تقرير لـ"بي بي سي" حول ما آلت إليه الاوضاع وخاصة الاقتصادية في سريلانكا بعد مرور عام على انتهاء حكم رئيسها السابق راجاباكسا
لندن في 18 يوليو /قنا/ بعد مرور عام على انتهاء حكم الرئيس السابق لسريلانكا غوتابايا راجاباكسا في يوليو عام 2022، واندلاع الاحتجاجات منذ أواخر العام 2021 جراء الأوضاع الاقتصادية المتردية والنقص الحاد في المواد الغذائية والوقود والأدوية في سريلانكا .
هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" القسم الإنجليزي، تنشر تقريرا حول ما آلت اليه الاوضاع في هذه الدولة الآسيوية ، حيث ذكرت أن الحياة في كولمبو، العاصمة المالية لسريلانكا، تبدو من الوهلة الأولى طبيعية بشكل خادع، ومن الصعب أن نتخيل أنه قبل عام واحد فقط، كانت هذه دولة تعاني من نقص هائل في الغذاء والدواء والضروريات الأخرى بعد نفاد العملات الأجنبية.
فالشوارع تعج بحركة المرور، والأماكن العامة والمطاعم مليئة بالسكان المحليين والسياح على حد سواء، في حين أن المتاجر تعج بالحركة، بعد أن كانت الطرق خالية وكانت وسائل النقل العام متوقفة تماما.
وكانت على سريلانكا العودة إلى تدابير حقبة وباء كورونا "كوفيد-19" مثل الدروس عبر الإنترنت والعمل من المنزل. لكن حتى هذا لم يكن عمليا بسبب انقطاع التيار الكهربائي، الذي استمر بعضه لمدة تصل إلى 13 ساعة في اليوم. كما كان هناك نقص في الغذاء والدواء والضروريات الأخرى، مما أدى إلى تفاقم الأزمة. مما اجبر السكان الوقوف في مثل هذه الطوابير الطويلة في ظل الحرارة الشديدة، الذي أدى إلى وفاة ما لا يقل عن 16 شخصا، معظمهم من كبار السن.
ولكن الآن، بعد عام واحد فقط، أصبح الغذاء والوقود والأدوية متاحين مرة أخرى، والمكاتب والمدارس والمصانع كلها مفتوحة، وعادت وسائل النقل العام للعمل. كما تشهد السياحة انتعاشا، وهي المصدر الرئيسي للعملات الأجنبية في البلاد، حيث سجلت قفزة في الإيرادات بنسبة 30 بالمئة مقارنة بالعام السابق.
ونقلت "بي بي سي" عن هيران كوراي، الرئيس التنفيذي لواحدة من أكبر الشركات العاملة في مجال السفر والضيافة في سريلانكا، "لقد كان الانتعاش ساحرا بالنسبة لنا، حيث أننا في العام الماضي لم نكن نعرف حتى ما إذا كانت البلاد ستنجو".
إلا أن هيئة الإذاعة البريطانية ذهبت إلى أنه على الرغم من هذه التطورات الايجابية، إلا أنه لايزال اقتصاد سريلانكا في وضع غير مستقر.
فلاتزال البلاد مثقلة بالديون المحلية والخارجية والتي تبلغ أكثر من 80 مليار دولار، وكانت سريلانكا قد تخلفت عن سداد ديونها الخارجية لأول مرة في تاريخها في العام الماضي. فقد تمكن رانيل ويكرمسينغ، الذي تولى منصب الرئيس بعد احتجاجات واسعة النطاق شهدت استقالة الحاكم آنذاك غوتابايا راجاباكسا من تأمين أموال من صندوق النقد الدولي بقيمة 2.9 مليار دولار. كان هذا أمرا حاسما لفتح قنوات تمويل أخرى وتخفيف نقص المواد الضرورية، لكن الأموال جاءت مع إصلاحات صارمة في السياسة الاقتصادية وسياسة الحوكمة. وتسعى البلاد حاليا إلى إعادة هيكلة ديونها المحلية والخارجية، وفقا لـ"بي بي سي".
وكان التركيز الرئيسي على إعادة هيكلة ديونها الخارجية البالغة 36 مليار دولار، ويشمل ذلك أكثر من 7 مليارات دولار من القروض من الصين، أكبر دائن ثنائي لسريلانكا.
وذكرت "بي بي سي" أنه من المرجح أن يكون لإعادة هيكلة الديون المحلية تأثير أكبر بكثير على الشعب السريلانكي، حيث يمثل الاقتراض المحلي حوالي 50 بالمئة من إجمالي ديون الدولة. ووافقت الحكومة السريلانكية مؤخرا على اقتراح لإعادة هيكلة هذه الديون، لكنها تعرضت لانتقادات شديدة لأنها تهدف إلى خفض معاشات العمال، بينما لن تتأثر البنوك، مما أدى إلى نشوب احتجاجات ضد المقترحات في كولمبو.
وأشارت هيئة الإذاعة البريطانية في تقريرها حول ما آلت إليه الأمور في سريلانكا الى أن السكان مازالوا يعانون، فالأساسيات متوفرة، ولكن لا يمكن للكثير تغطية تكاليفها، فهي أغلى من أي وقت مضى. وما يقرب من نصف الأسر السريلانكية تنفق حوالي 70 بالمئة من دخل الأسرة على الغذاء وحده، في حين أن أسعار المواد الغذائية والملبس والمسكن تستمر في الارتفاع.
كما تم رفع ضريبة الدخل بنسبة تصل إلى 36 بالمئة وألغي الدعم على كل شيء من الطعام إلى فواتير الأسرة، ومن القطاعات التي تأثرت كثيرا بعد رفع الدعم هي فواتير الكهرباء، التي ارتفعت بنسبة 65 بالمئة بعد إلغاء الدعم.
ونقلت "بي بي سي" عن مالاثي نايت، كبير الاقتصاديين في مؤسسة بحثية في سريلانكا أيضا القول: "إن العديد من العائلات من الطبقة الوسطى قد انزلقت الآن تحت خط الفقر".
ووفقا للبنك الدولي، من المرجح أن يستمر هذا لفترة من الوقت، حيث ذكر في تقرير له أنه "من المتوقع أن يظل الفقر أعلى من 25 بالمئة في السنوات القليلة المقبلة، بسبب المخاطر المتعددة على سبل عيش الأسر". وقدم هذا البنك قرضا بقيمة 700 مليون دولار لسريلانكا لدعم الميزانية، بما في ذلك 200 مليون دولار للفقراء والضعفاء.
وتطرقت "بي بي سي" إلى جذور المشكلة وأسبابها، والتي كانت تعزوها الحكومة السريلانكية إلى جائحة كورونا، التي أثرت بشدة على السياحة. إلا أن هيئة الإذاعة البريطانية ذكرت أنه على الرغم من أن الجائحة كانت عاملا إلا أن السياسات الاقتصادية الكارثية كانت مسؤولة بشكل أكبر، فقد كلفت التخفيضات الضريبية الكبيرة في عام 2019 الحكومة 1.4 مليار دولار من العائدات السنوية، وتسبب حظر استيراد الأسمدة الكيماوية في عام 2021 في نقص الغذاء المحلي.
وقالت الهيئة إنه في إطار الإصلاحات الاقتصادية التي تقوم بها سيرلانكا اقترحت الحكومة خصخصة المؤسسات المملوكة للدولة، من أجل خفض النفقات، حيث اقترحت خصخصة جهات مثل الخطوط الجوية السريلانكية وشركة التأمين السريلانكية وسريلانكا تليكوم، الشيء الذي أثار موجة جديدة من الاحتجاجات، لكن هذه المرة من قبل النقابات العمالية.
ونقلت "بي بي سي" كذلك عن أنوبا ناندولا، نائب رئيس اتحاد موظفي بنك /سيلان/قوله: "لا ينبغي للحكومة أن تضع عبء الإصلاحات على الطبقة العاملة بأجر والطبقة الوسطى المتأثرة بالفعل بالأزمة الاقتصادية". وشارك ناندولا ونقابته في مظاهرة أخيرة ضد اقتراح خصخصة شركة التأمين السريلانكية، حيث يعتقد أن الخصخصة ستؤدي إلى خسائر فادحة في الوظائف وتزيد من عبء الطبقة العاملة.
كما نسبت الهيئة لبهافاني فونسيكا، الباحث البارز في مركز "بدائل السياسة" في كولمبو القول، تحتاج الحكومة إلى أن تكون شفافة وأن تشرح أن إعادة تشكيل الاقتصاد ستكون صعبة، مضيفا "أعتقد أن الناس منذ وقوع الأزمة قد اعتادوا على أسلوب حياة أكثر صعوبة. ولكن في ظل غياب المعلومات، وفي ظل عدم تقديم إجابات، هناك حالة متزايدة من عدم اليقين والخوف من أننا سنعود إلى نقطة الأزمة".
English
Français
Deutsch
Español
русский
हिंदी
اردو