التعديلات الدستورية الصومالية.. خطوات على طريق السلام والتعافي
الدوحة في 31 مارس /قنا/ سجل الصومال خطوة متقدمة على طريق التعافي وإقرار السلام والأمن والاستقرار في ربوعه، وإيجاد الظروف والأسس اللازمة للانطلاق في تنفيذ خططه التنموية وتحقيق الازدهار الاقتصادي لأبنائه بعد سنوات طويلة من الحروب والمعاناة والفوضى.
فبعد أسابيع من المناقشات الساخنة، صادق البرلمان الصومالي، أمس السبت، بغرفتيه"البرلمان والشيوخ"على أربعة فصول من الدستور المؤقت بعد مراجعتها، وذلك في إطار جهود الحكومة لاستكمال الدستور المؤقت الذي تم اعتماده عام 2012.
وأعلن شيخ آدم محمد نور مدوبي رئيس البرلمان الصومالي، أن 254 نائبا بالبرلمان الصومالي (212 عضوا في مجلس الشعب، و42 عضوا في مجلس الشيوخ) صوتوا لصالح تعديل الدستور فيما لم يمتنع أو يرفض التعديل أي نائب، ووصف هذه الخطوة بالتاريخية، وتعهد بمواصلة مراجعة التعديلات المتبقية حتى استكمال الدستور المؤقت المعمول به منذ كثر من عشر سنوات.
وتشمل التعديلات الدستورية التي تمت المصادقة عليها، تغيير نظام الحكم من البرلماني إلى الرئاسي، واعتماد نظام الاقتراع العام المباشر.
وبموجب هذه التعديلات سيتم انتخاب رئيس الجمهورية من قبل الشعب مباشرة بدلا من البرلمان، وستكون الفترة الرئاسية خمس سنوات بدلا من أربع كما هو في الدستور المؤقت الحالي، كما يحق لرئيس الدولة تعيين وإقالة رئيس الحكومة.
واعتمدت التعديلات ثلاثة أحزاب سياسية في الصومال بدلا من المحاصصة القبلية التي سادت هناك لسنوات، وسيصبح عدد أعضاء لجنة الانتخابات على المستوى الفيدرالي 18 عضوا.
وعقب التصويت أشاد الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، بالموافقة على المواد الدستورية، وقال إن هذا اليوم هو يوم تاريخي لعملية بناء الدولة التي استمرت خلال الفترة الماضية، مؤكدا أن استكمال الدستور هو الأساس لتطوير الديمقراطية والمؤسسات الحكومية.
وأشار الرئيس محمود إلى أن الدستور يرتكز على الشريعة الإسلامية والثقافة الأخلاقية للصوماليين، داعيا نواب البرلمان للعمل على تعديل ومراجعة واستكمال ما تبقى من بنود الدستور.
كما أشاد حمزة عبدي بري رئيس الوزراء الصومالي، بجهود أعضاء مجلسي الشعب والشيوخ للمصادقة بأغلبية ساحقة على تعديلات الفصول الأربعة من الدستور الوطني، مثمنا الدور الذي لعبه نواب المجلسين ولجنتا مراجعة وصياغة الدستور في هذا السياق.
وقال بري إن الموافقة على التعديلات الدستورية تصب في مصلحة الصوماليين كافة، مؤكدا أن هذه الخطوة التاريخية تأتي في إطار تنفيذ وعود الحكومة المتعلقة بإتمام الدستور، لتعود السلطة إلى الشعب الصومالي ويتمكن من اختيار قيادته.
وعلى الرغم من الترحيب الكبير بالتعديلات الدستورية، إلا أن هناك بعض الأصوات والشخصيات الصومالية التي عبرت عن معارضتها لها كونها تمنح صلاحيات واسعة لرئيس الدولة حسن شيخ محمود، مما قد يمهد الطريق لإعادة انتخابه، حسب معارضي التعديلات.
وترى وكالة أنباء الصومال أن التعديلات خطوة تاريخية تمهد الطريق أمام تنفيذ وعود الحكومة الفيدرالية لاستكمال المحاور الأساسية لبناء نظام سياسي مستقر في الصومال، مشيرة إلى أن الحكومة الفيدرالية حققت خلال فترة قصيرة إنجازات كبيرة شملت الإعفاء من الديون الخارجية، ورفع حظر الأسلحة، ومكافحة الإرهاب، والانضمام إلى المجموعة الاقتصادية لدول شرق إفريقيا، وتعزيز العلاقات الدولية.
ويواجه الصومال العديد من التحديات الأمنية والاقتصادية والمناخية، لكن التغييرات السياسية التي شهدها منذ منتصف العام 2022، عقب انتخابات الرئاسة ورئاسة الوزراء شكلت مؤشرا على عودة الاستقرار الضروري والمنشود.
ومنذ توليه مهام منصبه في مايو عام 2022، واصل الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود تعزيز الاستقرار في بلاده، التي يقطنها نحو ثمانية عشر مليون نسمة وجرى تدميرها على مدار عقود من الحرب الأهلية والجوع والإرهاب.
ونجحت حكومته في تخفيف ديونها الخارجية بمليارات الدولارات، وأقنعت مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة برفع حظر الأسلحة المفروض عليها منذ عقود، وانضمت الدولة رسميا إلى كتلة مجتمع شرق إفريقيا.
وكان صندوق النقد الدولي والبنك الدولي قد أعلنا في ديسمبر الماضي تخفيضا تاريخيا لديون الصومال بقيمة 4.5 مليار دولار أو ما نسبته تسعون بالمائة، من ديون الصومال الخارجية.
ويقول محللون أفارقة إن هذه الخطوة تشكل اعترافا من المجتمع الدولي بفاعلية الإصلاح الاقتصادي الصارم وإصلاحات الحكم في الصومال، مضيفين أن معظم ديون الصومال الخارجية التي أبعدته عن المؤسسات المالية الدولية لأكثر من ثلاثة عقود قد تم رفعها من قبل كبار الدائنين، الأمر الذي يمنح واحدة من أكثر الدول هشاشة في العالم فرصة جديدة لتنفيذ خططها وبرامجها الاقتصادية والاجتماعية وتحقيق الاستقرار في أراضيها على الرغم من التحديات المحلية والعالمية، والتي تشمل الحرب ضد حركة "الشباب" المسلحة، والتصدي للتغيرات المناخية القاسية.
وشهدت فترة الرئيس الصومالي الحالي جفافا شديدا، تلته الأمطار الغزيرة والفيضانات التي تركت الملايين في مواجهة أزمة إنسانية رهيبة، وزيادة التضخم وارتفاع أسعار المواد الغذائية وتناقص الصادرات، ما أضر أيضا بالنمو الاقتصادي في الصومال الذي تزيد مساحته على ستمائة وسبعة وثلاثين ألف كيلو متر مربع ويزيد طول سواحله البحرية على ثلاثة آلاف كيلومتر.
ويرى مراقبون في مقديشو أن الصومال بحاجة ماسة إلى استقرار سياسي كمقدمة ملحة للالتفات إلى التحدي الأمني، الذي تمثله حركة /الشباب/، خاصة مع بدء الانسحاب التدريجي لقوات حفظ السلام الإفريقية من هناك في فبراير الماضي، وتسليم المهام والقواعد للقوات الصومالية، في عملية مخطط لها أن تكتمل بنهاية العام الجاري.
واستعدادا للوضع الجديد دربت الحكومة الصومالية نحو 23 ألف مجند استعدادا لتسلم المهام الأمنية والعسكرية في البلاد، كما يرى مراقبون أنه مع إقرار التعديلات الدستورية فإن السلطات الصومالية باتت مهيأة أكثر من أي وقت مضى لتحمل كافة المسؤوليات المتعلقة بإدارة الشأن الأمني والعسكري، خاصة أن الصومال قد أعفي من الديون وأصبحت لديه القدرة للتعامل مع المؤسسات المالية الدولية، كما تم رفع حظر السلاح عنه، الأمر الذي يمكنه من التسلح وسد احتياجاته من العتاد العسكري من الخارج.
English
Français
Deutsch
Español