تصاعد التوترات الجيوسياسية في أوروبا وآثارها على الإنفاق العسكري
الدوحة في 20 فبراير /قنا/ تدفع الصراعات والتوترات الجيوسياسية المتزايدة حول أوروبا إلى زيادة دولها الإنفاق العسكري، مدفوعة بمخاوف من فوز المرشح دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية المقبلة في الولايات المتحدة، وذلك على حساب برامج التنمية المحلية مثل الخدمات الأساسية وبناء القدرة على مواجهة المخاطر البيئية، أو المساعدات الخارجية، ناهيك عن الحرب في أوكرانيا، وصولا إلى الاضطرابات التجارية في البحر الأحمر في الأسابيع الأخيرة التي أدت إلى تقييد الموارد المتاحة.
وألقت التصريحات الصادمة للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب والمرشح المحتمل لانتخابات الرئاسة 2024 في مطلع الأسبوع الجاري، بظلالها على مؤتمر ميونخ للأمن، وهو تجمع عالمي سنوي كبير للسياسيين والمسؤولين العسكريين والدبلوماسيين، إذ قال ترامب إنه في حال انتخابه رئيسا فإنه لن يوفر الحماية للدول التي لا تفي بالهدف الذي حدده حلف الناتو الخاص بالإنفاق الدفاعي، وإنه سيشجع روسيا على مهاجمة تلك الدول.
وفي السياق، نقلت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية عن مصادر، أن سلطات دول الاتحاد الأوروبي تبحث إنشاء هياكل يمكن أن تكمل بمثابة بديل لحلف شمال الأطلسي "الناتو"، من شأنها أن تعمل بالتنسيق مع الضمانات الأمنية الأمريكية، ولكن يمكن أن تكون أيضا بمثابة بديل موثوق به، مضيفة أن توقف المساعدات لأوكرانيا واقتراب الانتخابات الأمريكية، في نوفمبر المقبل، تدفع القادة الأوروبيين بشكل متزايد إلى الانخراط في مناقشة القضايا الأمنية مع فريق الرئيس السابق دونالد ترامب وحلفائه، رغم صعوبة القيام بذلك.
وأضافت الصحيفة أن أوروبا كانت تراقب السياسة الأمريكية منذ أشهر، وهي متخوفة من العودة إلى الأيام التي كان فيها ترامب يهدد العلاقة عبر الأطلسي والتي أبقت أوروبا مزدهرة وفي وضع مريح تحت مظلة الأمن الأمريكي.
ويقول قادة أوروبيون، إن ارتفاع معدل إنفاقهم على الدفاع يعكس وجهة نظر مفادها أن روسيا تشكل الآن تهديدا أمنيا أكبر بكثير، ويعكس أيضا وجهة نظر متنامية بين الحكومات الأوروبية مفادها أنها سوف تضطر إلى تحمل المزيد من المسؤولية عن أمنها في السنوات المقبلة بغض النظر عمن سيفوز في الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة، لكن أوروبا تنتابها حالة من القلق لا تتعلق فحسب بمستقبل حلف شمال الأطلسي في حال فوز ترامب، بل أيضا إزاء تأخر حزمة مساعدات لأوكرانيا بقيمة 60 مليار دولار في الكونجرس الأمريكي.
وأمام مؤتمر ميونخ، قال المستشار الألماني أولاف شولتس في لقاء مع العشرات من المشرعين الأمريكيين "نحن الأوروبيون علينا أن نولي اهتماما أكبر بأمننا الآن وفي المستقبل"، بينما قال رئيس الوزراء النرويجي يوناس جار ستوره في ميونيخ إن "من مصلحة الولايات المتحدة أن تكون عضوا بحلف شمال الأطلسي مع حلفاء أقوياء يستطيعون تعزيز النفوذ الأمريكي".
من جانبه، يقول حلف شمال الأطلسي، إنه يتوقع أن تحقق 18 من الدول الأعضاء وعددها 31 دولة الهدف المتمثل في إنفاق اثنين بالمئة من ناتجها المحلي الإجمالي هذا العام على الدفاع، ارتفاعا من 11 دولة في عام 2023. ومن بين الدول التي من المتوقع أن تحقق هذا الهدف ألمانيا وفرنسا، أكبر قوتين اقتصاديتين في الاتحاد الأوروبي، ووفقا لتقديرات الحلف، أنفقت الولايات المتحدة حوالي 3.5 بالمئة من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع في عام 2023.
على صعيد ذي صلة، نشر معهد ستوكهولم لأبحاث السلام sipri تقريرا حديثا له يقول "إن الحرب الروسية على أوكرانيا في عام 2022 تسببت بآثار واسعة على الأمن البشري وأطلقت تهديدات عسكرية تجاوزت أوكرانيا إلى المحيط الإقليمي ووصل للعديد من البلدان النامية، ما ساهم في ارتفاع معدلات التضخم وانعدام الأمن وأزمات الإمدادات الغذائية العالمية"، وهذا بطبيعة الحال شكل دافعا لتغيير طريقة التعاطي الأوروبية مع تداعيات الحرب المستمرة.
ويؤكد المعهد أن خلال عام 2022، زادت البلدان الأعضاء في لجنة المساعدة الإنمائية DAC (التي تشكل الدول الأوروبية النسبة الأكبر فيها) من تدفقات المساعدة الإنمائية الرسمية لدول العالم، بنسبة 14 في المائة والتي تعادل 24.4 مليار دولار، لتصل إلى مستوى قياسي بلغ 204 مليارات دولار، بينما ارتفع في الفترة نفسها، إجمالي إنفاقها العسكري بنسبة 1.4 في المائة وتعادل 19.4 مليار دولار، ليصل إلى 1.36 تريليون دولار، بالتزامن مع الحرب في أوكرانيا.
أكد التقرير على أن الحرب في أوكرانيا منذ فبراير 2022 رفعت مستويات التهديد الملحوظ إلى مستويات أعلى، وخاصة في الدول الأوروبية القريبة جغرافيا من روسيا وأوكرانيا ولا سيما فنلندا وألمانيا وليتوانيا وبولندا والسويد، واضطرتها لتسريع خطط الإنفاق العسكري وزيادة معدلاتها.
ويقدر معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، أن أوكرانيا تلقت ما لا يقل عن 30 مليار دولار من المساعدات العسكرية المالية في عام 2022 ، وهو أكبر مبلغ تتلقاه دولة واحدة في عام واحد حتى الآن، وجاء الجزء الأكبر من هذا المبلغ من أعضاء لجنة المساعدة الإنمائية، حيث قدمت الولايات المتحدة وحدها 19.9 مليار دولار، ويدل الحجم الهائل لهذه المساعدات العسكرية على الأولوية التي أعطاها أعضاء لجنة المساعدات الإنمائية لدفاع أوكرانيا عن نفسها.
إلا أن المساعدات الغربية الضخمة لأوكرانيا، لا تنعكس تماما على الأرض، فقوات كييف تواجه صعوبات جمة بعد نحو عامين من الغزو الروسي، في وقت أعلنت موسكو قبل أيام سيطرتها بالكامل على بلدة أفدييفكا التي لحق بها الدمار في شرق أوكرانيا، وهذا ما دفع قادة أوكرانيون وغربيون للتأكيد على أهمية مواصلة حزمة المساعدات الأمريكية والأوروبية.
ورغم أن الأولوية في أوروبا ما زالت تتركز على مواصلة دعم أوكرانيا، لكن حزم المساعدات المستمرة، تسببت بإرهاق تمويلي وإشكالية للمانحين الأوروبيين، وصعبت من اتخاذ قرارات توجيه الإنفاق والمساعدات على المدى القريب، فيما إذا كانت الأولوية للإنفاق العسكري على المستوى المحلي مثل برامج التسلح أم للمساعدات العسكرية الخارجية كأوكرانيا، أو لدعم التزامات أوروبا نحو التنمية وتمويل قضايا المناخ والإغاثة الإنسانية للبلدان المحتاجة، بما في ذلك البلدان الهشة مثل إثيوبيا وميانمار واليمن، بالإضافة إلى الأزمة الإنسانية الكارثية حاليا في قطاع غزة.
ومن المعلوم أن الحرب في أوكرانيا والتهديدات النووية التي تلتها منذ ذلك الحين، أطلقت موجة جديدة من العسكرة في أوروبا، واضطرت دول مثل فنلندا والسويد إلى السعي للحصول على العضوية في حلف شمال الأطلسي، لمواجهة المخاوف من تهديدات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين التي لا يمكن التنبؤ بها، وهذا ما دفع "حلف الناتو" على نحو متزايد إلى تعزيز قدرات الردع لديه، ومنها الردع النووي.
وتأتي أعلى الدعوات لتعزيز الردع النووي من بولندا، التي أشار قادتها إلى أن بلادهم ترغب في استضافة أسلحة نووية من الولايات المتحدة، والانضمام إلى دول ما يعرف بالتقاسم النووي مثل بلجيكا وألمانيا وإيطاليا وهولندا وتركيا التي تستضيف القنابل النووية الأمريكية غير الاستراتيجية من طراز B-61 وتشغلها طائرات مزدوجة القدرة.
لكن هذا الاهتمام يقابل من دول أخرى، بضرورة تجنب الإفراط في المجال النووي من أجل تجنب التصعيد نحو سباق تسلح جديد، واللجوء بدلا من ذلك إلى تعزيز الحلول طويلة المدى لمشكلة الأسلحة النووية والتحديات الأمنية التي تواجهها القارة، في ظل مخاوف من أن التأثيرات الإنسانية والبيئية للأسلحة النووية لا يمكن احتواؤها عبر الحدود الوطنية.
وفي السنوات الأخيرة، طالبت أصوات أوروبية عديدة بإعادة إدخال الصواريخ الأرضية متوسطة المدى إلى أوروبا التي يتراوح مداها بين 500 و5500 كيلومتر، رغم حظرها بموجب معاهدة القوى النووية متوسطة المدى لعام 1987، والتي انسحبت منها كل من روسيا والولايات المتحدة في عام 2019، بل إن تقريرا صادرا عن لجنة الكونجرس الأمريكي في أكتوبر 2023 حول الوضع الاستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية، يوصي بنشر قدرات نووية إضافية في أوروبا تكون "قابلة للبقاء، ومتغيرة في خيارات إنتاجها المتاحة".
ورغم أن هذه التوصيات تشكل تحديا لعلاقات الولايات المتحدة وتعاونها العسكري مع أعضاء في (حلف الناتو) مثل الدنمارك والنرويج، اللتان لا تسمحان بمرور الأسلحة النووية عبر أراضيها أو زيارة السفن المسلحة نوويا إلى موانئها، لكن دولا أخرى ستقبل المقترحات الرامية إلى زيادة الاعتماد على الأسلحة النووية والردع التقليدي بجانب اعتماد الاستراتيجية والتكتيكات والروح المعنوية.
وإذ تبدو الحرب في أوكرانيا صادمة للغاية بالنسبة للأوروبيين وخصوصا نحو التهديدات الروسية، لكنها لا تشير إلى فشل الردع الحالي المعمول به من جانب حلف شمال الأطلسي، إذ يبدو أن الحرب كانت مدفوعة بالدرجة الأولى من الخوف الروسي نحو احتمال توسع حلف شمال الأطلسي إلى مجال النفوذ الجيوسياسي الذي حددته روسيا ضمن عقيدتها العسكرية.
وثمة نظرة استراتيجية أخرى تقول إنه يتعين على الأوروبيين أن يدركوا أن قوة القوات التقليدية الموجودة لدى حلف شمال الأطلسي يمكنها أن تخفف من أسوأ الافتراضات بشأن العدوان الروسي ضد حلف شمال الأطلسي. وفي نهاية المطاف، لا بد من معالجة تصورات التهديد على كلا الجانبين من خلال إنشاء نظام أمني إقليمي أكثر استدامة لا يضمن سيادة أوكرانيا والدول الأخرى التي قد تقع ضحية فحسب، بل يقلل أيضا من تصورات روسيا المبالغ فيها للتهديد الذي يواجهه حلف شمال الأطلسي.
English
Français
Deutsch
Español