دعم "حل الدولتين".. مشروع واقعي أم مناورات سياسية ؟
الدوحة في 27 فبراير /قنا/ ارتفعت وتيرة النبرة الإقليمية والدولية خلال الفترة الماضية المنادية بـ "حل الدولتين"، بشأن القضية الفلسطينية والصراع مع إسرائيل خاصة بعد الحرب التي يشنها الكيان الإسرائيلي على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر الماضي، والتي اقتربت من إكمال شهرها الخامس، فحل الدولتين مرفوض إسرائيليا ولو كان مدعوما من الولايات المتحدة والإدارات الأمريكية المتعاقبة، خاصة الإدارات الديمقراطية التي ما فتئت تعلن على الملأ تأييدها لحل الدولتين هو السبيل الوحيد لإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
ولا يعد مصطلح "حل الدولتين" مصطلحا حديثا فهو قديم بقدم الصراع العربي الإسرائيلي، وهو حل مقترح للصراع يقوم على تراجع العرب عن مطلب تحرير كامل فلسطين التاريخية وعن حل الدولة الواحدة، ويقوم هذا الحل على أساس دولتين تعيشان معا، هما دولة فلسطين إلى جانب دولة الكيان الإسرائيلي المحتل.
وعلى الأرض الفلسطينية اليوم، كيانان سياسيان، الأول تم إنشاؤه بعد حرب 1948 وهو إسرائيل على ما نسبته 78% من أرض فلسطين التاريخية، متجاوزا ما خصصته الأمم المتحدة للدولة العبرية في قرار تقسيم فلسطين عام 1947. أما الكيان الآخر، فهو دولة فلسطين التي لم تنل استقلالها الفعلي بعد، بسبب احتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية منذ حرب 1967 - لتشكل النسبة المتبقية من فلسطين التاريخية وهي ما مساحتها 22% فقط.
إلا أنه وبالنظر للمواقف الدولية، فإن إسرائيل دولة معترف بها دوليا، أما دولة فلسطين فليس معترف بها كدولة مستقلة إلى حد الآن، وهو ما أقر في قرار مجلس الأمن 242 بعد الحرب، وسيطرة إسرائيل على باقي أراضي فلسطين التاريخية، واعتمد بعض الفلسطينيين هذه المبادئ في عام 1974 فيما عرف بالبرنامج المرحلي للمجلس الوطني الفلسطيني، والذي عارضته بعض الفصائل الفلسطينية وقتها، حيث شكلت ما يعرف بجبهة الرفض، أضحت هذه المبادئ فيما بعد مرجعية المفاوضات في اتفاق أوسلو عام 1993 بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، والذي نص على قيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة مقطعة الأوصال تربط بنفق أو جسر ما بين المنطقتين وحتى هذا اليوم لم تلتزم به إسرائيل.
ورغم العروض العربية لإسرائيل وأشهرها مبادرة السلام العربية التي أطلقت في قمة بيروت العربية عام 2002، داعية إسرائيل للتخلي عن الأرض مقابل السلام، بقيام دولة فلسطينية على حدود 4 يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، لكن الكيان الإسرائيلي لم يعبأ بها ولم يعرها أدنى اهتمام ، لذلك لم يكتب للمبادرة النجاح رغم الإجماع العربي عليها، ورغم أنها انطلقت من وحي قرارات الشرعية الدولية الصادرة من الأمم المتحدة التي أيدت الشعب الفلسطيني في المطالبة بحقوقه المشروعة بقيام دولته المستقلة علي أرضه المعترف بسيادتها الكاملة.
وبخصوص موقف الولايات المتحدة من قضية حل الدولتين فإنها ظلت تجدد موقفها الداعم لحل الدولتين باعتباره الحل الوحيد لإنهاء العنف، وتؤكد عزرا زيا نائبة وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الأمن المدني والديمقراطية وحقوق الإنسان، أنه "يتعين على الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني، فضلا عن قيادتيهما، أن يتخذوا خيارات صعبة" لتحقيق ذلك وبلوغ تطلعاتهم المشروعة، وتضيف نائبة وزير الخارجية الأمريكي، أن أحد العناصر الرئيسية للدبلوماسية الأمريكية هو متابعة المسار المؤدي إلى الدولة الفلسطينية والتطبيع بين إسرائيل والدول الإقليمية الأخرى. وأكدت عزرا زيا أن وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن سمع مؤخرا من دول المنطقة "استعدادا للمشاركة في إعادة إعمار غزة إذا كان هناك طريق إلى دولة فلسطينية".
ولايزال المتابع للقضية الفلسطينية يسمع من منابر ومحافل دولية مختلفة المناداة "بحل الدولتين" فوزراء خارجية دول مجموعة العشرين الذين اجتمعوا الخميس 22 فبراير 2024، بالبرازيل خرجوا باتفاق في الرأي على الحاجة إلى "حل الدولتين" باعتباره السبيل الوحيد لتحقيق السلام في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
ويقول جوزيف بوريل مسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي للصحفيين في البرازيل بعد اجتماع مجموعة العشرين "الجميع هنا، الجميع. لم أسمع أحدا يعارض ذلك. هناك مطالبة قوية "بحل الدولتين" إنه توافق في الرأي بيننا" وحظيت وجهة نظر بوريل بتأييد مندوبين آخرين قالوا إن كل متحدث تناول الحرب في غزة دعا إلى حل الدولتين.
وتابع بوريل "هناك قاسم مشترك: لن يكون هناك سلام ولن يكون هناك أمن مستدام لإسرائيل ما لم يكن لدى الفلسطينيين أفق سياسي واضح لبناء دولتهم".
وذكر مسؤول السياسية الخارجية بالاتحاد الأوروبي أن الأزمة في غزة تمتد إلى الضفة الغربية التي "تغلي بشدة"، مع مهاجمة المستوطنين الإسرائيليين "مدنيين فلسطينيين".
ويضيف جوزيف بوريل أنه طلب من البرازيل، الدولة المضيفة لقمة مجموعة العشرين، أن "توضح للعالم تأييد الجميع في مجموعة العشرين هذا الحل"... وأردف قائلا "علينا أن نحشد قدرتنا السياسية للدفع باتجاه تنفيذ هذا الحل. وما عدا ذلك فهو مجرد أمنيات".
وعبر مسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي عن توقعاته بأن تتقدم الدول العربية باقتراح لتحقيق السلام في غزة خلال الأيام المقبلة.
يشار إلى أن الاتحاد الأوروبي عرض الإثنين على كل من إسرائيل ودول لجنة المتابعة العربية والسلطة الفلسطينية حزمة أفكار في "خارطة طريق" تنطلق من وقف حرب غزة إلى قيام الدولة الفلسطينية والأمن الإقليمي، وفقا لوثيقة أعدها الاتحاد الأوروبي.
وتشير المعلومات إلى أن الوثيقة الأوروبية تتناول ملف إنهاء حرب غزة وإطلاق خطة سلام شاملة، مرتبطة بحل مشكلة الأمن بالنسبة إلى الفلسطينيين والإسرائيليين، ومن ثم إطلاق عملية إعادة إعمار القطاع، كما تشترط الدول العربية، وتقول الوثيقة الأوروبية "يتوجب على الفلسطينيين وضع بديل سياسي لحماس، مقابل التزام إسرائيل بحل الدولتين".
وتتضمن الوثيقة الأوروبية دعوة إلى مؤتمر السلام التحضيري، وتتمثل مخرجاته في إعداد مسودة خطة السلام ودعوة الأطراف الدولية للمساهمة فيها، وتؤكد الوثيقة على ضرورة منح إسرائيل والدولة الفلسطينية المستقبلية ضمانات أمنية قوية تشمل الاعتراف المتبادل بين الجانبين.
ومن المواقف الواضحة والتي تعتبر من أقوى النداءات بخصوص "حل الدولتين" ما قاله الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال جلسة مناقشة مفتوحة لمجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة، على المستوى الوزاري حول "الوضع في الشرق الأوسط - بما فيه القضية الفلسطينية" عقدت الأسبوع الماضي، إن "الرفض الواضح والمتكرر لحل الدولتين على أعلى مستويات الحكومة الإسرائيلية غير مقبول"، ويضيف "إن رفض حل الدولتين، من شأنه أن يطيل - إلى أجل غير مسمى- أمد الصراع الذي أصبح تهديدا كبيرا للأمن والسلم الدوليين"، وشدد غوتيريش على ضرورة أن ينتهي الاحتلال الإسرائيلي، وأن حل الدولتين هو السبيل الوحيد لتلبية التطلعات المشروعة للشعبين الإسرائيلي والفلسطيني على حد سواء.
ويؤكد الأمين العام للأمم المتحدة، أن الأحداث على مدى الأشهر الماضية كانت بمثابة تذكير مأساوي بأن حل الدولتين هو "السبيل الوحيد لتجنب دورات لا نهاية لها من الخوف والكراهية والعنف".
وتساءل غوتيريش عن البديل لحل الدولتين، فقال: "كيف سيبدو حل الدولة الواحدة مع هذا العدد الكبير من الفلسطينيين داخل تلك الدولة دون أي شعور حقيقي بالحرية والحقوق والكرامة؟ سيكون ذلك أمرا لا يمكن تصوره".
ويرى الأمين العام للأمم المتحدة، أن حل الدولتين تعرض "للتشويه والتقويض وترك ليموت مرات عديدة" على مدى العقود الأخيرة، إلا أنه يظل السبيل الوحيد لتحقيق السلام الدائم والعادل في إسرائيل وفلسطين والمنطقة، وأضاف غوتيريش: "في هذا الوقت العصيب الذي يمر به الفلسطينيون والإسرائيليون على السواء، يجب أن يحفز كلا الطرفين، والمجتمع الدولي، على العمل بشجاعة وتصميم لتحقيق سلام عادل ودائم".
ويرجع العديد من المراقبين القناعات التوجهات الدولية والاقليمية التي تشكلت بتفضيل خيار حل الدولتين والسعي لتحقيقه ما هي إلا نتيجة حتمية لما حدث في أعقاب عملية طوفان الأقصى وما ترتب عليه من عدوان إسرائيلي على قطاع غزة .
والمعلوم أن بنيامين نتنياهو رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي، والحكومة الائتلافية اليمينية، وعددا من وزرائه اليمنيين يرفضون إقامة دولة فلسطينية بشكل كبير رغم أن الولايات المتحدة، الداعم الرئيسي لإسرائيل، تؤكد أن حل الدولتين هو السبيل الوحيد الممكن لإحلال السلام الدائم في المنطقة، بل وينسب إلى الرئيس الأمريكي جو بادين قوله إن بنيامين نتنياهو لا يعارض حل الدولتين، ويعتبر مراقبون أن العديد من المواقف الدولية التي تتحدث بضرورة حل الدولتين، ودعمها للفكرة، لم تكن صادقة وإنما تعلن عن هذا الموقف لمجرد الاستهلاك السياسي ولأغراض ليس من بينها دعم القضية الفلسطينية أو قيام دولة فلسطينية كاملة السيادة على ترابها الوطني، وستكشف الأيام المقبلة حقيقة ما يتحدث به البعض وما يخفيه خلف هذه المواقف التي تبدو رمادية.
English
Français
Deutsch
Español