في يومها العالمي.. المياه مرساة السلام وفتيل النزاعات
الدوحة في 21 مارس /قنا/ يوما بعد يوم ومع تطور المجتمعات والنمو المتواصل في أعداد البشر، تزداد أهمية المياه لحياة الإنسان واستقراره في جميع أنحاء العالم، ويعتمد أكثر من ثلاثة مليارات إنسان على ظهر الكوكب على مياه عابرة للحدود الوطنية، ومع ذلك، فإن أربعة وعشرين بلدا فقط لديهم اتفاقيات تعاون بشأن جميع المياه المشتركة، ومع تزايد آثار تغير المناخ وانعكاساتها الواسعة على الثروات المائية، تبدو الحاجة ملحة وضرورية داخل البلدان وفيما بينها، للتوحد حول حماية المياه باعتبارها أثمن الموارد وعنصر الحياة الأول.
وتحت شعار "المياه من أجل السلام" تحتفل دولة قطر مع بقية دول العالم غدا الجمعة، الموافق الثاني والعشرين من مارس من كل عام، باليوم العالمي للمياه، لتسليط الضوء على أهميتها واستلهام الإجراءات الرامية للتصدي للأزمة العالمية للمياه.
وتدرك دولة قطر أهمية المياه وضرورة المحافظة عليها، وترشيد استهلاكها وإدارة مواردها بما يحقق الاستدامة، خاصة أن هذه التطلعات تتفق مع رؤية قطر الوطنية، التي تهدف إلى تحويل البلاد بحلول العام 2030 إلى دولة قادرة على تأمين استمرار العيش الكريم لشعبها جيلا بعد جيل.
وتقوم اللجنة الدائمة للموارد المائية باقتراح السياسات والاستراتيجيات المتعلقة بموارد المياه، واعتماد الخطط والبرامج والمشروعات ذات الصلة بإدارة وتنمية هذه الموارد، بالإضافة إلى قيامها بمبادرات مهمة تتعلق بتعزيز الأمن المائي والمحافظة على المستودعات الجوفية للمياه في الدولة.
وقد أطلقت دولة قطر على مر السنين العديد من الاستراتيجيات التي تعزز الاستخدام المستدام والفعال للمياه، والتي تهدف إلى تحقيق الأمن المائي، كما تعمل دولة قطر على استدامة توفير خدمات المياه بجودة عالية، وتسعى بشكل متواصل للارتقاء بها إلى أفضل المستويات، مع الالتزام بمعايير الصحة والسلامة المحلية والدولية.
وقد نجحت المؤسسة العامة القطرية للكهرباء والماء "كهرماء" خلال السنوات الماضية في تلبية الطلب المتزايد على المياه بالدولة، على الرغم من معدل الزيادة السنوية في استهلاك المياه، كما حققت أهدافها الاستراتيجية بتعزيز الأمن المائي القطري، وذلك بزيادة سعة مخزون المياه الاستراتيجي، ورفع قدرة منظومة المياه على مواجهة حالات الطوارئ القصوى.
وتحرص دولة قطر على الوفاء بالتزاماتها كشريك فاعل في المجتمع الدولي، من خلال عضويتها الفاعلة بمجموعة أصدقاء المياه، وانضمامها للجنة التوجيهية الدولية للمؤتمر الدولي الأول رفيع المستوى بشأن العقد الدولي للعمل "الماء من أجل التنمية المستدامة" الذي عقد في طاجيكستان في عام 2018.
وفي هذا السياق، تحتضن الدوحة أواخر أبريل المقبل الدورة الخامسة عشرة لمؤتمر الخليج للمياه، الذي يقام تحت شعار "دور التكنولوجيا في قطاع المياه"، والذي سيناقش دور التكنولوجيا في قطاع المياه من خلال 74 بحثا متخصصا في هذا المجال.
ويهدف اليوم العالمي للمياه هذا العام لتسليط الضوء على الدور المحوري للمياه في تعزيز السلام والازدهار، ومنع نشوب الصراعات، حيث تعتمد الصحة العامة والازدهار، ونظم الغذاء والطاقة، والإنتاجية الاقتصادية، والسلامة البيئية، على دورة مائية حسنة الأداء وتدار بطريقة منصفة، فعندما تكون المياه شحيحة أو ملوثة، أو عندما يفتقر الناس إلى الفرص المتكافئة للحصول على المياه أو تنعدم فرص حصولهم عليها، فإن التوترات قد تتصاعد بين المجتمعات والبلدان، وهذا ما يوجب على مختلف دول العالم وضع التعاون في مجال المياه في صميم خططها.
وعلى الرغم من أن الحصول على المياه حق من حقوق الإنسان، فإن أكثر من ملياري إنسان يعيشون بدون خدمات مياه شرب مدارة بأمان، مع ما يترتب على ذلك من آثار مدمرة على حياتهم الشخصية وعلى مجتمعاتهم، وتعتبر الدورة المائية المدارة بشكل جيد الأساس الذي يستند إليه التقدم المحرز في جميع أهداف خطة التنمية المستدامة لعام 2030، لا سيما فيما يتعلق بالجوع والمساواة بين الجنسين والصحة والتعليم وسبل العيش والاستدامة والنظم الإيكولوجية.
وفي رسالة بمناسبة اليوم العالمي للمياه، قال أنطونيو غوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة: "إن العمل من أجل المياه هو عمل من أجل السلام، وقد بات ضروريا اليوم أكثر من أي وقت مضى"، مضيفا أن "عالمنا يمر بأوقات عصيبة حيث النزاعات مستعرة، واللامساواة منتشرة، والتلوث وفقدان التنوع البيولوجي متفشيان، وأزمة المناخ تتفاقم بوتيرة متسارعة ومميتة، بينما تواصل البشرية حرق الوقود الأحفوري، ما يزيد المخاطر التي تهدد السلام".
وحذر الأمين العام من أن التناقص المستمر في إمدادات المياه يمكن أن يؤدي إلى تزايد المنافسة عليها، وتأجيج التوتر بين الناس والمجتمعات المحلية والبلدان، وبالتالي زيادة خطر نشوب النزاعات، وحث غوتيريش جميع البلدان على الانضمام إلى اتفاقية الأمم المتحدة للمياه وعلى تنفيذها؛ كونها تشجع على إدارة الموارد المائية المشتركة على نحو مستدام.
وبهذه المناسبة أيضا، سيصدر في مقر منظمة اليونسكو في باريس غدا تقرير الأمم المتحدة عن تنمية المياه في العالم لعام 2024، ويركز التقرير على العلاقات المترابطة بين المياه والرخاء والسلام، ويصف كيف يمكن للتقدم في أحد الأبعاد أن يكون له تداعيات إيجابية على الأبعاد الأخرى، ويؤكد التقرير أن الحفاظ على مستقبل مائي آمن وعادل يعزز الرخاء والسلام للجميع، وأن الفقر وعدم المساواة والتوترات الاجتماعية والصراعات يمكن أن تؤدي إلى تفاقم انعدام الأمن المائي.
ووفق تقارير دولية، تمثل المياه العابرة للحدود ستين بالمئة من تدفقات المياه العذبة في العالم، وهناك 153 بلدا لديها أراض ضمن حوض واحد على الأقل من أحواض الأنهار والبحيرات العابرة للحدود، البالغ عددها 310 أحواض وشبكات طبقة المياه الجوفية العابرة للحدود، ولا يزال نحو ملياري شخص في جميع أنحاء الكرة الأرضية يعيشون بدون خدمات مياه الشرب المدارة بأمان، ومن بين هؤلاء لا يحصل 771 مليون شخص حتى على خدمات مياه الشرب الأساسية.
ويعاني ما يقرب من نصف سكان العالم من ندرة شديدة في المياه، وقد هيمنت الكوارث المرتبطة بالمياه على قائمة الكوارث على مدى السنوات الـ 50 الماضية، وتمثل سبعين بالمئة من جميع الوفيات المرتبطة بالكوارث الطبيعية، وتقول منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسف" إن تحسين المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية يمكن أن يساهم في منع حوالي 400 ألف حالة وفاة سنويا بسبب أمراض الإسهال لدى الأطفال دون سن الخامسة.
ومن المؤكد أن المياه قادرة على إرشاد الأسرة الدولية دولا وشعوبا للخروج من الأزمات، كما يمكن تعزيز التناغم بين المجتمعات المحلية والبلدان من خلال الاتحاد حول الاستخدام العادل والمستدام للمياه، بدءا من اتفاقيات الأمم المتحدة على المستوى الدولي، إلى اتخاذ إجراءات على المستوى المحلي، كما أن التعاون للحفاظ على المياه يمكن أن يعطي دفعة قوية للسلام وأن يديمه، ويمكن للإدارة المسؤولة للمياه أن تبني القدرة على الصمود في مواجهة الكوارث المناخية، وأن تدفع بعجلة التقدم نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة، التي هي عماد المجتمعات المسالمة، بسبل منها تحسين الصحة والحد من الفقر واللامساواة، وتعزيز الأمن الغذائي والمائي.
English
Français
Deutsch
Español