كوريا الجنوبية في مواجهة خيارات صعبة بعد فرض وإلغاء الأحكام العرفية
الدوحة في 04 ديسمبر /قنا/ دخلت كوريا الجنوبية في أزمة عاصفة وتداعيات متسارعة إثر قيام رئيسها يون سوك يول، أمس، بإعلان الأحكام العرفية في بلاده، وتراجعه عن القرار بعد ساعات معدودة، إثر رفض البرلمان بالإجماع لهذا الإجراء.
ويبدو أن تلك الدولة الآسيوية تقف حاليا أمام أيام وربما ساعات حاسمة ستحدد نهاية ومصير أكبر أزمة سياسية منذ عقود، في رابع أكبر اقتصاد في آسيا، كما بات الرئيس الكوري الجنوبي نفسه أمام خيارات صعبة قد تكلفه منصبه ومستقبله السياسي، حيث جاء تراجعه عن فرض الأحكام العرفية بعد فوات الأوان على ما يبدو.
فقد أعلنت أحزاب المعارضة هناك أنها تقدمت بطلب للبرلمان لعزل الرئيس يون سوك يول، وقال ممثلون لستة أحزاب يتقدمها الحزب الديمقراطي، وهو أبرز أحزاب المعارضة، إنهم تقدموا بطلب عزل تم تحضيره على عجل، مشيرين إلى أنهم سيدرسون موعد طرحه للتصويت، إلا أن ذلك قد يحصل بعد غد الجمعة.
كما أعلن الحزب الرئيسي المعارض في كوريا الجنوبية الذي يتمتع بأغلبية برلمانية أنه سيرفع دعوى قضائية ضد الرئيس وعدد من كبار معاونيه الأمنيين بتهمة "التمرد"، مشيرا إلى أن الدعوى تشمل كلا من رئيس الجمهورية ووزيري الدفاع والداخلية وشخصيات رئيسية في الجيش والشرطة قال إنها مشاركة في إعلان الأحكام العرفية.
وأعلن أحد نواب الائتلاف المعارض أنه يجب على البرلمان أن يركز على تعليق أعمال الرئيس على الفور لإقرار مشروع قانون العزل في أقرب وقت ممكن، وقال مسؤول رئاسي إن كبير موظفي الرئاسة وكبار معاوني الرئيس عرضوا الاستقالة بشكل جماعي.
وكان إعلان الرئيس للأحكام العرفية المفاجئ أمس الثلاثاء قد أشعل مواجهة مع البرلمان الذي رفض محاولته حظر النشاط السياسي وفرض رقابة على وسائل الإعلام، فيما اقتحمت قوات مسلحة مبنى الجمعية الوطنية في سول.
وفي خطاب تلفزيوني للشعب قال الرئيس يون أمس إن الأحكام العرفية ضرورية للدفاع عن كوريا الجنوبية في مواجهة كوريا الشمالية المسلحة نوويا والقوات المناهضة للدولة المؤيدة لبيونغ يانغ وحماية نظامها الدستوري الحر، على الرغم من أنه لم يذكر أي تهديدات محددة. وبعد إعلان يون للأحكام العرفية، قال الجيش الكوري الجنوبي إن أنشطة البرلمان والأحزاب السياسية سيجري حظرها وإن وسائل الإعلام ودور النشر ستخضع لسيطرة قيادة الأحكام العرفية، وتبع ذلك مشاهد فوضوية، إذ تسلق جنود مبنى البرلمان من خلال النوافذ المحطمة وحلقت مروحيات عسكرية في السماء، وحاول بعض من كانوا داخل البرلمان إبعاد الجنود باستخدام طفايات الحريق، واشتبك المتظاهرون مع الشرطة في الخارج.
ولكن في غضون ساعات من الإعلان، أقر البرلمان بحضور 190 من أعضائه البالغ عددهم 300، بالإجماع اقتراحا برفع الأحكام العرفية، بما في ذلك جميع الأعضاء الثمانية عشر الحاضرون من حزب يون، ثم ألغى الرئيس الإعلان بينما هتف المتظاهرون خارج البرلمان.
لكن رئيس هيئة الأركان المشتركة الكورية الجنوبية أعلن صباح اليوم أن القوات، التي تم حشدها لتطبيق الأحكام العرفية، عادت إلى قواعدها في خطوة أعادت الشعور بالوضع الطبيعي، كما حث زعيم حزب سلطة الشعب الحاكم، الرئيس يون سيوك يول على تفسير قراره بإعلان الأحكام العرفية الطارئة وإقالة وزير الدفاع كيم يونغ-هيون بسبب ما أسماه الوضع الكارثي.
ويمكن للجمعية الوطنية (البرلمان) في كوريا الجنوبية عزل الرئيس إذا صوت أكثر من ثلثي أعضاء البرلمان لصالح ذلك. ثم تعقد المحكمة الدستورية محاكمة، والتي يمكن أن تؤكد ذلك بتصويت ستة من قضاتها التسعة.
ويسيطر حزب يون على 108 مقاعد في الهيئة التشريعية المكونة من 300 عضو، وإذا استقال يون أو أقيل، فإن رئيس الوزراء هان داك سو سيتولى منصب الرئيس لحين إجراء انتخابات جديدة.
ومن المتوقع حدوث المزيد من الاحتجاجات اليوم مع اعتزام أكبر ائتلاف نقابي في كوريا الجنوبية، الاتحاد الكوري للنقابات العمالية، عقد تجمع حاشد في سول وتعهده بالإضراب لحين استقالة يون، وفي إجراء احترازي على ما يبدو نصحت بعض الشركات الكبرى في سول موظفيها بالعمل عن بعد من منازلهم.
وفي إطار التداعيات الاقتصادية للأزمة الكورية الجنوبية، انخفض الوون الكوري إلى أدنى مستوى له منذ عدة سنوات أمس، كما شهدت الأسواق المالية تقلبات، مع هبوط الأسهم الكورية الجنوبية بنحو اثنين بالمئة في وقت مبكر اليوم، وللحفاظ على الاستقرار المالي تعهدت وزارة المالية الكورية الجنوبية بتوفير سيولة غير محدودة في السوق المالية في البلاد إذا لزم الأمر لمساعدتها على الاستقرار.
وقد أحدثت الأزمة في كوريا الجنوبية التي يزيد عدد سكانها عن واحد وخمسين مليون نسمة، حالة قلق عالمية، خاصة وأن تلك الدولة الآسيوية تنعم بالديمقراطية منذ ثمانينيات القرن الماضي وهي حليفة للولايات المتحدة ومن أكبر اقتصادات آسيا، وتستضيف على أراضيها نحو 28500 جندي أمريكي منذ الحرب الكورية بين 1950 و1953.
فقد أعلنت الولايات المتحدة أنها تراقب الأحداث في كوريا الجنوبية "بقلق بالغ" وتأمل في حل أي نزاعات سياسية سلميا ووفقا لسيادة القانون، ورحب وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن برفع الأحكام العرفية في سول، داعيا إلى "حل سلمي" للخلافات السياسية في الدولة الحليفة لبلاده، وقال متحدث باسم البنتاغون إن بلاده وكوريا الجنوبية قررتا تأجيل محادثات الردع النووي الرئيسية والتدريبات ذات الصلة، التي كان من المقرر إجراؤها في واشنطن هذا الأسبوع، بينما حثت السفارة الأمريكية رعاياها في كوريا الجنوبية على تجنب المناطق التي تشهد احتجاجات، وفي طوكيو أعلن رئيس الوزراء الياباني شيغيرو إيشيبا أن بلاده تتابع "بقلق بالغ واستثنائي" الوضع في سول، مؤكدا أنه لا يملك أي معلومات تشير إلى إصابة مواطنين يابانيين بجروح في كوريا الجنوبية، حيث دارت مواجهات بين قوات الأمن ومحتجين على قرار الرئيس فرض الأحكام العرفية. وأضاف أن الحكومة اليابانية بصدد اتخاذ كل التدابير الممكنة لضمان سلامة رعاياها الموجودين في كوريا الجنوبية، ولا سيما من خلال تحذيرات قنصلية تصلهم في رسائل عبر البريد الإلكتروني.
كما أعلن متحدث باسم رئيس وزراء السويد أولف كريسترسون أنه أرجأ زيارة مقررة لكوريا الجنوبية ولم يتم تحديد موعدها بعد.
وكان من المقرر أن يجري رئيس الوزراء السويدي كريسترسون محادثات قمة مع الرئيس يون خلال زيارته الرسمية للبلاد.
English
Français
Deutsch
Español