط الجوفي.
وأما تلوث المياه، فينتج عن تسرب الأحماض الضارة المصاحبة لعمليات استخراج الفحم إلى الجداول والأنهار والبحيرات المحيطة بالمناجم بالإضافة إلى تفريغ كميات هائلة من الصخور غير المرغوب بها في التربة وفي الأحواض المائية المحيطة، بالإضافة إلى لجوء بعض المصانع إلى استخراج كميات هائلة من مياه الصرف الصحي المحملة بالمعادن الثقيلة والمواد المشعة وغيرها من الملوثات.
بينما يطلق الوقود الأحفوري ملوثات ضارة في الهواء حتى قبل وقت طويل من حرقها، وهو ما يضطر كثيرا من السكان لاستنشاق الهواء السام من آبار النفط والغاز النشطة ومن مرافق النقل والمعالجة المحيطة بمدنهم، وهذا يشمل البنزين الذي يسبب سرطان الدم واضطرابات الدم في مرحلة الطفولة والفورمالديهايد، وهي مادة كيميائية مسرطنة.
English
Français
Deutsch
Español