ملف الهجرة .. محطة مهمة في انتخابات الرئاسة الأمريكية
الدوحة في 14 فبراير /قنا/ ظلت قضايا الهجرة والتجارة والعنف المسلح والتعليم والرعاية الصحية والإصلاح الجنائي تهيمن على التنافس السياسي القوي ومحل شد وجذب وبشكل دائم بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الولايات المتحدة الأمريكية، فإن الهجرة تعد واحدة من أكثر القضايا إثارة للانقسام مع قرب موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقررة نوفمبر المقبل، مثلما أنها تشكل مادة دسمة للتناول من خلال المناظرات الانتخابية التلفزيونية وإطلاق التصريحات وإعلان المواقف السياسية والتسابق بغية كسب ود الناخبين على مستوياتهم المختلفة.
وفي أحدث الخلافات حول ملف الهجرة بين المرشحين، وجه الجمهوريون في مجلس النواب الأمريكي اتهاما لوزير الأمن الداخلي المسؤول عن ملف الهجرة أليخاندرو مايوركاس وأحالوه على مجلس الشيوخ لمحاكمته بهدف عزله، معتبرين أنه تسبب بأزمة عند الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك، وهي المرة الأولى منذ حوالي 150 عاما يتخذ البرلمان قرارا كهذا في حق وزير.
إلا أن عزله يبقى غير مرجح نظرا إلى الغالبية التي يتمتع بها الديمقراطيون في مجلس الشيوخ، وسبق للجمهوريين أن حاولوا قبل أسبوع توجيه الاتهام إلى الوزير إلا أنهم فشلوا في جمع الأصوات اللازمة.
لكن رئيس مجلس النواب مايك جونسون لم يستسلم لهذه الهزيمة المهينة، بل واصل التصويب على الوزير البالغ من العمر 64 عاما والذي اتهمه بأنه مهندس كارثة الهجرة. وسارع الرئيس جو بايدن إلى التنديد بما حصل معتبرا أنه عمل حزبي استهدف خادما أمينا للدولة.
ويتهم الجمهوريون وغالبيتهم مقربون من الرئيس السابق دونالد ترامب الرئيس الديمقراطي بالسماح بحصول اجتياح للبلاد مع توقيف عدد قياسي من المهاجرين عند الحدود وقد بلغ 302 ألف في ديسمبر.
وفرضت الهجرة نفسها موضوعا رئيسيا في حملة الانتخابات الرئاسية المقررة في نوفمبر والتي يرجح أن يتواجه فيها بايدن وخصمه الجمهوري دونالد ترامب. ورفض مايوركاس مرات عدة الاتهامات الجمهورية، معتبرا أن مسعى إقالته يشكل مضيعة للوقت ولأموال المكلفين. وتعود آخر إدانة لوزير من جانب الكونغرس إلى العام 1876. وقد استقال يومها وزير الحرب وليام بلكناب المتهم بالفساد من منصبه قبل انتهاء عملية العزل.
وينص الدستور على أن الكونغرس يمكنه عزل وزير أو قضاة فدراليين بتهمة الخيانة والفساد وجرائم أخرى رئيسية.
وقد تعرض الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب والذي ينظر إليه على أنه المرشح الأوفر حظا في الانتخابات التمهيدية لنيل ترشيح الحزب الجمهوري للرئاسة في 2024، لانتقادات حادة بسبب هجماته اللفظية على المهاجرين، حيث قال في تجمع انتخابي بولاية آيوا "صحيح أنهم يفسدون دماء بلادنا هذا ما يفعلونه، إنهم يدمرون بلدنا".
ولاقت تصريحات الرئيس الأمريكي السابق "القاسية" بشأن دخول المهاجرين إلى البلاد بشكل غير قانوني، رد فعل عنيف من قبل الديمقراطيين، في الوقت الذي تصاعدت فيه التساؤلات بشأن مدى تأثير ذلك على الانتخابات الرئاسية المرتقبة أو لترجمة ذلك لـ"أصوات انتخابية".
وتوقع ترامب في كلمة ألقاها أمام تجمع حاشد لأنصاره في مدينة درهام بولاية هامبشاير، أن بعض الأمريكيين غير النظاميين سيختارون الانتقال إلى خارج البلاد في حال توليه الرئاسة مرة أخرى.
وأدان البيت الأبيض، ترامب، لاستخدامه ما وصفه بأنه خطاب أشبه بالفاشي بعد أن قال: إن المهاجرين "يسممون دماء بلادنا".
ورحب دونالد ترامب يوم السبت برفض مشروع قانون الهجرة أمام الكونغرس، قائلا إنه إذا أعيد انتخابه رئيسا، سيقود "عملية ترحيل" ضخمة منذ اليوم الأول له في منصبه.
ويشير مراقبون إلى أن ترامب استخدم كل نفوذه لدى أعضاء الكونغرس الجمهوريين لعرقلة النص، حارما بذلك الرئيس جو بايدن الذي يحتمل أن يواجهه في انتخابات نوفمبر المقبل، من فرصة تحقيق انتصار في قضية الهجرة الحساسة.
وتحت ضغط من ترامب، يبدو أن المشرعين الجمهوريين قرروا منع أي إصلاح لسياسة الهجرة قبل الانتخابات الرئاسية.
وبنى الرئيس السابق شعبيته، خلال أول حملة ناجحة له، من خلال إطلاقه وعودا ببناء جدار بين الولايات المتحدة والمكسيك، وقال إن ترحيل المهاجرين سيكون أحد أولوياته.
وأضاف "منذ اليوم الأول، سأنهي كل سياسات الحدود المفتوحة لإدارة بايدن وسنطلق أكبر عملية ترحيل وطنية في تاريخ الولايات المتحدة ليس لدينا خيار آخر".
وبحسب آخر استطلاعين للرأي لـ"سي ان ان" وشركة "إس اس أر إس"، عن عينة من الناخبين ولدوا في بلد آخر غير الولايات المتحدة، حصل بايدن وترامب على النسبة ذاتها في هذا الاستطلاع بنحو 48 بالمئة، للتصويت في الانتخابات المقبلة، ويري محللون أن قراءة هذه النتائج لاستطلاعات الرأي تعني إذا استمر الأمر علي هذا المنوال، فسيكون ذلك تحولا كبيرا عن انتخابات 2020، عندما فاز بايدن بأصوات الناخبين المهاجرين بحوالي 20 نقطة، وفقا للدراسة الانتخابية التعاونية بالولايات المتحدة، قد تكون هذه النتيجة مفاجئة للبعض، بيد أن استطلاعات الرأي الأخيرة أظهرت أن ترامب يتفوق على أرقامه لعام 2020 بين الناخبين الملونين (بمن فيهم الناخبون السود واللاتينيون).. علاوة على ذلك، فإن استطلاعا للرأي قد يفسر عدم انزعاج المهاجرين بكلمات ترامب، لسبب واحد، هو أن الهجرة وأمن الحدود ليست القضية الرئيسية في السباق، بالنظر لإشارة 40 بالمئة من الناخبين إلى المخاوف الاقتصادية (بما في ذلك التضخم) الذي يعتبر القضية الرئيسية التي تواجه البلاد، بينها تحظى الهجرة وأمن الحدود بنحو 10 بالمئة من الاهتمام.
وتقول دراسة استقصائية أجرتها كلية الحقوق بجامعة ماركيت إن 50 بالمئة من الناخبين المسجلين، إن ترامب سيكون أفضل في مجال أمن الحدود والهجرة، بينما حظي بايدن بـ 27 بالمئة فقط في هذه الدراسة.
وترى شبكة "سي ان ان" الأمريكية، أنه بالنظر للخطاب السلبي من ترامب تجاه المهاجرين، يعتقد أن كلماته ستكلفه أصواتا انتخابية، لكن ما تظهره استطلاعات الرأي هو أنه من بين الناخبين بشكل عام، يتمتع ترامب بثقة أكبر بكثير من الرئيس الحالي بايدن بخصوص قضايا الهجرة وأمن الحدود، كما أنه يبلي بلاء حسنا بين الناخبين المهاجرين.
وتظهر استطلاعات الرأي أن الهجرة هي القضية الأهم بالنسبة لكثير من قاعدة ناخبي ترامب إذا ما استطاع نيل ثقة حزبه الجمهوري في الانتخابات التمهيدية، وأن الأمر يعد مصدر ضعف وانقسام بين الديمقراطيين.
وقد أثبتت الجهود المبذولة لمعالجة المشكلة في الكونغرس عدم نجاحها، ويرجع ذلك إلى حد كبير، إلى أن ترامب كان يضغط على الجمهوريين لمنع التشريعات التوفيقية إلى ما بعد الانتخابات.
ويحد قانون اللاجئين الأمريكي لعام 1980 من حق اللجوء إذا كان من الممكن إرسال مقدم الطلب إلى "دولة ثالثة آمنة "، لكن المدافعين عن حقوق الإنسان أشاروا إلى أنه لا المكسيك ولا أي دولة أخرى في أمريكا الوسطى تقترب من تلبية معايير ومواصفات الدولة الثالثة الآمنة، إذ يشترط القانون ألا تتعرض فيها حياة الأجنبي أو حريته للخطر، وأن يتمكن من الوصول إلى إجراءات عادلة فيما يخص تقديمه طلب اللجوء.
يذكر أن إدارات أمريكية سابقة انتهجت سياسات متشددة تجاه الهجرة والمهاجرين، ونشرت آلاف الجنود على الحدود مع الأمريكية الجنوبية مع المكسيك لوقف قوافل المهاجرين الذين يقولون إنهم يسعون للحصول على اللجوء في الولايات المتحدة، بينما انتهجت إدارات أخرى سياسات مرنة تجاه القضية، وبصورة عامة، فإن قضية المهاجرين تمثل في الولايات المتحدة ورقة عمل واضحة بالنسبة للجمهوريين، وتعد قضية مهمة لدى القاعدة الانتخابية لهم، وهي قاعدة تتصف من قبل المراقبين بمعاداتها للتنوع، وتقبلها بسهولة لما يتردد عن "خطر المهاجرين" على الأمن والاستقرار والهوية الأمريكية.
وعلى الجانب الآخر، وعلى الرغم من أن أنصار الحزب الديمقراطي وهم في أغلبهم من الأمريكيين الأوفر حظا في التعليم، ومن ثم في ثقافة قبول الآخر، فإن المهاجرين ملف لا يمثل أولوية لدى الناخب الديمقراطي، بمعنى أنه لا يمثل ورقة رابحة قوية لدى المرشح الديمقراطي، لأن ناخبه لا يرفض الهجرة ولا المهاجرين، لكنه يرفض الفوضى في هذا الملف.
ودائما ما يسارع المدافعون عن حقوق المهاجرين عبر منظمات حقوقية للعمل لوقف سياسات الإدارات الأمريكية المتعاقبة ضد الهجرة ورفع دعاوي قضائية أمام المحاكم الفيدرالية الأمريكية، للحصول على نقض قضائي للعديد من الإجراءات التي تتخذ ضد المهاجرين، وتظل قضية الهجرة ملفا انتخابيا أمريكيا بامتياز يثير حمى التنافس قبيل وأثناء الانتخابات الأمريكية الرئاسية أو التشريعية، ثم ما يلبس أن يصبح الأمر قضائيا تبت في تفاصيله وإجراءاته سوح المحاكم الأمريكية.
English
Français
Deutsch
Español