قلق إسرائيلي متزايد إزاء قرارات محتملة قد تصدرها الجنائية الدولية
الدوحة في 30 أبريل /قنا/ تسود حالة من الترقب والقلق داخل حكومة الكيان الإسرائيلي إزاء احتمال أن تصدر المحكمة الجنائية الدولية أوامر اعتقال بحق رئيس وزراء الكيان بنيامين نتنياهو وعدد من قادته العسكريين، على خلفية الحرب المدمرة التي يشنها الاحتلال على قطاع غزة منذ نحو سبعة أشهر، والتي أسفرت حتى الآن عن وقوع آلاف الضحايا والجرحى والمفقودين.
وتوقعت وسائل إعلام إسرائيلية أن تشمل مذكرات الاعتقال، بالإضافة إلى نتنياهو، وزير الجيش يوآف غالانت، ورئيس الأركان هرتسي هاليفي، مفصحة عن جهود دولية يقوم بها الكيان الإسرائيلي من أجل تفادي مذكرات الاعتقال.
وقال نتنياهو إن أي قرارات للمحكمة الجنائية الدولية لن تؤثر على الإجراءات التي تتخذها إسرائيل لكنها ستشكل سابقة خطيرة، فيما استبعد يسرائيل كاتس، وزير خارجية الكيان الإسرائيلي، صدور أوامر اعتقال من المحكمة الجنائية، زاعما أن الكيان "ملتزم بجميع قوانين الحرب".
وفيما استبعدت مصادر إسرائيلية انهيار الائتلاف الحاكم بقيادة نتنياهو في حال صدور مذكرات الاعتقال، نقلت الصحف الإسرائيلية عن خبراء قانونيين في تل أبيب قولهم إن صدور هذه المذكرات بحق نتنياهو وبعض قادته العسكريين قد يفضي إلى اتخاذ إجراءات عقابية ضد إسرائيل، مثل فرض حظر على توريد الأسلحة إليها أو فرض عقوبات اقتصادية عليها، وأضافوا أن الملاحقات، إن تمت، ستمثل "ضربة لإسرائيل"، وستؤثر على مواقفها ومكانتها على الساحة الدولية، وستضعها ضمن قائمة الدول التي تعد منتهكة للقانون الدولي.
وبالتوازي مع ما يتم تداوله بهذا الخصوص، قال بعض كبار المسؤولين الأمريكيين "إن إسرائيل قد تكون انتهكت القانون الدولي في غزة"، ضمن مذكرة أرسلت لأنطوني بلينكن وزير الخارجية الأمريكي، واعتبر المسؤولون في المذكرة أنهم لم يجدوا تأكيدات ذات مصداقية أو موثقة من إسرائيل بأنها تستخدم الأسلحة الأمريكية وفقا للقانون الإنساني الدولي.
وبالتزامن مع مسألة مذكرات الاعتقال، قال بيرني ساندرز، السيناتور الأمريكي عن ولاية فيرمونت، إنه من المهم محاسبة الحكومة الإسرائيلية على أفعالها في غزة، مضيفا، في حديث لشبكة /سي إن إن/ الأمريكية، أن الغالبية العظمى من الشعب الأمريكي تشعر "بالاشمئزاز" من آلة حرب نتنياهو في غزة، ولا تؤيد إرسال المزيد من المساعدات إلى إسرائيل.
كما وصفت تقارير صحفية غربية الحرب الإسرائيلية على غزة بأنها فاقت، من حيث الضحايا والدمار، كل الصراعات والحروب التي جرت في القرن الواحد والعشرين، فيما أعلنت أنياس كالامار الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية أن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية هو أطول احتلال عسكري، وأحد أكثر الاحتلالات العسكرية فتكا في العالم، وقد اتسم على مدى عقود بانتهاكات ممنهجة وواسعة النطاق لحقوق الفلسطينيين، موضحة أن الاحتلال العسكري الإسرائيلي تطور على مر السنين إلى احتلال دائم، وهو ما يشكل انتهاكا صارخا للقانون الدولي، وطالبت جميع الدول بمراجعة علاقاتها بالكيان الإسرائيلي، وبينت أن توجيه دعوة واضحة وموحدة لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي بات اليوم أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.
وقد شهدت السنوات الماضية محاكمة قادة من دول عدة أمام المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، أو محاكم خاصة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وانتهت تلك المحاكمات إما بالإدانة أو البراءة، ولم تتمكن المحكمة من تنفيذ مذكرات اعتقال وجلب بعض القادة المتهمين للمحاكم.
وفي مارس من العام الماضي، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وذلك بتهمة ارتكاب جريمة حرب على خلفية الحرب في أوكرانيا، لكن موسكو رفضت مذكرة التوقيف ضد بوتين بشكل قاطع، ونادرا ما تقوم الدول الأعضاء بتنفيذ مذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة، خصوصا عندما يتعلق الأمر برئيس دولة.
وفي عام 2002، جرت محاكمة رئيس يوغسلافيا السابق سلوبودان ميلوسوفيتش أمام محكمة خاصة بجرائم الحرب في لاهاي، للنظر في الجرائم التي ارتكبت خلال الحرب اليوغسلافية في تسعينيات القرن الماضي، واستمرت المحاكمة حتى وفاته بسجنه في مارس 2006، وقد دفع بأنه غير مذنب.
يذكر أن التحقيق في المحكمة الجنائية الدولية منفصل عن قضية الإبادة الجماعية المرفوعة ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية، كما أن إسرائيل ليست طرفا في نظام روما الأساسي، لكن السلطة الفلسطينية وقعت على الانضمام له عام 2015، وعلى هذا النحو، خلصت المحكمة الجنائية الدولية إلى أنها تتمتع بالاختصاص القضائي للفصل في القضايا المتعلقة بتلك الأراضي.
وتشن إسرائيل، منذ السابع من أكتوبر 2023، حربا مدمرة على قطاع غزة المحاصر، خلفت عشرات الآلاف من القتلى والجرحى، معظمهم أطفال ونساء، ودمارا هائلا، ومجاعة مروعة أودت بحياة أطفال ومسنين.
والمحكمة الجنائية الدولية هي محكمة الملاذ الأخير، وتقوم بمحاكمة الأفراد عن الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والعدوان، وهي أخطر الجرائم التي تثير قلقا دوليا.
وليس لدى المحكمة جهاز شرطة أو جيش خاص بها، لكنها تعتمد على الدول في القبض على المشتبه بهم وتسليمهم، وتبقى أوامر القبض سارية المفعول مدى الحياة ما لم يقرر قضاة المحكمة خلاف ذلك.
وقد أنشئت المحكمة الجنائية الدولية بموجب نظام روما الأساسي، وهي وثيقة تأسيسية وقعتها الدول الأطراف، وتعهدت فيها بمنع الجرائم وعرض من يتحمل المسؤولية على العدالة. ومنذ 1998، أصبحت 123 دولة أطرافا في نظام روما الأساسي والتحقت بالكفاح ضد الإفلات من العقاب، وهي توفر التمويل للمحكمة وتنتخب القضاة والمدعي العام.
ويحق للمجني عليهم المشاركة في الإجراءات القضائية للمحكمة الجنائية الدولية وطلب جبر الضرر، ويشارك المجني عليهم من خلال محامين، يمثلونهم في الإجراءات القضائية، وفي قاعة المحكمة، ويضمنون أن تكون أصوات المجني عليهم مسموعة. ولا يمكن لقضاة المحكمة توفير جبر الضرر للمجني عليهم ولمجتمعاتهم الأهلية عن الأذى الذي أصابهم إلا إذا أدين الشخص بحكم نهائي.
عند نهاية المحاكمة، يقرر قضاة المحكمة الجنائية الدولية ما إن كان الشخص المتهم مذنبا أم لا، وفي حال الإدانة قد يحكم عليه بالغرامة أو بالسجن لمدة قد تصل إلى 30 سنة، وبصفة استثنائية إلى السجن مدى الحياة. ويقضي المحكومون مدة سجنهم في دولة تحددها المحكمة من قائمة الدول التي كانت قد عبرت للمحكمة عن رغبتها في قبول المحكومين.
ويمكن أن يأمر القضاة بجبر الضرر للمجني عليهم، بما في ذلك عبر رد الاعتبار والتعويض وإعادة التأهيل، ويجوز للادعاء وللشخص المحكوم الطعن في القرار، وهو ما يفتح الباب للأمر بمحاكمة جديدة.
English
Français
Deutsch
Español