الانتخابات الرئاسية في السنغال.. فوز ديوماي فاي يؤذن بعهد جديد وتوقعات بتغييرات واسعة
الدوحة في 26 مارس /قنا/ تدخل السنغال عهدا جديدا بعدما أعلن فوز مرشح المعارضة الرئيسي باسيرو ديوماي فاي في الانتخابات الرئاسية التي أجريت قبل يومين بين 17 مرشحا، رغم تأجيلها أكثر من مرة وسط أجواء سياسية مضطربة منذ ثلاثة أعوام، تسببت بأزمة سياسية حادة وأثارت احتجاجات عنيفة مناهضة للحكومة سقط فيها قتلى وجرحى وعززت الدعم للمعارضة، في الأشهر القليلة الماضية.
وفي أول خطاب للرئيس الفائز بالانتخابات الذي منحته النتائج شبه النهائية نحو 53.7 بالمئة من الأصوات، طمأن فاي شركاء بلاده بأن السنغال "ستظل حليفا آمنا وموثوقا به لأي شريك سينخرط معها في تعاون شريف ومحترم ومثمر للطرفين"، وأضاف فاي أنه يعتزم العمل من أجل إحداث تغييرات داخل المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إكواس) التي تنتمي لها السنغال.
كما أطلق فاي في خطابه الطويل نداء للدول الإفريقية المجاورة للعمل معا من أجل تعزيز المكاسب التي تم تحقيقها ضمن آليات التكامل في منظمة (إكواس)، مع تصحيح نقاط الضعف وتغيير بعض الأساليب والاستراتيجيات والأولويات السياسية" على حد قوله.
ولفت الرئيس المنتخب في خطابه إلى أن الاختيار الشعبي له يمثل رسالة بوجوب اتباع خيار "القطيعة" مع نظام الرئيس المنتهية ولايته ماكي سال، مشيرا إلى أن المشاريع ذات الأولوية في عهده ستكون المصالحة الوطنية وإعادة بناء المؤسسات بالإضافة إلى تخفيض كبير في تكاليف المعيشة.
ويبلغ الرئيس المنتخب الرابعة والأربعين من العمر، ولم يسبق له أن تولى أي منصب وطني، وعمل مفتشا للضرائب، علما أنه كان لا يزال في سجن "كاب مانوال" بالعاصمة السنغالية داكار، إلى قبيل عشرة أيام فقط قبل إطلاق سراحه، حيث أمضى 11 شهرا بتهمة التشهير بالنظام، مستفيدا من قانون عفو شمل أيضا مرشده عثمان سونكو زعيم حزب باستيف المنحل الذي ينتميان له، كما دعم بعض السياسيين البارزين وأعضاء بالمعارضة ترشيح فاي.
وسيكون فاي خامس رئيس للسنغال وأصغر الرؤساء سنا في البلد الواقع في غرب إفريقيا ويبلغ عدد سكانه 18 مليون نسمة، ويتميز باستقرار سياسي وسط محيط إقليمي شهد ثمانية انقلابات عسكرية منذ عام 2020، آخرها في دول مالي وبوركينا فاسو والنيجر.
وينتمي فاي إلى منطقة أمبور (غرب السنغال)، وتحديدا لقرية ندياجانياو الزراعية، وحصل على الثانوية العامة (الباكالوريا) سنة 2000، ثم نال شهادة الماجستير في القانون من جامعة الشيخ آنتا جوب (كبرى الجامعات السنغالية)، قبل أن ينجح في امتحان القبول بالمدرسة الوطنية للإدارة، التي تخرج منها مفتشا في الضرائب، ثم دخل سلك السياسة متأثرا بخطابات رفيق دربه ومرشده السياسي عثمان سونكو.
وقد تلقى الرئيس المنتخب التهاني بالفوز من الرئيس المنتهية ولايته ماكي سال ومنافسه الأبرز في الانتخابات أمادو با بالإضافة إلى تهنئة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي أكد أن باريس تتطلع إلى العمل مع العهد الجديد للسنغال، كما أشادت دول عدة بالنتيجة باعتبارها انتصارا للسنغال التي تضررت سمعتها كواحدة من أكثر الديمقراطيات استقرارا في غرب إفريقيا جراء تأجيل الانتخابات.
وارتفعت سندات السنغال الدولية، عطفا على فوز فاي من الجولة الأولى، حيث جرت الانتخابات في ظل مناخ هادئ وشارك فيها ملايين الناخبين، وحظيت برضا المجتمع الدولي، وخصوصا الاتحاد الأوروبي الذي أوفد فريقا لرصد الانتخابات، إذ ترتبط السنغال بعلاقات وثيقة مع الغرب، بينما تعزز روسيا مواقعها في الجوار الإقليمي، حيث شهدت المنطقة توترات سياسية وانقلابات عسكرية، في السنوات الثلاث الأخيرة.
وينظر إلى فوز ديوماي فاي على أنه قد يفتح الباب لتغييرات واسعة في مقاليد البلاد وسياستها واقتصادها، ويضع حدا لفترة من الاضطرابات والأزمة السياسية الحادة المتواصلة منذ ثلاث سنوات، في بلد يتوقع أن يوضع اسمه العام الجاري على قائمة منتجي النفط والغاز في القارة الإفريقية بعد عمليات تنقيب واستثمار في السنوات الأخيرة.
وقد حظي فاي بدعم زعيم المعارضة عثمان سونكو الذي خاض الحملة لصالح فاي، لأن السلطات لم تجز له خوض الانتخابات بنفسه، فساهم بتعبئة قياسية وخصوصا لدى الشبان، مع التعويل على برنامج انتخابي شعاره "تغيير النظام" و"الوحدة الإفريقية اليسارية"، وركز فاي برنامجه على استعادة السيادة الوطنية معتبرا أنها باتت مرهونة للخارج، ووعد بمكافحة الفساد وتوزيع الثروات بصورة أفضل ومعاودة التفاوض بشأن اتفاقات المناجم والغاز والنفط المبرمة مع شركات أجنبية.
إذ أعلن في حملته عن برنامج إصلاح نقدي من شأنه إنهاء سيطرة الفرنك الإفريقي ذي الأصول والاعتماد الفرنسي، وإقامة عملة سنغالية خاصة، إذا لم تتمكن دول غرب إفريقيا من إصدار عملة موحدة، كما وعد فاي بمراجعة اتفاقيات الدفاع وخصوصا مع فرنسا، إذ يسعى الرئيس المنتخب إلى تنويع مصادر تسليح بلاده وعلاقاتها الأمنية والسياسية.
وعلى خطى سياسة مرشده سونكو، توعد فاي بمراجعات نوعية وفعالة للعديد من الاتفاقيات التي تربط السنغال بالعالم من حولها، وخصوصا في ما يتعلق بالمناجم والتعدين والمحروقات، زيادة على اتفاقيات الدفاع.
ولأول مرة في تاريخ السنغال، لم يشارك رئيس في المنصب في الانتخابات حيث اختار الائتلاف الحاكم رئيس الوزراء السابق أمادو با (62 عاما) مرشحا له، وترك ماكي سال، الذي انتخب للمرة الأولى في 2012، المنصب بعد تدني التأييد له، بعد أن سعى لتأجيل الانتخابات إلى ديسمبر المقبل بعد أن كانت مقررة في البداية في 25 فبراير الماضي.
وتقع السنغال في منطقة غرب إفريقيا، وقد اكتسبت اسمها من نهر السنغال الذي يحدها من الشرق والشمال والذي ينبع من فوتاجلون في غينيا، ويحد السنغال خارجيا المحيط الأطلسي إلى الغرب، وموريتانيا شمالا، ومالي شرقا، وغينيا وغينيا بيساو جنوبا، فضلا عن ذلك، تحيط السنغال تقريبا بدولة غامبيا، أي من الشمال والشرق والجنوب ما عدا شاطئ غامبيا القصير على المحيط الأطلسي.
وتغطي السنغال مساحة 197,000 كم2 تقريبا، ويقدر عدد سكانها بنحو 18 مليون نسمة، وتعد اللغة الفرنسية اللغة الرسمية للسنغال، رغم وجود العديد من اللغات المعترف بها، وهي عضو في المنظمة الدولية للفرنكوفونية منذ عام 1970، وتعتبر داكار، عاصمة البلاد منذ عام 1960 بعد الاستقلال عن فرنسا.
ويتركز اقتصاد السنغال في الغالب على السلع والموارد الطبيعية، وتتركز الصناعات الرئيسية على تجهيز الأسماك، وتعدين الفوسفات وإنتاج الأسمدة وتكرير البترول ومواد البناء، وبناء السفن وإصلاحها، كما هو الحال في معظم الدول الإفريقية، والزراعة هي القطاع الرئيسي، وتنتج السنغال العديد من المحاصيل النقدية الهامة، في ظل مناخ مداري يتضمن موسمين أحدهما للجفاف وآخر للأمطار.
وتشير الأرقام الدولية إلى أن 20 في المائة من الشباب عاطلون عن العمل، مما يدفع إلى الخروج من المناطق الريفية نحو العاصمة داكار والمدن الأخرى وإلى الخارج، كما يعيش زهاء 40 في المائة من السكان في المناطق الريفية حيث يبلغ معدل الفقر 57.3 في المائة، أي أكثر بمقدار الضعف عن معدل الفقر في العاصمة داكار.
English
Français
Deutsch
Español