واشنطن تستبق التصويت بإشهار الفيتو.. هل يستجيب مجلس الأمن لطلب الجزائر بوقف إطلاق النار في غزة ؟
الدوحة في 18 فبراير /قنا/ يصوت مجلس الأمن الدولي، التابع للأمم المتحدة، بعد غد الثلاثاء، على مشروع قرار جزائري يحث المجلس المؤلف من 15 عضوا على المطالبة بوقف فوري لإطلاق النار لأسباب إنسانية في قطاع غزة، وهي خطوة لوحت الولايات المتحدة بأنها ستستخدم ضدها حق النقض الفيتو.
وقد دعت الجزائر، العضو العربي في مجلس الأمن، الدول الأعضاء بالمجلس إلى التصويت على مشروع القرار نهاية الشهر الماضي، إلا أن المماطلة المستمرة من قبل بعض الأعضاء الدائمين بحجة لغة القرار والتفاوض عليها أجله كثيرا. وعادة ما ترفض بعض الدول الدائمة استخدام مصطلح "يطالب المجلس" في القرارات الصادرة ضد إسرائيل حتى يتم تحويلها إلى "يدعو المجلس" تفاديا لـ"الفيتو".
ويؤكد مشروع القرار المقترح، على أطراف النزاع بالامتثال لالتزاماتها بموجب القانون الدولي وحماية المدنيين والأعيان المدنية، كما يرفض التهجير القسري للسكان المدنيين الفلسطينيين، بمن فيهم الأطفال في انتهاك للقانون الدولي، بما في ذلك القانون الإنساني الدولي وقانون حقوق الإنسان ويطالب بوضع حد لهذه الانتهاكات فورا.
ويجدد مشروع القرار الدعوة لوصول المساعدات الإنسانية بشكل كامل وسريع ودون عوائق إلى قطاع غزة ، كما يدعو المشروع إلى تنفيذ قراري المجلس رقم 2712 و2720 بالكامل.
ويطالب المشروع أيضا بإطلاق سراح المحتجزين الأسرى حسب نص المشروع دون شرط أو قيد في أسرع وقت ممكن، والوصول الإنساني إليهم لتوفير احتياجاتهم الطبية.. ويعيد المجلس، حسب المشروع، دعمه المطلق لرؤية حل الدولتين "إسرائيل وفلسطين تعيشان بسلام وبحدود آمنة بما يتماشى مع القانون الدولي والقرارات الدولية"، مؤكدا في هذا الصدد، أهمية توحيد قطاع غزة والضفة الغربية تحت السلطة الفلسطينية. ولا يشير المشروع إلى القدس، كون القرارات الدولية المعنية تنص على أن القدس أرض محتلة.
ويحتاج مشروع القرار لإقراره في مجلس الأمن الدولي إلى موافقة تسعة أعضاء على الأقل وعدم استخدام أي من الدول الدائمة العضوية (الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والصين وروسيا) حق النقض الفيتو ضده.
وكما هو معتاد في التصويت على مثل هذه القرارات، سارعت ليندا توماس جرينفيلد سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة إلى القول إن النص قد يعرض للخطر المفاوضات الحساسة التي تهدف إلى التوصل إلى وقف مؤقت للحرب.
وقالت في بيان: "الولايات المتحدة لا تؤيد اتخاذ إجراء بشأن مشروع القرار هذا.. وإذا طرح للتصويت بصيغته الحالية فلن يتم تبنيه".
وتحمي واشنطن إسرائيل من أي تحرك في الأمم المتحدة، واستخدمت حق النقض مرتين بالفعل ضد قرار المجلس منذ السابع من أكتوبر الماضي، لكنها امتنعت أيضا عن التصويت مرتين، ما سمح للمجلس بتبني قرارات تهدف إلى تعزيز المساعدات الإنسانية لقطاع غزة ودعت إلى فترات هدنة إنسانية عاجلة وممتدة في القتال.
وغالبا ما تصطدم قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة، مع قرارات مجلس الأمن، فالأولى غالبا ما تتبنى قرارات ذات فاعلية من شأنها إصلاح الخلل في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، فيما تعارض الثانية دائما أي قرارات ترى أنها لا تصب في الصالح الإسرائيلي بشكل كامل.
وعلى سبيل المثال اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة، نهاية ديسمبر الماضي بأغلبية ساحقة مشروع القرار المعنون بـ"السيادة الدائمة للشعب الفلسطيني في الأرض الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس الشرقية، وللسكان العرب في الجولان السوري المحتل على مواردهم الطبيعية".
وهو القرار الذي يؤكد على مجموعة من المبادئ والأسس المتعلقة بالموارد الطبيعية الفلسطينية واتفاقية جنيف المتعلقة بحماية المدنيين وقت الحرب على الأرض الفلسطينية المحتلة، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. كما يستذكر فتوى محكمة العدل الدولية بشأن جدار الفصل والتوسع العنصري.
كما صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة، ممثلة بلجنة المسائل السياسية الخاصة وإنهاء الاستعمار "اللجنة الرابعة"، منتصف نوفمبر الماضي على أربعة قرارات لصالح فلسطين، من بينها تمديد ولاية وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى "الأونروا" لثلاث سنوات، وعدم قانونية المستوطنات.
وصوتت 164 دولة لصالح قرار يتعلق بعمليات الأونروا، و165 دولة لصالح قرار "تقديم المساعدة إلى اللاجئين الفلسطينيين"، و160 دولة لصالح قرار "ممتلكات اللاجئين الفلسطينيين وإيراداتها".
وبشأن ملف المستوطنات، صوتت 150 دولة لصالح قرار حول "المستوطنات والممارسات الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية والجولان السوري المحتل"، في حين امتنعت 14 دولة أخرى عن التصويت.
أضف إلى ذلك جهود الأمم المتحدة فيما يتعلق بمحكمة العدل الدولية، التي تبدأ اعتبارا من غد الإثنين عقد جلسات علنية بشأن التبعات القانونية الناشئة عن سياسات وممارسات الكيان الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وعلى مدار ستة أيام.
وهي الجلسات التي تأتي في سياق طلب الجمعية العامة الحصول على رأي استشاري قانوني من المحكمة حول آثار الاحتلال الإسرائيلي المتواصل منذ أكثر من 57 عاما، حيث من المقرر أن تستمع المحكمة خلال الجلسات إلى إحاطات من 52 دولة، وهو رقم غير مسبوق في تاريخها، بالإضافة إلى الاتحاد الإفريقي، ومنظمة التعاون الإسلامي، وجامعة الدول العربية، بخصوص التداعيات القانونية المترتبة على الاحتلال للأراضي الفلسطينية.
وتواصل دولة قطر مطالبها بالوقف الفوري للحرب في قطاع غزة دون شروط مسبقة، وكانت آخر دعوة لها ما صرح به معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن جاسم آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية في كلمته خلال جلسة نقاشية بمؤتمر ميونخ للأمن أمس، محذرا من أن الوضع الإنساني في غزة صعب للغاية، خاصة التهديد الذي تلوح به إسرائيل باجتياح مدينة رفح.
وألمح معاليه إلى أن الأسابيع الثلاثة الماضية شهدت تقدما في المفاوضات (بين إسرائيل وحماس)، إلا أن الأيام الأخيرة لم تشهد تقدما بسبب الخلافات بين الطرفين، مشيرا إلى أن هناك خلافات مازالت قائمة بين الطرفين، وجار العمل على حلها، كما فعلت قطر من قبل ونجحت في اتفاق نوفمبر وتم إطلاق سراح 109 من الرهائن مع وقف إطلاق نار إنساني لمدة أسبوع.
كما دعت قطر منتصف الأسبوع الماضي، إلى وقف فوري لإطلاق النار في قطاع غزة، ورفع كافة القيود التي تعرقل وصول المساعدات الإنسانية، ووقف التهجير القسري، وضرورة حماية المدنيين وفقا للقانون الدولي الإنساني.
وحذرت قطر في بيان لها خلال جلسة النقاش المفتوح رفيع المستوى في مجلس الأمن ألقته سعادة الشيخة علياء أحمد بن سيف آل ثاني المندوبة الدائمة لدولة قطر لدى الأمم المتحدة، من استمرار استخدام الكيان الإسرائيلي لسياسة التجويع والحصار كعقاب جماعي، بالإضافة إلى التشريد القسري للسكان من مدنهم، وحرمان المدنيين المحاصرين بشكل مستمر من المساعدات الإنسانية والغذاء والدواء.
ويأتي تصويت المجلس المحتمل في الوقت الذي تخطط فيه إسرائيل أيضا لاقتحام رفح في جنوب غزة، حيث لجأ أكثر من مليون فلسطيني، ما أثار قلقا دوليا من أن مثل هذه الخطوة ستؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية في غزة بشكل حاد.
وفي تحد سافر لكافة الأصوات المطالبة بوقف فوري للحرب في قطاع غزة، أكد بنيامين نتنياهو رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي أن إسرائيل ستشن هجوما عسكريا في رفح بجنوب قطاع غزة، وذلك رغم التحذيرات الدولية، وأنه لن يذعن للضغوط الدولية في هذا الشأن.. إذ قال "كل من يريد أن يمنعنا من تنفيذ عمليات في رفح يقول لنا في النهاية اخسروا الحرب.. لن نسمح بحدوث هذا الأمر.. الأطراف الدولية لن تملي شروط أي تسوية سلمية مستقبلية مع الفلسطينيين.. ولا يمكن التوصل إلى تسوية إلا من خلال المفاوضات المباشرة بين الجانبين دون شروط مسبقة".
ويعد الوضع الحالي في قطاع غزة، إدانة مروعة للجمود الذي وصلت إليه العلاقات العالمية، خاصة في علاقات الدول الأعضاء في مجلس الأمن، حيث بات واضحا افتقار مجلس الأمن إلى الوحدة في القرار، وهو ما أعاق قدرة المجلس على اتخاذا القرارات المناسبة لتحسين الأوضاع في جميع أنحاء العالم.. والدليل على ذلك ليس ببعيد، ففي منتصف أكتوبر، ثم في بداية ديسمبر، ضربت واشنطن عرض الحائط كل الضغوط التي مارسها المجتمع الدولي واستخدمت حق النقض لإحباط مشاريع قرارات تدعو لوقف إطلاق النار في قطاع غزة.
كما طالبت قطر من قبل والعديد من دول العالم، المجتمع الدولي بضرورة اتخاذ كافة التدابير اللازمة لضمان تنفيذ قرارات الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية، والعمل بشكل جدي لإنهاء الحرب على قطاع غزة وتحقيق وقف فوري وكامل لإطلاق النار وضمان حماية المدنيين وفقا للقانون الإنساني الدولي، ورفع كافة القيود التي تعوق دخول المساعدات الإنسانية إلى القطاع، ودعم وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين الأونروا لتمكينها من القيام بواجباتها الإنسانية تجاه اللاجئين الفلسطينيين.
ولا يزال سكان قطاع غزة يعانون من استمرار الاعتداءات والقصف الإسرائيلي، والأوضاع الإنسانية الصعبة الناجمة عن تدمير وانقطاع الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه والصرف الصحي والغذاء واستنفاد الوقود والأدوية.. لذا يجب الضغط على إسرائيل أولا والمجتمع الدولي ثانيا ليدركا بعد أكثر من سبعة عقود من الاحتلال والجرائم والانتهاكات الجسيمة المرتكبة ضد الشعب الفلسطيني، أن الحل الوحيد لهذه الأزمة هو اتخاذ خطوات لا رجعة فيها لتنفيذ حل الدولتين، والاعتراف بدولة فلسطين على خط الرابع من يونيو عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وفقا للقرارات الدولية ذات الصلة.
English
Français
Deutsch
Español