فرنسا تلوح بإمكانية اللجوء لتدخل بري في أوكرانيا.. وعواصم أخرى تنأى بنفسها عن هذا الخيار
الدوحة في 27 فبراير /قنا/ بدا واضحا أن العام الثالث للعملية العسكرية الروسية في أوكرانيا سيحمل تطورات هامة قد تكون حاسمة في إنهاء الأزمة بين البلدين الجارين، وسط حسابات معقدة حول أي الخيارات التي ستكون الفيصل في إنهاء أسوأ أزمة تمر بها أوروبا منذ الحرب اليوغسلافية في تسعينات القرن الماضي.
ففي الوقت الذي تؤكد فيه روسيا مضيها قدما ومواصلة السير في نفس الطريق الذي انتهجته إبان إطلاقها عملية عسكرية في أراضي جارتها، جددت الدول الغربية عزمها على الاستمرار في تقديم الدعم العسكري لأوكرانيا، ومساعدتها على استعادة أراضيها في الجنوب والشرق التي سيطر عليها الانفصاليون الموالون لموسكو، وتلويحها باعتماد خيارات أكثر جرأة قد تقود لحل جذري للأزمة.
وقد شهدت الحرب، التي بدأت في الرابع والعشرين من فبراير عام 2022، عدة محطات مفصلية خلال العام الماضي، كان أبرزها إعلان أوكرانيا في يونيو الماضي إطلاق هجوم مضاد بهدف استعادة أراضيها الخاضعة للسيطرة الروسية، وكذلك قطع خطوط الإمداد الروسية إلى شبه جزيرة القرم رغم الزخم الكبير الذي رافقه، واعتراف المسؤولين الأوكرانيين بأن نتائج الهجوم المضاد لم تكن على قدر التوقعات، ملقين باللوم في ذلك على تأخر الدعم الغربي، ومحدوديته في آن واحد.
وبعد مرور عامين، يمكن إجمال النتائج الميدانية المباشرة في توسيع رقعة السيطرة العسكرية الروسية داخل الأراضي الأوكرانية بنحو 5 أضعاف، بالنظر إلى مساحة الأراضي التي يسيطر عليها حاليا الجيش الروسي، في وقت تواجه أوكرانيا وضعا صعبا للغاية في ساحة المعركة، ما دفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للقول إنه من غير المستبعد إرسال قوات برية غربية لإلحاق الهزيمة بروسيا.
وأكد ماكرون، في تصريحات صحفية مساء أمس الإثنين بعد استضافته نحو 20 دولة متحالفة مع أوكرانيا، وجود إجماع أوروبي على ضرورة الاستعداد لهجوم روسي محتمل على الدول الأوروبية في السنوات المقبلة.
وأثار التلويح الأوروبي بإمكانية إرسال قوات برية أوروبية لمواجهة التهديدات الروسية تساؤلات داخل المؤسسات الأوروبية، حول موعد هذا التدخل، وشكل القوة الأوروبية ومجال تدخلها في الحرب، وحدود مهمتهما، دون التغافل عن دراسة تبعات أي تحرك عسكري محتمل ضد موسكو التي لن تقف صامتة حيال أي تهديد من هذا القبيل.
وفي أعقاب هذا الاجتماع الأوروبي، أعلن المستشار الألماني أولاف شولتس، في تصريحات، أن بلاده لا تستطيع السير على خطى بريطانيا وفرنسا وإرسال صواريخ بعيدة المدى إلى أوكرانيا لأن الخطوة لن تكون مسؤولة، ما يعني أن أوروبا مازالت تعاني من انقسام فيما يتعلق بموقف موحد تجاه أوكرانيا، سواء في إرسال مزيد من الأسلحة، أو مقترح المشاركة في تدخل بري.
وجدد شولتس رفض طلب أوكرانيا تسليمها صواريخ /تورس/ بعيدة المدى، على الرغم من إلحاح كييف ودعواتها العاجلة للموافقة على عمليات التسليم، بينما تواجه الحرب الروسية تصاعدا مستمرا، محذرا من خطر إقحام ألمانيا وتوريطها بطريقة ما في الحرب مباشرة.
في غضون ذلك، تحاول الدول الأوروبية تقديم مزيد من الدعم لكييف في ظل تأخر المساعدات الأمريكية نتيجة خلافات سياسية مستمرة في الكونغرس، الأمر الذي جعل الرئيس الفرنسي لا يستبعد نشر قوات برية من بلاده في أوكرانيا، دون الإدلاء بالمزيد من التوضيحات بشأن موقف باريس من هذه الخطوة، لكنه لفت إلى الحاجة لـ"غموض استراتيجي" فيما يتعلق بهذا الخيار الذي يندرج ضمن خيارات عديدة أخرى، من بينها تشكيل تحالف جديد لتزويد أوكرانيا بصواريخ وقنابل متوسطة وطويلة المدى، حيث سيكون لكل دولة القرار السيادي المنفصل والمستقل بشأن المشاركة من عدمها في نشر القوات البرية في أوكرانيا.
وفي موقف آخر حيال الخيارات التي طرحتها باريس لإنهاء الأزمة الأوكرانية، حذر روبرت فيكو رئيس الوزراء السلوفاكي، في تصريحات، من تصعيد خطير للتوترات مع روسيا، لافتا إلى استعداد دول منفردة، لم يسمها، لإرسال جنودها مباشرة إلى أوكرانيا، لكنه نبه إلى أن ذلك "لن يقنع روسيا بالاستسلام، بل سيزيد بالتأكيد من خطر تصاعد الصراع".
وعلى الجانب الآخر من الخيار الفرنسي، أقر مسؤولون غربيون بأن روسيا قد تتفوق عسكريا في النزاع عام 2024 مع نفاد الأسلحة والذخيرة لدى الجانب الأوكراني، مستشهدين في ذلك بإعلان أوكرانيا انسحابها من منطقة /لاستوشكين/ شرق البلاد، والتي أكدت موسكو السيطرة عليها، في هزيمة جديدة للقوات الأوكرانية بعد خسارتها مدينة /أفدييفكا/ قبل أيام.
وتسري شكوك متزايدة حيال مدى جدوى الدعم الأمريكي طويل المدى لأوكرانيا في وقت لم تحصل حزمة مساعدات جديدة على موافقة الكونغرس، بينما يتطلع دونالد ترامب للعودة إلى الرئاسة في الانتخابات المقررة في وقت لاحق هذا العام.
وتعتمد أوكرانيا على الدعم الغربي في مواجهة هجمات روسية تسارعت وتيرتها مع سعي موسكو للاستفادة من استنزاف موارد كييف في ساحة المعركة، في الوقت الذي تتراكم فيه المشاكل بالنسبة لأوكرانيا التي تضرر جيشها كثيرا بسبب هجومها المضاد، وأصبح غير قادر على تجديد صفوفه وسط خوف وإرهاق ونقص الذخائر في الشرق بعد عامين من الحرب، رغم تسجيل بعض النجاحات العسكرية في البحر الأسود خلال الأسابيع الأخيرة.
وأخذ الصراع بين موسكو وكييف العام الماضي طابعا جديدا مع وصول الطائرات المسيرة الأوكرانية إلى مبنى الكرملين ومناطق روسية أخرى، الأمر الذي أزعج الروس ودفعهم للرد بعنف على هذه الخطوة.
وفي الذكرى الثانية للحرب، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تحديث 95 بالمئة من القوات النووية الاستراتيجية لبلاده، وتسلم القوات الجوية أربع قاذفات جديدة فرط صوتية قادرة على حمل رؤوس نووية، وسط ترجيحات بأن يكون هذا الدعم العسكري في غاية الخطورة، لا على أوكرانيا لوحدها، ولكن على بقية حلفائها الغربيين، والمنظمات العسكرية المتحالفة ضد موسكو، وفي مقدمتها حلف شمال الأطلسي /الناتو/.
وفي تقييم للأوضاع العسكرية بين الجارتين بعد عامين من القتال، يرى خبراء عسكريون وأمنيون روس أن بلادهم حققت خمسة مكاسب رئيسية في العام الماضي، على رأسها تطوير قدرات روسيا على الهجوم، ونجاحها في تقليص حجم الخطر المتوقع من الجانب الآخر، خاصة في ظل تأكيد وزارة الدفاع الروسية أنها أنشأت في المنطقة العسكرية الشمالية للبلاد "الجيش الأكثر خبرة في العالم".
أما المكسب الثاني، وفقا لذات المحللين، فيتمثل في صمود الاقتصاد الروسي رغم وقوعه تحت نير رزم العقوبات غير المسبوقة، في حين يتجلى المكسب الثالث في نجاح موسكو في مواجهة تصاعد حالة القلق الداخلي، وحشد تأييد غالبية الروس في مواجهة الحرب العالمية على بلادهم، ويظهر رابع المكاسب في جعل روسيا أكثر ثراء بفضل سيطرتها على بحر آزوف، ويبرز المكسب الخامس في إفشال مخططات الغرب في "هز ثقة الأوروبيين والغرب عموما بإمكان تحقيق نصر استراتيجي على روسيا".
ووفقا للمؤشرات والمعطيات الحالية، تسيطر روسيا على /لوغانسك/ بشكل كامل، وعلى 60 بالمئة من مساحة /دونيتسك/، بينما لا تزال قواتها تقف عند الضفة الشرقية لنهر "دنيبرو" الذي يشق مقاطعة /خيرسون/، في حين لاتزال الضفة الغربية تحت السيطرة الأوكرانية، كما بسط الجيش الروسي سيطرته على أكثر من 75 بالمئة من مساحة مقاطعة /زابوروجيا/.
وتتضارب الآراء حول إمكانية إرسال قوات برية غربية إلى الأراضي الأوكرانية لتحقيق هدف أوروبا المتمثل في إنزال الهزيمة بموسكو، في ظل عدم مشاركة أي من الدول الأوروبية الأعضاء في الاتحاد، منذ إعلان قيامه في نوفمبر 1993، في أي حرب برية أو تدخل بري لدعم دولة أخرى سواء كانت عضوا في التكتل أو خارجه، كحالة أوكرانيا في الوقت الحالي.
وكما هو معلوم، تنفذ قوات الدفاع التابعة للاتحاد الأوروبي سياسة الأمن والدفاع المشتركة للاتحاد، وهناك فئتان من القوات المتعددة الجنسيات التابعة للتكتل، تلك التي تم إنشاؤها على المستوى الحكومي لكل دولة وإتاحتها لسياسة الأمن والدفاع المشتركة، مثل الفيلق الأوروبي، ومجموعات القتال التابعة للاتحاد الأوروبي، حيث تم اختيارها من منظمات الدفاع الحكومية الدولية التي تم إنشاؤها خارج إطار الاتحاد، لكنها قد تدعم سياسة الأمن والدفاع المشتركة وفقا لمعاهدة الاتحاد الأوروبي.
وتلتزم المجموعات القتالية التابعة للاتحاد الأوروبي بسياسة الأمن والدفاع المشتركة، وتستند إلى مساهمات من تحالف الدول الأعضاء، ويتم استخدامها تحت مظلة "دولة قائدة".
وخلال رئاسة ألمانيا للاتحاد الأوروبي في النصف الثاني من 2020، بدأت سياسة الأمن والدفاع المشتركة للاتحاد الأوروبي في تطوير بوصلة استراتيجية للأمن والدفاع، اعتبارا من نوفمبر 2021، مع تصور لقوة تدخل كبيرة مكونة من خمسة آلاف جندي بحلول عام 2025.
English
Français
Deutsch
Español