الأبعاد الروحية والاجتماعية لفريضة الحج
الدوحة في 25 يونيو /قنا/ تتميز فريضة الحج عند المسلمين عما عداها من الفرائض التي كتبها الله على عباده بأبعاد روحية واجتماعية خاصة، فقد فرض الله سبحانه وتعالى الحج على كل مسلم بالغ، عاقل، قادر، ليكون في معية الله سبحانه وتعالى قلبا وقالبا، وليتمكن من أداء هذه الفريضة وهو يعيش معانيها، ويعي ما يفعل ويستشعر الحكمة من كل نسك يؤديه ليكسب خيري الدنيا والآخرة.
ورغم أن رحلة الحج فيها الكثير من المشقة والصعوبات، إلا أن الحاج يشعر براحة نفسية عجيبة إذا أداها بالشكل الصحيح واستشعر مناسكها، ولكي تؤتي هذه الشعيرة ثمارها وأهدافها المرجوة، فإن الحاج يستعد لها ويهيئ نفسه لأدائها وذلك بتعلم مناسكها وأركانها وأحكامها.
وأول ما يظهر من المعاني العظيمة للحج أنها أكبر تجمع بشري سنوي في العالم، يلتقي فيه الناس من مشارب شتى في مشارق الأرض ومغاربها، بأجناسهم المتنوعة وعرقياتهم المختلفة ولغاتهم المتعددة، بلباس أبيض دون أي مخيط، يخفي كل الفروقات والطبقيات، ليقربهم من الفكرة الجامعة التي يهدف إليها، والكل يشدو بهتاف واحد: لبيك اللهم لبيك.
والكعبة المشرفة هي أول بيت وضع للناس، وموئل تلك الحشود الذين يتعانقون عندها بأفئدتهم قبل أجسامهم، وعندها يبدأ حشود الحجاج نسكهم بداية من الإحرام كل بحسب ميقاته، ثم الطواف والسعي مرورا بمنى ثم الوقوف بعرفة ركن الحج الأعظم، يتبعه مزدلفة فرمي الجمرات ثم الهدي والتحلل وآخرها طواف الإفاضة، خطوات متتابعة بانتظام ونسق عجيب.
ومما يميز هذه الفريضة أنها امتحان يختبر صبر الفرد ومدى تحمله للشدائد، وهو بطبيعة الحال يذكره بالعاقبة والآخرة، حيث يتخلى الناس عن كل شيء، ويتساوى الغني والفقير، وهناك تنطلق الفعاليات الروحية بالطواف وأشواطه السبعة، وفيه ينتظر الجميع دوره دون سباب ولا صياح، عند الفراغ والزحمة، بحركة انسيابية، فكلها شعائر تحتاج بذلا ونفسا طويلا واستعدادا كبيرا.
وأسمى ما يميز هذه الشعيرة، ما يتجسد على صعيد عرفة في يوم الحج الأكبر الذي يجتمع عنده الملايين يرفعون أكفهم عسى أن تنالهم الرحمات الربانية، تذكرهم بأن الإسلام صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة، فهو النسب الوحيد الذي يجمعهم، ويسقط ما عداه من الفوارق المادية والاجتماعية، فهذا الملتقى يجمعهم بعد أن فرقتهم الدول والثقافات والأسماء والألقاب والأموال والمناصب.
ويستحضر الحجيج عبق التاريخ هناك، فيذكرهم بيت الله الحرام بالنبي إبراهيم عليه السلام الذي بناه ودعا لمن يسكن قربه بالرزق، بينما يذكرهم السعي بين الصفا والمروة بحركة هاجر زوجة النبي إبراهيم للحصول على ماء لابنها إسماعيل، وكيف كافأها الله بماء زمزم على صبرها وحيدة في تلك الأرض المقفرة، فهي دعوة بأن خطوات المرء لابد أن تسلك المجالات المفيدة، ليكون سعيه في سبيل الخير، وتجنبا لطريق الشر.
أما الهدي وذبح الأضحية ففيه إشارة إلى النبي إسماعيل الذبيح الذي فداه الله، واختبار أبيه إبراهيم عندما أسلما لله الأمر وانتصرا على هواجس الأبوة وعواطفها، دون إغفال ما لهذه الشعيرة من دور بمساعدة المحتاجين، خصوصا وأن العقود الأخيرة أصبح فيها إيصال لحوم الهدي والأضاحي لبقاع مختلفة من العالم أمرا ميسورا، انطلاقا من مبدأ محبة المسلم لأخيه المسلم، وإسهاما بإغاثتهم ودعمهم.
وهناك يغسل الناس أدرانهم بمعين التقوى والتجرد برجاء العودة إلى النقاوة والطهر، امتثالا لقول النبي عليه الصلاة والسلام "فمن حج ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه"، وهي إشارة إلى ضرورة التخلي عن ملاهي الدنيا وتجنب ما يشين النفس من المنكرات، وتعظيم حرمات الله عز وجل، وأن التغيير الداخلي في حياة الإنسان وسلوكه، هو أولى المراحل للتحول، عدا عن كونه ضرورة ووسيلة من وسائل التغيير الخارجي لحركة المجتمع.
وتنفرد شعائر هذه الفريضة في أنها عبادة يشترك فيها الجسد واللسان والقلب وتبذل لأجلها الجهود والأموال وينتقل بها المسلم من مكانه إلى مكان آخر، وتؤدى بتعب وصبر وانضباط دون فوضى أو عشوائية، وعلاوة على ذلك فمناسكها رياضة بدنية إلزامية، لا ينفع معها تكاسل أو تقاعس.
في هذا السياق، يؤدى النسك طاعة لله الذي شرعه وأمر به، تسليما لأوامره واتباعا لهدي نبيه عليه الصلاة والسلام، قال تعالى: يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون ? النحل: 50، وإخلاص النية لله تعالى وتوخي الدقة في أداء تلك المشاعر وكأنها رسالة إلى ضرورة أن يتحلى المسلم بالطاعات في كل جزئية من الحياة ويفعلها حتى لو لم يفهم معناها وحكمتها.
حتى الحيوان والنبات هناك له نصيب، إذ يؤمر الحجيج بعدم الصيد ولا العبث بالزروع ولا قطف الثمار، متجردين من كل الأغراض الدنيوية والغايات الحياتية، فأي عمل مخالف خلال المناسك يحبط العمل ويبطل أجر الفريضة.
يتيح هذا الموسم السنوي فرصة سانحة لتصحيح المسار، واستثمار الوقت واغتنام فضيلة المكان، فهي لا تحصل في العام إلا مرة واحدة، ولا يطالب بها المسلم إلا مرة واحدة في العمر، فكلما كان أداؤها منضبطا بروحية متوقدة، كلما انعكست إيجابياتها على مختلف الجوانب التربوية الأخرى التي تتشكل من مجموعها شخصية الإنسان المسلم.
ويذكرنا الحج بأهمية توحيد بوصلة المسلمين لينصر بعضهم بعضا ويوقفون ما يفرقهم من النزاعات والعصبيات، وإلى جانب تقريب المواقف، فإن موسم الحج يعزز قدرة القيادات الدينية الإسلامية على التفاهم والتعاون، وتوفير منصة للتلاقح الفكري وبحث القضايا الضرورية التي تحتاجها المجتمعات المسلمة، فهي فرصة لتشجيع الحوارات البناءة ذات التفكير المستقبلي وتطوير نهج تجديدي للتوافق مع مقاصد الشريعة، كما أنه مسرح هام لبث أفكار السلام والتسامح والتفاهم، وتوجيه المقترحات للقيادات السياسية لمواقف جامعة تنهض بالأمة وشعوبها.
English
Français
Deutsch
Español