اليوم العالمي لمكافحة عمل الأطفال: نحو تحقيق العدالة الاجتماعية وحماية حقوق الطفولة
الدوحة في 12 يونيو /قنا/ ما زال هناك حوالي 160 مليون طفل ينخرطون في سوق العمل العالمي، وبعضهم لم يتجاوزوا سن الخامسة. وعلى الرغم من الجهود الدولية التي بذلت للحد من عمالة الأطفال خلال السنوات العشرين الماضية، إلا أنه لا يزال من الضروري تشريع نظم الحماية الاجتماعية من قبل الحكومات لمكافحة الفقر والعوز، والقضاء على عمالة الأطفال ومنعها، وزيادة الاستثمار في نظم الحماية الاجتماعية الشاملة.
وتعتبر الحماية الاجتماعية القانونية أداة سياسية فعالة لمنع الأسر من اضطرارها لاستخدام أطفالها في العمل خلال فترات الأزمات. وتشير الأرقام التي أعلنتها الأمم المتحدة إلى أن 46.9 في المائة فقط من سكان العالم يتمتعون بأنظمة حماية اجتماعية فعالة، وهذا منذ عام 2020 قبل انتشار أزمة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19). ومع ذلك، لا يزال هناك 53.1 في المائة المتبقية، أي ما يصل إلى 4.1 مليار شخص، يعيشون بدون الحماية الاجتماعية الضرورية.
وبحسب تقارير منظمة العمل الدولية ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسف"، تم إحراز تقدم كبير في الحد من عمالة الأطفال على الصعيد العالمي في العقدين الماضيين، إذ انخفضت عمالة الأطفال بمقدار 85.5 مليون بين عامي 2000 و2020، أي من 16 في المائة إلى 9.6 في المائة، حيث يتلقى 26.4 في المائة فقط من الأطفال في جميع أنحاء العالم مزايا نقدية للحماية الاجتماعية.
لكن هذه الأرقام بدون استراتيجيات التخفيف والمتابعة، يمكن أن ترتفع بمقدار 8.9 مليون، بسبب ارتفاع الفقر وزيادة الضعف، إذ يلتحق طفل واحد بين أربعة أطفال بين 5 و17 سنة، في أعمال تعتبر مضرة بصحتهم ونموهم، في أقل البلدان نموا، ويوجد في مناطق أفريقيا وآسيا والمحيط الهادئ معا ما يصل إلى تسعة من كل عشرة أطفال مصنفين ضمن ظاهرة عمالة الأطفال.
وتحتل أفريقيا المرتبة الأولى بعدد الأطفال الملتحقين بأعمال مخصصة للبالغين، حيث يصل عددهم إلى 72 مليون طفل، بينما تحتل منطقة آسيا والمحيط الهادئ المرتبة الثانية، حيث يصل العدد إلى 62 مليون طفل، بينما تبلغ الأعداد في الأمريكيتين 11 مليونا، وفي أوروبا وآسيا الوسطى 6 ملايين، وفي الدول العربية نحو مليون طفل.
وبحسب المنظمات الدولية المعنية، فإن مخاطر عمالة الأطفال وتشغيلهم تظهر انعكاساتها السلبية، من خلال الشيخوخة المبكرة والاكتئاب وسوء التغذية واللجوء للمواد الممنوعة، فضلا عن تهميشهم ونشوئهم في ظروف مهينة بعيدة عن جميع المبادئ والحقوق الأساسية للبشر، وتمتد المخاطر إلى الحرمان من التعليم وحل الأمية والتخلف وبالتالي لن يتمكن من النمو بشكل طبيعي في حياته الاجتماعية والمهنية.
وإذا أشرنا إلى المخاطر المحدقة بهم، فمن الواجب الحديث عن طرق الوقاية من عمالة الأطفال، وتكمن باتباع أدوات عديدة، وأولها نشر التوعية الكافية بأضرار استغلال الأطفال في أعمال تفوق قدراتهم ولا تناسب أعمارهم، وتفتقر للشروط الواجبة التي تكفل حمايتهم، عبر إنشاء نشاطات مجتمعية تهدف لتثقيف المجتمعات بأهمية حقوق الطفل، سواء أكانت المؤسسات الراعية حكومية أم غير حكومية.
ومن الضروري أيضا وضع قوانين أكثر تشديدا وتنفيذها بشكل فعال، واتباع سياسات يلتزم بها الإعلام والمواطنون وأعضاء المجتمع المدني، ومنها قوانين حماية الأطفال من الاتجار غير الأخلاقي، على أن تشارك المؤسسات غير الحكومية مع السلطات بتفعيل تنفيذ القوانين الداعمة لحقوق الأطفال. ومنها الحرص على إرسال الأطفال جميعهم إلى المدارس، من خلال إجراء المبادرات التي تعزز التحاق الأطفال بالمدارس، والتي تهتم بالأطفال المعرضين لخطر التسرب من المدرسة، إضافة لإنشاء بيئات صديقة للمتعلمين في الأحياء الفقيرة والقرى، واستخدام طرق تعليم أكثر تفاعلية، بالإضافة إلى تمويل البنيات التحتية لمؤسسات التعليم؛ كأجهزة الحاسوب والأجهزة الرياضية ومراكز التعلم المتنقلة والمكتبات.
ويلحق بها، توفير قوى عاملة كافية من البالغين للأسواق التي تعاني من نقص الأيدي العاملة، من خلال توثيق العلاقة القائمة ما بين قوة المستهلكين والشركات لدفعهم على إحداث تغيير اجتماعي فعال، وإنشاء أسواق للسلع المنتجة من غير عمالة الأطفال مع تمييزها بعلامة تجارية، فقد توفر هذه العلاقة مع أرباب الأعمال التأثير اللازم لتغيير سلوك هذه الشركات وممارساتها، مما يجعل مبدأ عدم تشغيل الأطفال أحد متطلبات السوق لمنتجيها.
أما على الصعيد التعليمي، ينبغي على المؤسسات التربوية والتعليمية، اتباع إجراءات صارمة وجدية حيال إيقاف ظاهرة عمالة الأطفال ومحاربة انتشارها، من خلال حث المعلمين على مراقبة توجهات الطلبة والتفتيش الدائم على وجود الأطفال في المدارس، مع خلق محفزات للتغيير في النظام التعليمي، والتواصل الحثيث مع أولياء الأمور واستشارتهم بكيفية متابعة الأطفال عن كثب.
أما الأسرة فيقع عليها العبء الأكبر نحو الأطفال التي تصنف حالتهم التعليمية بالضعيفة، وجعل العملية التعليمية أكثر متعة بابتكار وسائل متنوعة تحثهم على التعلم، ناهيك عن معالجة صعوبات التعلم لدى الأطفال، والتأكد من أن احتياجات الطفل الأساسية الخاصة به تم تلبيتها، دون إغفال توعية الأطفال حول مخاطر العمالة في الشارع وشرح وسائل الدفاع عن أنفسهم.
كما ينبغي الوقوف عند مدى التزام أصحاب العمل والشركات بمعايير حقوق الإنسان وقوانين منع تشغيل الأطفال، فثمة مسؤولية على السلطات بإدامة التواصل والمراقبة في آن واحد بشأن التشريعات، بالإضافة لتشجيع أعضاء هذه المنظمات على الامتناع عن تشغيل الأطفال وأن يكونوا أكثر وعيا بسياسات التوظيف لمورديهم.
وفي البلاد العربية، ما زالت نسبة كبيرة من الأطفال يعملون في المزارع والحقول والمصانع والمحاجر، وتقول منظمة العمل الدولية إن البلدان العربية شهدت خلال الأعوام الأخيرة موجات عدة، بسبب النزاعات المسلحة والنزوح السكاني، التي أطلقت بدورها موجات جديدة من عمل الأطفال، علاوة على مشكلة هشاشة كثير من الاقتصادات العربية ونقص فرص التعليم والمعايير والأعراف الاجتماعية المؤاتية.
وليس الفقر وحده الدافع لعمل الأطفال، فهناك أطفال يعيشون في مناطق الصراعات والحروب، يصبحون ضحية للفقر والتهديدات الصحية والأمنية والضرر الذي لحق بنظام التعليم، فيجد الطفل نفسه مجبرا على الانخراط في أنواع جديدة من الأنشطة المواكبة لحالات النزاع المسلح مثل تهريب السلع وجمع النفايات النفطية وجمع الأشلاء ودفنها وجلب المياه وجمع الطعام من الحقول ومكبات النفايات.
وتشير دراسة صدرت عن المنظمة بالتعاون مع جامعة الدول العربية إلى أن العمل في الأسرة من دون أجر هو الأكثر شيوعا بين الأطفال في عمر 15 إلى 17 سنة وبين الذكور تحديدا، والذين هم أيضا يعملون لعدد ساعات أكبر من الإناث، كذلك فإن الأطفال العاملين الذين يرتادون المدارس يميلون للعمل لساعات أقل من الذين لا يذهبون إلى المدارس.
أما في دولة قطر، ووفقًا لوزارة التخطيط التنموي والإحصاء، تُشير الإحصاءات المحلية إلى عدم وجود أي عمالة أطفال في الفئة العمرية دون 16 سنة في دولة قطر. وأكدت الوزارة، في بيان صادر بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة عمل الأطفال، انتفاء الأسباب التي تدفع الأسر إلى تشغيل أطفالها في أعمال قد تضع أعباء ثقيلة على الأطفال وتهدد سلامتهم وصحتهم ورفاهيتهم.
كما أبرزت وزارة التخطيط التنموي والإحصاء القوانين الصارمة التي وضعتها الدولة، للحفاظ على حقوق الأطفال، وضمان حياة كريمة وصحية لهم، بالإضافة إلى الجهود المؤسسية والمراكز الاجتماعية المشرفة، التي تعمل على توفير أقصى حماية اجتماعية وصحية وبيئية وتعليمية للصغار.
English
Français
Deutsch
Español