الأزمة السودانية.. أكبر حالة لجوء ونزوح تؤرق القرن الإفريقي وشمال إفريقيا والعالم
الدوحة في 01 فبراير /قنا/ باتت قضية النزوح واللجوء تشكل هاجسا كبيرا للسودانيين جراء النزاع المسلح المستمر في بلادهم منذ منتصف إبريل الماضي بين الجيش وقوات الدعم السريع، مثلما أرقت مضجع المنظمات الإقليمية والدولية، ودول الجوار على حد سواء.
وتتصاعد المخاوف من مزيد توسع حركة النزوح والهجرة في السودان بعد إعلان المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة أن نصف سكان البلاد، البالغ عددهم 48 مليون نسمة، يحتاج إلى مساعدات إنسانية عاجلة في مجالات الإيواء والغذاء والدواء، بينهم ستة ملايين على شفير المجاعة.
وكشفت المنظمة الدولية للهجرة أن عدد النازحين بسبب النزاع المسلح في السودان بلغ رقما وصفته بـ"الصاعق" حيث قدرته بـ 10.7 مليون شخص، منهم تسعة ملايين داخل البلاد، وأن أكثر من نصفهم نزحوا حديثاً نتيجة الصراع الذي دخل شهره العاشر، بينما يناهز عدد اللاجئين بدول الجوار نحو 1.7 مليون شخص، منوهة إلى أن الاشتباكات المسلحة أدت، خلال الأشهر التسعة الماضية، إلى نزوح أكثر من ستة ملايين شخص داخليا، إضافة إلى ثلاثة ملايين شخص كانوا قد نزحوا بالفعل داخل السودان قبل ذلك، ما يستدعي حاجة ملحة لتكثيف الجهود الإنسانية، والاهتمام العالمي لمعالجة ما أصبح الآن يشكل أكبر أزمة نزوح في العالم.
كما دعت المنظمة إلى بذل جهود دولية متضافرة لتوسيع نطاق الاستجابة الإنسانية بشكل عاجل، خاصة أن أعداد النازحين هي الأكبر على الإطلاق عالميا في الوقت الراهن.
وقالت إيمي بوب المديرة العامة للمنظمة الدولية للهجرة، في تصريحات حديثة، إنه يوجد سوداني واحد ضمن كل 8 نازحين داخليين في العالم، وإن النازحين هناك يعانون من نقص حاد في الغذاء والمأوى والرعاية الصحية والصرف الصحي، كما أن أوضاعهم المتردية تزيد من خطر الإصابة بالأمراض وسوء التغذية، منتقدة ضعف الاستجابة للمطالب الإنسانية في السودان، واعتبرت أنها غير كافية حتى الآن لتلبية الاحتياجات الماسة.
وشددت المسؤولة الأممية على أنه "لا يمكننا أن ندير ظهورنا لملايين الأشخاص الذين يحتاجون إلى الدعم العاجل"، داعية إلى مزيد تضافر الجهود الدولية لمساعدة النازحين السودانيين، سواء في وطنهم أو خارجه.
ومنذ 15 إبريل 2023، يتواصل القتال في مناطق متفرقة من السودان بين قوات الجيش بقيادة رئيس مجلس السيادة عبدالفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو الذي كان نائبا لرئيس مجلس السيادة قبل أن يندلع الصراع بين الجانبين، والذي خلّف آلاف القتلى، فضلا عن ملايين النازحين والمتضررين.
ووفقا لآخر إحصاءات المنظمة الدولية للهجرة بشأن الوضع الإنساني في السودان، فقد أُجبر الأفراد على مغادرة معظم ولايات البلاد البالغ عددها 18، بينما تتركز النسبة الأعلى من النازحين في ولايات الجزيرة وسنار والقضارف وكسلا والبحر الأحمر، بنسبة 56 بالمئة، ونهر النيل بـ 15 بالمئة، والشمالية بـ 11 بالمئة، وشمال دارفور والنيل الأبيض بنسبة 9 بالمئة، في وقت ذكرت الفرق الميدانية التابعة للمنظمة الدولية للهجرة أن 71 بالمئة من إجمالي النازحين فروا من مناطق ولاية الخرطوم.
ونوهت المنظمة الأممية إلى أنها كانت تستجيب للاحتياجات الإنسانية المتزايدة منذ بداية الأزمة داخل وخارج السودان على الرغم من أن العديد من موظفيها تأثروا بشكل مباشر ونزحوا هم أنفسهم، مؤكدة التزامها بتلبية هذه الاحتياجات الأكثر إلحاحًا المتمثلة في المجالات الغذائية والصحية، وبقيامها بتوسيع عملها من خلال خطة الاستجابة للأزمات التي تم إطلاقها حديثًا في السودان والتي تدعو إلى توفير تمويل بقيمة 320 مليون دولار أمريكي لمساعدة 1.2 مليون شخص بشكل عاجل، لا سيما أن النزاع لا يزال يؤثر تأثيرًا قويا على الناس العاديين الذين يعانون من تدمير البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك مرافق الرعاية الصحية والمدارس والطرق والمرافق العامة مثل مصادر الطاقة والمياه، إلى جانب البنية التحتية للاتصالات.
وأكدت أن حجم الدمار حد بشكل كبير من إمكانية الوصول إلى الأساسيات والخدمات المنقذة للحياة، كما شكل تفشي الأمراض والجوع وسوء التغذية تهديدا دائما، غير أن هذه الأوضاع لم تمنع المنظمة الدولية للهجرة من الوصول إلى ما يقرب من 1.2 مليون شخص في السودان والدول المجاورة ومدهم بالمساعدات المنقذة للحياة، وتقدم الخدمات لأكثر من 650 ألف شخص في السودان فقط، وشملت المساعدات خدمات الحماية والرعاية الصحية الأساسية، والمأوى في حالات الطوارئ ومواد الإغاثة، والدعم النقدي، وتوفير المياه النظيفة ومستلزمات النظافة، ووسائل النقل في الحالات الحرجة.
وتشير المعلومات إلى أنه إضافة إلى إفرازات الحرب الأمنية، فإن أكثر ما يشغل الأسر السودانية هو كيفية تأمين التعليم لأبنائهم بسبب تعطل الدراسة بالجامعات والمدارس في المراحل التعليمية المختلفة وخاصة للصغار، بالتزامن مع تنويه منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) إلى أن نحو 19 مليوناً من أطفال السودان في مختلف المراحل الدراسية، أصبحوا خارج أسوار المدارس، ما يعني كارثة لجيل بأكمله ستكون لها تداعياتها الخطيرة ما لم ينته النزاع سريعاً، أو على الأقل تجد السلطات طريقة لاستئناف التعليم، ومحذرة من اقتراب أن يصبح السودان موطناً لأسوأ أزمة تعليمية في العالم.
وبعد معاناة النازحين في فصل الخريف الماضي، تزداد مخاوفهم في فصل الشتاء الحالي، فقد أصبح خطر الجوع يتفاقم مع شدة البرد فضلا عن أمراض الشتاء، خاصة لدى الأطفال وكبار السن مع عدم وجود أغطية تقيهم البرد في دور الإيواء الممثلة في بعض المدارس التي تفتقر للنوافذ والأبواب.
ومنذ اندلاع النزاع في منتصف إبريل الماضي، فر أكثر من سبعة ملايين شخص من منازلهم في السودان، واضطر الكثير منهم للمغادرة مرارا وتكرارا بحثا عن مكان آمن بشكل مؤقت، ويظهر هذا النزوح المتكرر مدى الدمار الذي خلفه هذا الصراع على السكان المدنيين.
وقد عبرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة عن قلقها من تفاقم أزمة النزوح واللجوء القسري في السودان والدول المجاورة، وذلك مع فرار مئات الآلاف من الأشخاص من القتال الذي يجري في ولايتي الخرطوم والجزيرة وسط السودان، جنوب شرقي العاصمة الخرطوم، قائلة إنها تعمل على إيصال وتوزيع مواد الإغاثة الأساسية المطلوبة بشكل عاجل على الأعداد الكبيرة للنازحين من ولاية الجزيرة إلى ولايات سنار والقضارف وكسلا.
ولفتت إلى أنه على الرغم من الجهود التي تبذلها المنظمات الإنسانية الوطنية والدولية والجهات الفاعلة المحلية لتقديم المساعدة، فإن الوضع الإنساني العام لا يزال سيئاً.
وفي إطار المساعدات الإنسانية لتخفيف آثار الأزمة السودانية، أعلنت قطر الخيرية عن تقديمها شحنات جديدة من المساعدات الغذائية لولايات كسلا، والشمالية، والبحر الأحمر في السودان، ضمن مشروع يستهدف توفير 50 ألف سلة غذائية للنازحين والأسر المتضررة من النزاع الراهن في السودان، وذلك بتمويل من صندوق قطر للتنمية، وهذا ما أكده سعادة السيد محمد بن إبراهيم السادة سفير دولة قطر لدى جمهورية السودان، مشيرا إلى حزمة المساعدات القطرية للأسر المتضررة على أكثر من صعيد، حيث قال في هذا السياق إن "دعم دولة قطر للأشقاء في السودان سيتواصل خلال المرحلة المقبلة؛ لأن هذا من صميم واجبنا الإنساني".
من جهته، أعرب الدكتور صلاح المبارك مفوض العون الإنساني الاتحادي في السودان، عن تقدير بلاده للاستجابة المستمرة من دولة قطر، ومن صندوق قطر للتنمية وقطر الخيرية في ولايات السودان المختلفة، مشددا على أن التدخل القطري الأخير بتقديم 8 آلاف سلة غذائية للنازحين والمتضررين يكتسب أهمية كبيرة، خاصة بعد النزوح بسبب التطورات الأخيرة بمدينة ود مدني، وتزايد الاحتياج للمساعدات الغذائية للأسر المتأثرة.
وأوضح الدكتور المبارك أن المساعدات القطرية المتتالية كان لها دور كبير في التخفيف من معاناة المتضررين، منوها إلى الجسر الجوي الذي سيرته دولة قطر لتقديم المساعدات الغذائية والدوائية العاجلة، الأمر الذي قوبل بتقدير كبير من حكومة وشعب السودان، ويصل إجمالي المستفيدين من شحنات المساعدات الغذائية التي توجهت للأسر المتضررة بولايات كسلا والشمالية والبحر الأحمر لـ48 ألف مستفيد، بينما يبلغ إجمالي عدد المستفيدين من مشروع توفير (50) ألف سلة، الذي موله صندوق قطر للتنمية وتنفذه /قطر الخيرية/ لصالح الأسر المتضررة في السودان 300 ألف مستفيد.
يذكر أنه لم يتم تمويل خطة الاستجابة الإقليمية للاجئين في السودان لعام 2023 والتي قدمت من قبل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، والتي دعت إلى توفير مليار دولار لتلبية احتياجات 1.8 مليون شخص في تشاد وجمهورية إفريقيا الوسطى ومصر وإثيوبيا وجنوب السودان سوى بنسبة 38 بالمئة فقط.
ويرى مراقبون أن المؤشرات المخيفة التي تتحدث عنها منظمة الهجرة الدولية والمنظمات الإقليمية المتعاملة مع الأزمة عن أوضاع النازحين واللاجئين السودانيين تعكس مدى تفاقم الوضع في أكبر مأساة تعرض لها السودان في تاريخه الحديث، مما يتطلب سرعة التحرك والاستجابة الإنسانية الضرورية، فضلا عن بذل المزيد من الجهد بغية إيجاد تسوية سياسية لوقف النزاع وقطع الطريق أمام الأسباب التي تغذيه.
ومع تزايد حجم الأزمة واحتمال زعزعة استقرار المنطقة بأكملها، ترتفع الأصوات من قبل المنظمات الإنسانية ألا ينسى العالم الوضع القائم في السودان.
English
Français
Deutsch
Español