المهاجرون إلى أوروبا عبر قوارب الموت.. جدل متزايد وحلول لا تتسق مع حقوق الإنسان والمعايير الدولية
الدوحة في 15 أغسطس /قنا/ يتصاعد الجدل بشأن قضية اللاجئين وأعداد المهاجرين غير النظاميين عبر البحر المتوسط في الاتحاد الأوروبي وبريطانيا على وجه الخصوص، وسط اتهامات متبادلة عن الأطراف المسؤولة عن هذه المأساة الإنسانية، في ظل أرقام مخيفة عن وفاة المئات منهم خلال الأشهر الأخيرة، جراء غرق العديد من قوارب الموت التي تقلهم، مع سوء معاملة من دول لا تتبع نهجا يتسق مع حقوق الإنسان والمعايير الدولية، وخصوصا بعض الدول المطلة على البحر الأبيض المتوسط.
وفي آخر الحوادث المميتة لعمليات الهجرة، أعلنت وكالة تونس أفريقيا للأنباء أمس الإثنين، أن خمسة مهاجرين لقوا حتفهم وفقد سبعة آخرون، بينما تم إنقاذ 23 بعد انقلاب قارب قبالة سواحل سيدي منصور بمدينة صفاقس التونسية، كان يحمل مهاجرين تونسيين وأفارقة من دول أفريقيا جنوب الصحراء.
غير بعيد عنها أكدت السلطات الليبية أن حرس الحدود انتشل 27 جثة لمهاجرين غير شرعيين بمنطقة السعة الحدودية مع تونس، حيث جرت العادة على اختيار المسار البحري كوسيلة للوصول إلى اليونان ومنها إلى أوروبا، وجاء ذلك بعد ساعات من إعلان السلطات اليونانية إنقاذ 48 مهاجرا قبالة سواحل جزيرة "ليسبوس" كانوا على متن قارب مطاطي، ونقلتهم إلى ميناء مدينة ميتيليني.
أحلام المهاجرين بالوصول إلى بر الأمان في أوروبا، لم تعد وردية، بل إنها تحمل في طياتها عقبات مؤلمة، خصوصا مع تشديد الدول المطلة على البحر المتوسط إجراءات الاستقبال من الإبعاد القسري إلى حد استخدام القوة المميتة.
وقالت منظمة الهجرة الدولية إن نحو 200 ألف شخص حاولوا دخول الاتحاد الأوروبي بشكل غير قانوني في أول سبعة شهور من العام 2023، مشيرة إلى زيادة بنسبة 19 في المائة عن شهر يوليو 2022، وهو الرقم الأكبر منذ 2016 مقارنة بالأعوام القليلة الماضية.
ولعل هذا ما يفسر القلق الدولي إزاء تزايد عمليات الهجرة والمخاطر التي تحيطها، وسط استغلال منظمات الاتجار بالبشر للواقع المرير الذي يدفع الآلاف لخوض غمار هذه المخاطر التي يمكن أن تؤدي بحياتهم ومن يعولون، حيث يعرض المهربون أسعارا أقل للمرور عبر البحر الأبيض المتوسط في ضوء المنافسة الشرسة بين الجماعات الإجرامية.
من جانبها أعلنت وكالة حماية الحدود الأوروبية "فرونتكس" تسجيل مستويات قياسية من محاولات العبور غير النظامية إلى الاتحاد الأوروبي في غضون الأشهر السبعة الأولى من هذا العام، حيث حاول أكثر من 176 ألف شخص دخول دول التكتل الأوروبي المقصد الأول للمهاجرين، فيما يحاول آخرون الوصول إلى بريطانيا عبر نفق المانش الذي يربطها مع فرنسا، وبحسب إحصاء وكالة "فرونتكس"، فإن أكثر من نصف محاولات الدخول تمت عبر وسط البحر الأبيض المتوسط، وخصوصا من ليبيا وتونس عبر صقلية ومالطا، باتجاه اليونان وإيطاليا.
وهذه الأخيرة يتدفق إلى شواطئها آلاف المهاجرين، أكثرهم يتم إيقافه عند منطقة بحرية جنوب غرب جزيرة لامبيدوسا الإيطالية، ما تسبب بحالة من التوتر السياسي، ودفع قادة الاتحاد الأوروبي إلى السعي للتوصل إلى اتفاق مع تونس في الأسابيع الاخيرة، لمنع المهاجرين من بدء رحلتهم نحو أوروبا من هناك.
وخلال اليومين الماضيين نجحت سفينة الإنقاذ "أوشن فايكينغ" غير الحكومية بإنقاذ المهاجرين في البحر المتوسط، بإنقاذ 623 شخصا في 15 عملية قرب جزيرة لامبيدوسا الإيطالية، وتقول منظمة "إس أو إس ميديتيرانيه" المستقلة التي تستأجر السفينة، إن من بين هؤلاء المهاجرين 146 قاصرا غير مصحوبين بذويهم، بجانب 15 قاصرا برفقة ذويهم، بالإضافة إلى امرأتين حاملين.
ورغم أنها عمليات إنقاذ ضرورية، إلا أن هذه العمليات لا تحظى بموافقة تامة من السلطات الإيطالية، فقد أشارت المنظمة التي تتولى تسيير السفينة إلى أنها تلقت تعليمات من مركز الإغاثة الإيطالية بوجوب التنسيق للمساعدة في حالات الطوارئ، حتى أن السلطات الإيطالية احتجزت السفينة "أوشن فايكينغ" لمدة 10 أيام في شهر يوليو الماضي بعد اتهامها بإخفاقات أمنية، لكنها عادت وسمحت لها بالإبحار مجددا.
على أن أغلب هؤلاء المهاجرين لا يبحثون عن النعيم بقدر محاولتهم الهروب من جحيم الحروب أو الفقر والجفاف، التي ترتفع أرقامها بشكل مطرد، وتأتي النسبة الأكبر في العام الحالي للمهاجرين من السودان الذي يشهد قتالا منذ نحو أربعة أشهر، إضافة إلى مهاجرين من غينيا وساحل العاج وبوركينا فاسو وبنين وبنغلاديش.
ويعتبر وسط البحر المتوسط أخطر طريق للهجرة في العالم، وفقا للمنظمة الدولية للهجرة، حيث تقدر الوكالة التابعة للأمم المتحدة أنه منذ بداية عام 2023، تم تسجيل فقدان 1848 مهاجرا في هذه المنطقة مقارنة بـ 1417 طوال عام 2022.
أرقام تتغير يوميا، فتثير كثيرا من الجلبة والنقاش حول القوانين المفروضة والآليات المتبعة للتعامل مع من يوصفون بالمهاجرين غير الشرعيين أو غير النظاميين، إذ إن هؤلاء المعدمين البسطاء والجهات التي تتولى تهريبهم لا يخضعون لأي منطق أو تحذيرات، وتنصب اهتماماتهم على نقطة النهاية ودخول أوروبا دون مراعاة لتحديات الانطلاقة ووعورة الطرق ومصائد المهربين وقيود الدول المستقبلة لهم.
واضطر الاتحاد الأوروبي لدراسة قوانين استقبال اللاجئين وآلية توطين المهاجرين في الدول الأعضاء، في ظل رفض بعض الدول الأوروبية لتلك القوانين ومنها بولندا التي ستجري استفتاء حول خطط إصلاح سياسة اللجوء للاتحاد الأوروبي، ومن بينها قبول مهاجرين من الدول الأخرى التي تتحمل عبء استقبالهم في إطار آلية القبول الإجباري، التي تفرضها البيروقراطية الأوروبية.
ولن يكون لنتيجة الاستفتاء، الذي سيجرى في اليوم ذاته للانتخابات التشريعية البولندية، أي تأثير على خطط الإصلاح للاتحاد الأوروبي، لكن وارسو تسلط الضوء على بنود قوانين الاتحاد الأوروبي، فهي وبعض الدول مثل المجر وصربيا تعارض منذ البداية خطة توزيع الاتحاد الأوروبي للمهاجرين على الدول الأعضاء، بعكس إيطاليا واليونان ومالطا وقبرص التي تندد بنظام إدارة تدفق المهاجرين في الاتحاد الأوروبي الذي يلقي بثقله عليها، ناهيك عن تركيا التي عقدت اتفاقية مع الاتحاد الأوربي تخفف عنها أعباء تمويل إقامة مئات الآلاف من اللاجئين على أراضيها.
أكثر من أوروبا، اعتمدت بريطانيا خطة جديدة لإرسال آلاف من طالبي اللجوء إلى دولة رواندا أو احتجازهم في سفن كبيرة وسط البحر، وكأنها ترسل تحذيرا شديدا لمن يروم الوصول إليها بغير الطرق القانونية، وهي خطوة أثارت انتقادات دولية وحقوقية لحكومة ريشي سوناك.
وكان وزراء داخلية الاتحاد الأوروبي قد صوتوا، في 8 يونيو الماضي، لصالح إصلاحات شاملة لنظام اللجوء، بأغلبية كبيرة كافية، فالمفوضية الأوروبية تحاول بشكل متزايد التأكيد على احترام شعارات تعزيز استقلاليتها، وبشكل خاص منذ بدء الحرب في أوكرانيا في فبراير 2022.
وفي هذا السياق، يتصاعد الكلام عن الدوافع الحقيقية لقبول اللاجئين رغم كل ما يثار حول هذا الملف وأهمها نقص العمالة في القارة الأوروبية، فوفق تقديرات رسمية ألمانية، فإن النقص في اليد العاملة سيصل إلى نحو خمسة ملايين شخص في 2030، ولا يختلف الواقع كثيرا في باقي أوروبا، إذ تتزايد أعداد كبار السن المنسحبين من سوق العمل، كما هو الواقع في دول إسكندنافيا شمال أوروبا.
وتتوالى التحذيرات منذ أكثر من عقد من واقع التطور الديموغرافي في غرب وشمال القارة، فمعدل الولادات منخفض بالتزامن مع ارتفاع متوسط العمر، رغم موجة تدفق اللاجئين عام 2015 التي حملت عشرات الآلاف من السوريين وجنسيات أخرى إلى القارة العجوز.
ولابد من الإشارة إلى أن النموذج الذي سعت أوروبا من خلاله في العقود الماضية بعد الحرب العالمية الثانية بشأن القوانين الوطنية والاتفاقيات العالمية بشأن حماية اللاجئين، لم يستمر على ذات المسار الذي بدأت منه انطلاقته الأولى، فالقيود المجحفة التي تتوالى يوما بعد يوم، تكشف الطبيعة الهشة للميثاق العالمي للاجئين، الذي لطالما وقع ضحية للسياسات الداخلية لتلك الدول والحكومات والأحزاب في ظل تصاعد المد اليميني الذي يعتمد على دعايات التخويف من المهاجرين.
English
Français
Deutsch
Español