المياه الجوفية... تهديدات جدية تجاه أكبر مصدر للمياه العذبة في العالم
الدوحة في 28 يناير /قنا/ تشكل قضية الحفاظ على المياه الجوفية في العالم مسألة مركزية بالغة الأهمية ضمن الجهود الدولية، بالنظر إلى حجم التهديدات التي تواجه عمليات الحفاظ عليها والطرق الأمثل لاستغلالها بشكل منصف يتيح استدامتها والمحافظة على نقاوتها، إذ تعد المياه الجوفية أكبر مصدر للمياه العذبة بالنسبة إلى البشرية، فهي تمثل نحو 30% من المياه العذبة المتاحة في العالم.
وقد أظهرت دراسة نشرت حديثا أن مستويات المياه الجوفية حول العالم شهدت انخفاضا واسع النطاق ومتسارعا على مدى السنوات الأربعين الماضية، وسط ممارسات ري غير مستدامة وتأثيرات تغير المناخ، وأكدت الدراسة التي نشرت في مجلة "نيتشر" Nature العلمية الأسبوع الماضي، أن استنزاف المياه الجوفية قد يتسبب في مخاطر اقتصادية وبيئية حادة، بما في ذلك تراجع المحاصيل وهبوط التربة بشكل مدمر خاصة في المناطق الساحلية.
وقال سكوت جاستشكو من جامعة كاليفورنيا وأحد المشاركين في الدراسة إن "أحد الأسباب الرئيسية المحتملة وراء الانخفاض السريع والمتسارع للمياه الجوفية هو السحب المفرط من المياه الجوفية لأغراض الزراعة المروية في المناخات الجافة"، وأضاف أن الجفاف الناجم عن تغير المناخ كان له تأثيره أيضا، إذ من المرجح أن المزارعين يسحبون المزيد من المياه الجوفية لضمان ري محاصيلهم.
وقالت الدراسة التي تناولت بالتحليل 170 ألف بئر في أكثر من 40 دولة إن الاستنزاف كان واضحا بشكل خاص في المناخات القاحلة ذات الأراضي الزراعية الواسعة. وكان شمال الصين وإيران وغرب الولايات المتحدة من بين المناطق الأكثر تضررا، وأكدت الدراسة التي استمرت ثلاث سنوات، أن المياه الجوفية تنخفض في أكثر من ثلثي طبقات المياه الجوفية حول العالم، بما يعادل 71% منها.
في المقابل أكدت الدراسة على أن البشر يستطيعون قلب الأمور بجهود مدروسة ومركزة، مشيرة إلى أنه يمكن وقف المشكلة أو حتى عكس اتجاهها عن طريق تقليل الطلب، واستخدام اللوائح والتصاريح والرسوم لاستخدام المياه الجوفية.
وأظهرت دراسة حديثة أخرى نشرتها مجلة "ساينس" العلمية منتصف 2023، أن كمية المياه تتقلص في أكثر من نصف بحيرات العالم وخزاناته، وهو اتجاه يهدد هذا المصدر الحيوي للمياه العذبة، ويعزى إلى حد كبير إلى الاحتباس الحراري، والإفراط في استخدام البشر له، في ضوء تقارير تفيد بأن نحو ربع سكان العالم يعيشون في مناطق تعاني بحيراتها من الجفاف أو تتبخر المياه في سدودها.
وخلال مؤتمر الأمم المتحدة للمياه ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو" الذي عقد في مارس 2023 في نيويورك، أشارت اليونسكو إلى أن نحو ملياري شخص يفتقرون إلى مياه شرب مأمونة، في حين يفتقر 3.6 مليار شخص إلى خدمات صرف صحي موثوق بها، وحذرت الأمم المتحدة من أن الاستهلاك المفرط للمياه وتغير المناخ جعلا "نقص المياه مستوطنا" في جميع أنحاء العالم، مما أدى إلى "خطر وشيك" بحدوث أزمة عالمية.
ووجه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، تحذيرا من أن العالم "يسير بشكل أعمى في طريق خطر"، كما حذر من أن الإفراط في استخدام المياه الجوفية، وارتفاع درجة حرارة سطح الكوكب والتلوث يؤدي مجتمعة إلى "استنزاف شريان حياة البشرية" المتمثل بالمياه.
وبحسب تقرير اليونسكو، فإن استخدام المياه زاد حول العالم بنسبة تناهز 1% سنويا على مدار السنوات الأربعين الماضية، إذ يلجأ البشر إلى المياه الجوفية، ولا يتوانون عن استخراج المياه بكميات مفرطة في بعض الأحيان، حيث تنضب ما بين 100و200 كيلومتر مكعب من احتياطيات المياه الجوفية كل عام، وفقا للتقرير.
كذلك لفت التقرير إلى أن نحو 10% من سكان العالم يعيشون في دول تعاني من مستوى إجهاد مائي عال أو حرج، مما يحد "بشكل كبير" من توافر المياه لتلبية احتياجات الناس، موضحا أنه من المتوقع أن يرتفع عدد سكان المناطق الحضرية المعرضين لخطر نقص المياه من 933 مليون نسمة في عام 2016 إلى ما بين 1.7 و 2.4 مليار نسمة في عام 2050.
على الصعيد العالمي، يواجه نحو 4 مليارات شخص، أو نصف سكان العالم، ندرة شديدة في المياه مرتفع للغاية على الأقل خلال شهر واحد في السنة، وفقا لتحليل موقع Aqueduct. وبحلول عام 2050، ربما يقترب الرقم من 60%، وحذر الباحثون من أنه "دون إدارة أفضل للمياه، فإن النمو السكاني والتنمية الاقتصادية وتغير المناخ من المتوقع أن يفاقم الإجهاد المائي"، مشددين على أن الأمر يستدعي توفر إرادة سياسية، لفرض كفاءة المياه وتقليل الإجهاد المائي.
وفي العالم العربي أظهرت دراسة حديثة نشرتها صحيفة "الغارديان" البريطانية، أن 25 دولة تضم ربع سكان العالم، من بينهم 14 دولة عربية، تواجه "إجهادا مائيا شديدا"، في الوقت الذي يتزايد فيه الطلب على المياه في جميع أنحاء العالم، وتشير البيانات الواردة من معهد الموارد العالمية WRI، إلى أن هذه البلدان تستخدم بانتظام 80% من إمداداتها المائية كل عام.
وتصنف بيئة دول قطر ضمن أكثر الدول التي واجهت شحا مائيا في العالم خلال عام 2019، بسبب انخفاض معدل هطول الأمطار وتراجع مستويات المياه الجوفية العذبة، ووصول موارد المياه الطبيعية المتجددة إلى ما دون مستوى خط الفقر المائي بكثير، ويقدر حجم استخراج المياه الجوفية بحوالي ثلاثة إلى خمسة أضعاف معدل التغذية الطبيعية، حيث ارتفع الإجمالي السنوي لاستخدام المياه في الزراعة من 140 مليون متر مكعب في عام 1990 إلى 296 مليون متر مكعب في عام 2016، بحسب ما نشرته ندوة نظمتها مؤسسة "قطر فاونديشن" العام الماضي.
ويشير تحليل مخاطر الري للدراسة، وهو وسيلة لقياس جودة المياه المستخدمة لري المحاصيل التي تجري على مختلف الآبار الموجودة في جميع أنحاء قطر، إلى أن ما يصل إلى 95% من عينات المياه في دولة قطر غير مناسبة للري الزراعي، وأن أكثر من 60% من الآبار تتسم بمستويات ملوحة من المحتمل أن تسبب أضرارا للزراعة.
ومن هنا تأتي جهود تنظيم معرض إكسبو الدوحة 2023 حول البيئة والزراعة والمياه الذي انطلق في أكتوبر 2023 والمستمر حتى مارس 2024، وفي المقدمة منها معالجة قضايا قلة المياه تماشيا مع شعار اليوم العالمي للمياه لهذا العام، 'جعل غير المرئي مرئيا'، حيث تسعى دولة قطر إلى وضعها على مائدة مناقشة تحديات المياه الجوفية التي تواجه المنطقة الإقليمية والعالم.
وقد ناقش معرض إكسبو الدوحة 2023 المستمرة فعالياته دور التقنيات التي تمكننا من زراعة الأشجار والمحاصيل بطرق مستدامة في الأراضي الجافة، وآليات تحويل الصحارى إلى أراض خضراء ضمن مشروع مستدام لري وتحريج المناطق الجافة أو المناطق القريبة من مصادر المياه، مثل المياه الجوفية والبحيرات والأنهار والبحار والمحيطات.
ومن المتوقع أن تكون للاحتباس الحراري تأثيرات مدمرة ليس فقط على مناخ كوكبنا ولكن أيضا على جميع الكائنات الحية، ومن المتوقع أن تكون له عواقب وخيمة على كوكب الأرض، مع تغير المناخ، وفقدان التنوع البيولوجي والتصحر، بسبب عوامل مثل الرعي الزائد، والتحضر، وتغير المناخ، وسحب المياه الجوفية، والكوارث الطبيعية.
وقد بدأت دولة قطر في السنوات الاخيرة بتطوير تقنيات الزراعة والاعتماد على أساليب الاستدامة، وتوفير المياه الجوفية، والأشياء التي تساعد في الحفاظ على البيئة، وتم استخدام تقنية "البكتيريا النافعة" في العديد من مزارعها ومحمياتها، لتحسين خصوبة التربة وتقليل كمية المياه اللازمة بنسبة 70% والمساعدة على استعادة الكربون الموجود في الهواء لإعادته إلى التربة، وهو ما مكن من زراعة الخضروات والنباتات الأخرى في تربة كانت قاحلة تماما وغير صالحة للحرث.
وتعرف هذه التقنية لدى المتخصصين بـ"الزراعة المستدامة" وهي تتجاوز المرحلة العضوية، لخلوها المطلق من أي مركبات كيميائية وتعتمد 100% على الأسمدة والمبيدات الطبيعية، ومع اقتراب فصل الشتاء، تتم زراعة المزيد من المحاصيل دون الحاجة إلى البيوت الزجاجية.
كما تعمل دولة قطر على استدامة توفير خدمات المياه بجودة عالية، وتسعى بشكل متواصل للارتقاء بها إلى أفضل المستويات مع الالتزام بمعايير الصحة والسلامة المحلية والدولية، ويتم تنفيذ ذلك من خلال استراتيجية شاملة لتحقيق الإدارة المتكاملة والمستدامة للموارد المائية بالدولة ومن خلال البرنامج الوطني "ترشيد" والذي نجح في خفض معدل استهلاك المياه للفرد بالدولة بنسبة كبيرة.
ووفق المؤسسة العامة القطرية للكهرباء والماء "كهرماء"، تقوم اللجنة الدائمة للموارد المائية باقتراح السياسات والاستراتيجيات المتعلقة بموارد المياه، واعتماد الخطط والبرامج والمشروعات ذات الصلة بإدارة وتنمية هذه الموارد، بالإضافة إلى قيامها بمبادرات هامة تتعلق بتعزيز الأمن المائي والمحافظة على المستودعات الجوفية للمياه في الدولة.
وقد نجحت "كهرماء" خلال السنوات الماضية في تلبية الطلب المتزايد على المياه بالدولة، وكان ذلك على الرغم من معدل الزيادة السنوية في استهلاك المياه، كما حققت أهدافها الاستراتيجية بتعزيز الأمن المائي القطري، وذلك بزيادة سعة مخزون المياه الاستراتيجي، ورفع قدرة منظومة المياه على مواجهة حالات الطوارئ القصوى، حيث رفعت السعة التخزينية من 1,000 إلى 2,400 مليون جالون، أي ما يعادل زيادة بنسبة مئة وأربعين بالمئة في مخزونها من مياه الشرب.
English
Français
Deutsch
Español