نتائج الانتخابات الإسبانية تضع مدريد أمام متاهة سياسية معقدة
الدوحة في 24 يوليو /قنا/ في تناقض حاد مع النتائج التي توقعتها استطلاعات الرأي للانتخابات المبكرة في إسبانيا التي جرت أمس الأحد، أظهرت النتائج النهائية أن إسبانيا تتجه إلى برلمان معلق، حيث لم تحرز أي من الكتل الرئيسية فوزا كاملا في هذه الانتخابات.
ووصف مراقبون في مدريد المشهد السياسي هناك في ضوء نتائج الانتخابات بأنه أشبه بمتاهة ومعقد للغاية، وقد يكون من المستحيل حله، وألمحوا إلى أن احتمال وصول عملية تشكيل الحكومة المقبلة إلى طريق مسدود، هو احتمال حقيقي، حيث لم يظهر فائز واضح في الانتخابات، ولم تترك نتائج التصويت لكتلة اليسار أو اليمين طريقا سهلا لتشكيل الحكومة الجديدة.
وقد أعلن كل من حزب الشعب المحافظ المعارض بقيادة ألبرتو نونييس فيجو، والاشتراكيين بزعامة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز، الفوز في هذه الانتخابات، حيث حصل حزب الشعب على أكبر عدد من المقاعد، لكن بدا من غير المرجح أن يؤمن ائتلافا بأغلبية يمينية، بعد تصويت أثار مخاوف من دخول اليمين المتطرف إلى الحكومة لأول مرة منذ عودة إسبانيا إلى الديمقراطية بعد وفاة الجنرال فرانكو قبل خمسة عقود.
ووفق النتائج النهائية، حصل حزب الشعب وحزب فوكس اليميني المتطرف معا، على 169 مقعدا في البرلمان، بينما حصل حزب العمال الاشتراكي الحاكم وحزب سومار اليساري على 153 مقعدا، أي أقل بكثير من 176 مقعدا اللازمة للفوز بأغلبية.
وبعد الفوز بأكبر عدد من المقاعد، سيواجه حزب الشعب أولى الصعوبات في محاولة حشد عدد كاف من الأصوات في البرلمان للفوز بالتصويت على منصب رئاسة الوزراء، لكن تحالفه مع حزب فوكس اليميني المتطرف سيجعل من الصعب الحصول على دعم من أي فصيل آخر.
ولدى الاشتراكيين بقيادة رئيس الوزراء بيدرو سانتشيز المزيد من الخيارات، لكنهم يواجهون مطالبات غير مستساغة من الأحزاب الانفصالية في كتالونيا، ويمكن أن يشمل ذلك الإصرار على استفتاء على الاستقلال، مما قد يؤدي إلى نوع من الفوضى السياسية كتلك التي حدثت هناك عام 2017، عندما حاول إقليم كتالونيا الانفصال عن إسبانيا آخر مرة.
هذه النتائج تشير إلى أن أمام إسبانيا أسابيع، إن لم يكن شهورا من الجمود السياسي والمفاوضات، حيث ستحاول الأحزاب عقد الصفقات فيما بينها، وتحديد ما إذا كانت الحكومة الإسبانية القادمة ستتعامل مع اليمين أو اليسار.
ويقول مراقبون في مدريد إنه قبل أسبوع واحد فقط، كان حزب الشعب الإسباني يحلم بالحصول على 168 مقعدا، وتحقيق نصر ساحق يسمح له بحكم البلاد بمفرده، دون الحاجة إلى حزب فوكس اليميني المتطرف، لكن النتائج الانتخابية تشير إلى أنه لن يكون قادرا على تشكيل حكومة بمفرده أو من خلال التحالف مع حزب فوكس المتطرف. أما الاشتراكيون وحلفاؤهم فإن أمامهم العديد من الفرص والخيارات والتي تشمل التحالف وإبرام صفقات مع الأحزاب الإقليمية الأصغر للحكم، وإذا لم ينجح هذا الاحتمال، فسيتعين على إسبانيا التوجه مرة أخرى إلى صناديق الاقتراع.
ومن المقرر أن تبدأ مفاوضات الكتلتين لتشكيل حكومتين بعد انعقاد البرلمان الجديد في 17 أغسطس المقبل، وسيدعو ملك إسبانيا فيليبي السادس، زعيم حزب الشعب ألبرتو نونييس فيجو، لمحاولة تأمين رئاسة الوزراء، وإذا رفض فيجو، فقد يلجأ الملك إلى رئيس الوزراء الحالي بيدرو سانشيز، بنفس الطلب، ولا يحدد القانون موعدا نهائيا للعملية، ولكن إذا لم يحصل أي مرشح على الأغلبية في غضون شهرين من أول تصويت على رئيس الوزراء، فيجب إجراء انتخابات جديدة.
وقد شكر زعيم حزب الشعب فيجو، أولئك الذين ساعدوا حزبه على الفوز، وقال إنه يعتزم محاولة تشكيل حكومة في أقرب وقت ممكن، أما سانشيز الذي راهن على الانتخابات المبكرة بعد أن عانى حزب العمال الاشتراكي من هزيمة في الانتخابات الإقليمية والبلدية في مايو الماضي، فقد جادل بأن حزب العمال الاشتراكي وتحالف سومار، هما الوحيدان القادران على الدفاع عن الأجندة التقدمية التي اتبعها خلال السنوات الأربع الماضية وتقديمها.
ووفق المحللين، لا يوجد سيناريو يدعم فيه النواب الإسبان حكومة أقلية مؤلفة من الحزب الشعبي وفوكس، ولا يبدو أن فيجو يتمتع بالدعم الكافي بين الأحزاب الإقليمية الأصغر في البلاد، ليجمع الدعم الذي قد يحتاجه ليصبح رئيسا للوزراء وتشكيل حكومة جديدة، وتفتح النتيجة الباب أمام بقاء سانشيز في السلطة، حيث إنه يستطيع جنبا إلى جنب مع تحالف سومار اليساري بقيادة يولاندا دياز، تشكيل ائتلاف يسيطر على 153 مقعدا في البرلمان، ولكن من أجل الحكم، سيحتاج إلى إبرام صفقات مع مجموعة متنوعة من المجموعات السياسية ذات الأهداف المختلفة تماما.
ومن غير المرجح أن يتمكن سانشيز من الحصول على دعم 176 نائبا، مطلوب تأكيدهم كرئيس للوزراء في المرة الأولى التي يناقش فيها البرلمان الجديد هذه المسألة، لكنه قد يقدم عرضا خلال الجولة الثانية من التصويت، حيث يتعين على المرشح لرئاسة الحكومة الجديدة أن يحصل على مزيد من التأييد من أعضاء الأحزاب الأخرى وهو ما فعله عام 2019، فقد أصبح سانشيز رئيسا للوزراء نتيجة اتباعه لخارطة الطريق نفسها بعد عقد صفقات مع الأحزاب الإقليمية، وهذا يعني أنه سيتعين على الاشتراكيين في المشهد السياسي الجديد، البحث عن الدعم من القوميين الباسك والكتالونيين، ومن بينهم أولئك الذين ينتمون إلى حزب جونتس الذي ينتمي إليه الرئيس الكتالوني السابق كارليس بويجديمونت، الذي فر من إسبانيا في أعقاب استفتاء الاستقلال الكتالوني عام 2017، وانتخب لاحقا لعضوية البرلمان الأوروبي، وقد جردته محكمة عليا في الاتحاد الأوروبي مؤخرا من حصانته القانونية، مما يمهد الطريق لتسليمه إلى إسبانيا. وتقول مصادر في حزبه إن الحزب فهم نتيجة الانتخابات وسيستغل الفرصة، لكنها لن تدعم بيدرو سانشيز ليصبح رئيسا للوزراء دون مقابل.
وعلى الرغم من عقدها في ذروة فصل الصيف وفي خضم موجات الحرارة التي تجتاح العالم، فقد شارك أكثر من أربعة وعشرين مليون إسباني شخصيا في عملية الاقتراع، بينما اختار 2.4 مليون إسباني التصويت بالبريد، وذلك من بين 37 مليون إسباني تم تسجيلهم للتصويت، وقد كان ينظر لهذه الانتخابات على أنها استفتاء على سياسات رئيس الوزراء الحالي سانشيز، وأن الإسبان سيختارون فيها بين الاستمرار على نهجه وتوجهاته، والتغيير الذي تمثله المعارضة وقوى اليمين المتطرف التي تريد من الاتحاد الأوروبي أن يتخذ مواقف أكثر تشددا في كل شيء، من سياسة المناخ إلى الهجرة.
English
Français
Deutsch
Español
русский
हिंदी
اردو