مياه فوكوشيما النووية اليابانية بين معايير السلامة الدولية والمخاطر البيئية
الدوحة في 24 أغسطس /قنا/ بعد سنوات من النقاش وإعطاء الضوء الأخضر من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بدأت اليابان اليوم عملية مثيرة للجدل، تستهدف إطلاق أكثر من مليون طن متري من مياه التبريد المشعة المعالجة من محطة فوكوشيما النووية في المحيط الهادئ.
وستقوم شركة "تيبكو" المشغلة للمحطة بتنفيذ أربع عمليات إطلاق للمياه المعالجة اعتبارا من اليوم وحتى مارس من العام المقبل، وستستمر العملية الأولى حوالي 17 يوما، ومن المخطط أن تستمر عمليات تصريف مياه فوكوشيما في المحيط على مراحل وعلى مدار 30 عاما.
ويتم مزج كل طن من المياه المعالجة بـ 1200 طن من مياه البحر، فضلا عن تنقية المياه الملوثة بالإشعاع من خلال نظام المعالجة المتقدم لإزالة العناصر المشعة، ومع ذلك، لا يمكن إزالة التريتيوم، وهو من النظائر المشعة ولديه خواص مماثلة للهيدروجين، لذلك قامت شركة تيبكو بتخزين المياه المعالجة في خزانات في المحطة، ومع اقتراب الخزانات من سعتها القصوى في أبريل لعام 2021، قررت الحكومة اليابانية تصريف المياه في البحر، وتتضمن الخطة تخفيف تركيز التريتيوم في المياه المعالجة إلى مستوى يلبي ويفي بالمعايير الوطنية، ثم تصريف هذه المياه على بعد حوالي كيلومتر واحد من الساحل قبالة محطة الطاقة النووية.
ويمثل بدء تصريف ما يقرب من 540 حمام سباحة أولمبي من المياه على مدى عدة عقود، خطوة كبيرة في وقف تشغيل الموقع الذي لا يزال شديد الخطورة، بعد مرور 12 عاما على واحدة من أسوأ الحوادث النووية في العالم.
وتهدف الحكومة اليابانية والشركة المشغلة للمحطة إلى تسريع أعمال وقف تشغيل المحطة من خلال تقليل عدد الخزانات التي تخزن المياه المعالجة، وتتطلب هذه العملية إزالة الوقود النووي الذائب والأنقاض المشعة من المفاعلات المدمرة، وهي عملية خطيرة جدا لدرجة أن الشركة المشغلة للمحطة ستحتاج إلى استخدام روبوتات عوضا عن البشر لإنجازها.
وكانت ثلاثة من مفاعلات المحطة، قد انصهرت عقب الزلزال المدمر والتسونامي الذي ضرب اليابان وأودى بحياة نحو 18 ألف شخص عام 2011، ومنذ ذلك الحين، ورغم إغلاق المفاعلات، لا يزال يتعين تبريدها بالمياه، وقد جمعت شركة تيبكو 1.34 مليون متر مكعب من المياه الملوثة أثناء تبريدها لحطام المفاعلات.
وقد أصرت اليابان مرارا وتكرارا على أن عملية التصريف آمنة، ولا تشكل أي تهديد للبيئة البحرية وصحة الإنسان، وتؤكد أنها لم تشرع بها إلا بعد حصولها على الضوء الأخضر من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وكان تقرير رفعته الوكالة لرئيس الوزراء الياباني فوميو كيشيدا في يوليو الماضي قد خلص إلى أن عملية التصريف تتوافق مع معايير السلامة الدولية، وذكر أن تأثير تصريف المياه على الناس والبيئة سيكون ضئيلا، وسيكون للوكالة الأممية مراقبون في موقع المحطة للإشراف على بدء عملية التصريف التي يتوقع أن تستمر عدة عقود.
وعلى الرغم من التبريرات اليابانية، اتهم خبراء البيئة وصيد الأسماك، وكذلك الدول المجاورة، اليابان بالتقليل من مستوى الإشعاع في مياه التبريد، وعبروا عن قلقهم بشأن تلوث المحيطات بعيد المدى، والأضرار البيئية المحتملة، وانخفاض عائدات الصيد، وتزعم المجموعات البيئية أن الحكومة اليابانية وشركة تيبكو اختارتا الحل الأسرع والأرخص. ويقولون إن هناك بدائل، مثل تركيب المزيد من صهاريج التخزين أو السماح لمياه التبريد بالتبخر، لكن خبراء آخرين قالوا، إن اليابان لا تستطيع إضافة خزانات جديدة لتخزين مياه التبريد المشعة في فوكوشيما لأن المنطقة معرضة للزلازل، وقد تتسرب مياه الخزانات للمياه الجوفية وتسبب مزيدا من الأضرار.
وفي إطار ردود الفعل على بدء تصريف مياه فوكوشيما، أثارت الخطوة اليابانية غضب الصين التي فرضت مع هونغ كونغ وماكاو حظرا جزئيا على واردات المأكولات البحرية من عشر مقاطعات يابانية، وقالت الخارجية الصينية، إن المحيط ملكية مشتركة للبشرية جمعاء ويشكل تصريف مياه ملوثة ناجمة عن محطة فوكوشيما النووية في البحر، عملا لا يراعي المصلحة الدولية العامة، وذكرت بكين أن التخلص من المياه الملوثة، يعد قضية رئيسية تتعلق بالسلامة النووية ولها آثار عابرة للحدود وأن المسألة لا تخص اليابان وحدها، وأضافت أنها ستتخذ الإجراءات اللازمة لحماية البيئة البحرية وسلامة الغذاء والصحة العامة، كما استدعى نائب وزير الخارجية الصيني سفير اليابان لدى بكين للاحتجاج ضد هذه الخطوة.
ويرى محللون أن على الرغم من أن الصين قد تكون لديها مخاوف حقيقية تتعلق بالسلامة، إلا أن ردودها القوية قد تكون مدفوعة جزئيا بمنافستها الاقتصادية وعلاقاتها الفاترة مع اليابان.
ولم تعترض حكومة كوريا الجنوبية، التي تسعى إلى تحسين العلاقات مع اليابان، على مشروع تصريف المياه المعالجة من المحطة، رغم قلق الكثير من السكان الذين نظموا احتجاجات، لكن حكومة سول لوحت بأنها سترفع دعوى قضائية دولية إذا تجاوز تصريف مياه محطة فوكوشيما المعايير اللازمة.
وتضمنت منشورات انتشرت على شبكات التواصل الاجتماعي في الصين وكوريا الجنوبية، ادعاءات حول عملية تصريف المياه، وصورا معدلة لأسماك مشوهة مع مزاعم بأنها مرتبطة بفوكوشيما.
وسعت اليابان إلى مكافحة المعلومات الخاطئة عبر الإنترنت وتبديد الشكوك محليا ودوليا، بحيث نظمت جولات دراسية في فوكوشيما وبثت لقطات مباشرة ظهرت فيها أسماك تعيش في المياه المعالجة، ووصل دوي المساعي اليابانية إلى جزر المحيط الهادئ، حيث أجرت الدول الغربية تجارب على أسلحة نووية في القرن العشرين، وقد أبدى رئيس وزراء فيجي سيتيفيني رابوكا ورئيس حكومة جزر كوك مارك براون عن تأييدهما لما توصلت إليه الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن تصريف مياه محطة فوكوشيما، وعبرا عن اعتقادهما بأن عملية التصريف تتوافق مع معايير السلامة الدولية.
English
Français
Deutsch
Español