قمة الأمازون.. جهود تتبعها خطوات وتعهدات لإنقاذ رئة الأرض
الدوحة في 09 أغسطس /قنا/ تساؤلات كثيرة طرحت فور انتهاء قمة أعضاء منظمة معاهدة التعاون في منطقة الأمازون في "بيليم" بالبرازيل، أبرزها هل ينجح "تحالف مكافحة إزالة الغابات"، الذي أعلن عنه اليوم، إلى وقف انحسار غطاء الغابات بحلول 2030، وإنهاء تعدين الذهب غير القانوني، والتعاون في مراقبة الانتهاكات البيئية عبر الحدود؟.
إعلان الاتفاق الإقليمي الذي أطلق عليه "إعلان بيليم"، في قمة عقدت للمرة الأولى منذ 14 عاما، دعا إلى إنشاء تحالف لمكافحة إزالة الغابات، كان على رأس نتائجه الاتفاق على آلية مكافحة انحسار غطاء الغابات على ضفتي النهر الطويل وصولا إلى تمويل جهود التنمية المستدامة.
ومن أبرز خطوات الاتفاق، إنهاء تعدين الذهب غير القانوني، بجانب التعاون في مراقبة الانتهاكات البيئية عبر الحدود، وهي بنود تبدو محل توافق بين قادة الدول المعنية، ولعل اختيار مدينة "بيليم" البرازيلية لانعقاد القمة التنموية، ليس من باب المصادفة، فهي بوابة لنهر الأمازون بمينائها المزدحم ومطارها ومحطة الحافلات والقطارات، كما أن "بيليم" تقع على نهر بارا المتفرع عن الأمازون وتبعد نحو 100 كم من المحيط الأطلسي، وتفصلها جزيرة "ماراجو" عن الجزء الأكبر من دلتا الأمازون حيث الغابات المطيرة الأوسع رقعة عالميا.
وانتهز الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الفرصة في كلمته الافتتاحية، لطرح رؤية جديدة للتنمية المستدامة والشاملة في المنطقة، تعزز مكانة الدول التي لديها غابات استوائية في جدول الأعمال العالمي حول قضايا مواجهة تغير المناخ إلى إصلاح النظام المالي الدولي، فمعضلة التغير المناخي والاحتباس الحراري وتمدد التصحر والجفاف وانحسار الغطاء النباتي، باتت مشاكل عابرة للحدود وتؤرق المجتمع الدولي.
أما كارلوس لازاري المدير التنفيذي لمنظمة معاهدة التعاون في منطقة الأمازون، فقال: إن الاتفاقية النهائية قد تشمل خطط البرازيل لإنشاء مركز إقليمي في مدينة "ماناوس"، عاصمة ولاية الأمازون، حيث يمكن لدول المنطقة تنسيق عمليات المراقبة.
ودعيت إلى القمة دول غير أعضاء في منظمة معاهدة التعاون في منطقة الأمازون، خاصة فرنسا التي تقع "غويانا الفرنسية" التابعة لها في منطقة الأمازون. وتمثلت فرنسا في القمة بسفيرتها لدى برازيليا بريجيت كوليه.
وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد أعلن في حسابه على منصة"إكس" للتواصل الاجتماعي، أنه من الملح وضع حد لقطع الغابات، داعيا إلى حماية الاحتياطات الحيوية من الكربون والتنوع البيولوجي بما يصب في مصلحة دول الغابات وشعوبها والعالم أجمع.
وقالت وزيرة البيئة البرازيلية مارينا سيلفا: "لا يمكننا السماح ببلوغ الأمازون نقطة اللاعودة.. وإذا تم بلوغ هذه النقطة، فإن الأمازون ستصدر كمية كربون أكثر مما تمتصه، ما سيؤدي إلى تفاقم ظاهرة احترار الكوكب.
فيما أعلنت ألكسندرا موريرا الأمينة العامة لمنظمة معاهدة التعاون في منطقة الأمازون، أن القمة أصدرت إعلانا يتضمن إجراءات جريئة ومشددة لحماية الغابات المطيرة.
لكن الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو قال: إن قرار عدم إزالة الغابات لن يكون كافيا، وأضاف "العلم أظهر لنا أنه حتى لو غطينا العالم كله بالأشجار، فلن يكون ذلك كافيا لامتصاص انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.. يجب أن نتخلى عن الوقود الأحفوري".
وأكد أن هذه المسؤولية تقع قبل كل شيء على عاتق دول الشمال، بينما على دول الأمازون حماية "الإسفنجة"، وفق وصفه للغابات الاستوائية. غير أن موضوع تحول الطاقة يبقى أكثر حساسية بالنسبة إلى منتجي المحروقات الرئيسيين في منطقة الأمازون، مثل فنزويلا أو البرازيل.
وتتزامن القمة مع إعلان مرصد "كوبرنيكوس" الأوروبي أن شهر يوليو 2023 حطم المستوى القياسي لأكثر الأشهر حرا على الإطلاق في العالم بفارق 0.33 درجة مئوية عن يوليو 2019.
وتضم غابات الأمازون نحو 40 ألف نوع من النباتات، و2.5 مليون نوع من الحشرات، وأكثر من ألفي نوع من الطيور والثدييات، بنسبة تبلغ 10 بالمئة من جميع أنواع النباتات والحيوانات المتواجدة على كوكب الأرض، وتتوزع على مساحة تصل إلى 6.7 مليون كيلومتر مربع، وتستحوذ البرازيل وحدها على 60 بالمائة منها وتتحمل العبء الأكبر في استدامة إنتاجها.
وأنشئت قمة منظمة معاهدة التعاون في منطقة الأمازون عام 1995، وتضم بوليفيا والبرازيل وكولومبيا وبيرو والإكوادور وغيانا وسورينام وفنزويلا، بهدف إنجاز اتفاق إقليمي ملزم لوقف كل الممارسات الخاطئة المتبعة منذ عقود، وأهمها مشكلة انحسار غطاء الغابات بحلول عام 2030، ومنع منطقة حوض الأمازون من بلوغ نقطة اللاعودة.
ويبدو الحفاظ على غابات الأمازون مهمة عالمية لحماية المناخ والتنوع البيولوجي، فبحسب دراسة جديدة نشرتها دورية /اتصالات الأرض والبيئة/ (Communications Earth & Environment) ، فإن حرائق الغابات في حوض الأمازون دمرت 519 ألف هكتار من الغابات في الفترة بين 19 مايو و31 أكتوبر 2021، وهو ما أدى بدوره إلى فقدان البرازيل معظم الغطاء الحرجي بسبب تلك الحرائق، مشيرة إلى أن كل هكتار يتم حرقه من غابات الأمازون، يتسبب في انتشار أمراض يكلف علاجها ما لا يقل عن مليوني دولار.
ووفقا للدراسة التي تعد الأولى من نوعها لتحديد قدرة الغابات على امتصاص الملوثات، فإن بإمكان صيانة غابات الأمازون المطيرة منع الآلاف من حالات أمراض الجهاز التنفسي القاتلة وأمراض القلب والأوعية الدموية وتقليل تكاليف الرعاية الصحية، جراء قدرتها على امتصاص ما يصل إلى 26 ألف طن متري من الجسيمات الملوثة كل عام، من خلال المسام الموجودة على أسطح الأوراق، وخصوصا دخان الحرائق ومخلفاتها، إذ تعد حرائق الغابات مسؤولة عن 90 بالمائة من الانبعاثات العالمية للجسيمات التي تطلقها الحرائق، بما في ذلك منطقة حوض الأمازون.
ومنذ فوز الرئيس لولا دا سيلفا برئاسة البرازيل نهاية العام الماضي، ارتفع سقف الطموحات في استعادة غابات الأمازون لطبيعتها المناخية في الحفاظ على التنوع البيولوجي العالمي، فقد تم إعادة تفعيل عمل وكالة البيئة /إيباما/ في ولاية /بارا/ ذات الغابات المطيرة لمنع قاطعي الأشجار ومربي الماشية من إزالة الغابات بشكل غير قانوني.
كما سعى عبر القضاء لسن قوانين جديدة للاعتراف بحقوق السكان الأصليين في غابات الأمازون، وتوفير الرعاية الصحية العامة لهم، حيث تقر المنظمات المختصة بالأمازون أن هذه الفئات التي تقطن عمق الغابات لها دور بارز بالعناية بأشجار الغابات وأحراشها واستدامتها.
ويسلط موقع "Rainforest Trust " المتخصص بالغابات، الضوء على ما يمكن أن توفره الأشجار والحيوانات النادرة في الأمازون من علاجات وأدوية لكثير من الأمراض والفيروسات الحالية والمستقبلية، ناهيك عن التوازن البيئي والمناخي في كوكبنا، بينما يشير تقرير لمنظمة الحياة البرية العالمية إلى أن منطقة الأمازون فقدت أكثر من 17 في المئة من غاباتها خلال الخمسين سنة الأخيرة.
وأظهرت دراسة نشرت في مجلة "Nature " أن منطقة الأمازون كانت مسؤولة عن جلب الأمطار إلى المنطقة المحيطة، إذ يسقط على منطقة الأمازون سنويا 15.400 كيلومتر مكعب من الأمطار وهو أعلى معدل لتساقط الأمطار في العالم، وأن إزالة الغابات قللت من مستوى هطول الأمطار حتى على المناطق المجاورة لها بنسبة 25 بالمائة، وهو ما تسبب في ازدياد الجفاف وقتل الكائنات الدقيقة مثل الطحالب التي تعد معينا مهما للحياة هناك.
وتلفت "ناشونال جيوغرافيك" الأنظار إلى دور إحدى أهم الكائنات في مجاري نهر الأمازون، وهي طحالب "الدياتوم"، إذ تقول إن هذه الكائنات التي تعيش على استهلاك عنصر السليكون، تعد مصدرا سريا لتزويد الأرض بالأكسجين، الذي تنتجه بعملية التركيب الضوئي، تقدره دراسات علمية بنحو 20 في المئة من كمية الأكسجين في الأرض.
ومن هنا يمكن القول، إن غابات الأمازون تمثل رئة الأرض أو قلب الأرض النابض كما يحلو لبعض العلماء تسميتها، بسبب دور ملايين الأشجار في منطقة الأمازون في العمل كمضخة حيوية ضخمة تولد دورة حركة مياه تحافظ على المناخ في كوكبنا.
English
Français
Deutsch
Español