الحفاظ على غابات الأمازون مهمة عالمية لحماية المناخ والتنوع البيولوجي
الدوحة في 08 مايو /قنا/ تتكاتف جهود عالمية لوقف استنزاف غابات الأمازون التي تمثل المعين الأولى للبيئة النظيفة في العالم، وسط تحذيرات دوليةمن خطر داهم، فأكبر غابة ماطرة استوائية في العالم في مرمى الاستهداف بإزالة غاباتها بصورة غير شرعية أو بالحرائق التي استنزفت كثيرا من مساحاتها، وهو ما من شأنه أن يؤدي إلى انتقال كميات هائلة من غازات الاحتباس الحراري التي تؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض.
وتضم غابات الأمازون نحو 40 ألف نوع من النباتات، و2.5 مليون نوع من الحشرات، وأكثر من ألفي نوع من الطيور والثدييات، بنسبة تبلغ 10 بالمئة من جميع أنواع النباتات والحيوانات المعروفة بوجودها على كوكبنا، وتتوزع على مساحة تقدر بـ6.7 مليون كيلومتر مربع، تمتد في 9 دول في أمريكا الجنوبية، وهي البرازيل، بوليفيا، كولومبيا، الإكوادور، غيانا الفرنسية، غوايانا، بيرو، سورينام وفنزويلا، لكن البرازيل وحدها تستحوذ على 60 بالمئة منها وتتحمل العبء الأكبر في استدامة إنتاجها.
ويلخص الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا مشكلة الأمازون، بافتقار بلاده إلى الدعم الدولي المطلوب لحماية غاباتها بعد سنوات من الإهمال، وقال سيلفا خلال لقائه الملك تشارلز في لندن على هامش حفل تنصيبه، إن الملك أوصاه بحماية الأمازون، فأجابه بكل بساطة أن البرازيل بحاجة إلى دعم دولي للمشاريع المطلوبة، ما دعا رئيس الوزراء البريطاني ريتشي سوناك للتبرع بنحو 80 مليون جنية استرليني، أي ما يزيد قليلا عن مئة مليون دولار، لدعم جهود البرازيل في توفير الاحتياجات اللازمة لحماية الأمازون.
وبحسب دراسة جديدة نشرتها دورية (Communications Earth & Environment) الشهر الماضي، فإن حرائق الغابات في حوض الأمازون دمرت 519 ألف هكتار من الغابات في الفترة بين 19 مايو و31 أكتوبر 2021، وهذا أدى بدوره إلى فقدان البرازيل معظم الغطاء الحرجي بسبب تلك الحرائق، مشيرة إلى أن كل هكتار يتم حرقه من غابات الأمازون، يتسبب في انتشار أمراض يكلف علاجها ما لا يقل عن مليوني دولار أمريكي.
ووفقا للدراسة -وهي الأولى من نوعها لتحديد قدرة الغابات على امتصاص الملوثات- فإن بإمكان صيانة غابات الأمازون المطيرة منع الآلاف من حالات أمراض الجهاز التنفسي القاتلة وأمراض القلب والأوعية الدموية وتقليل تكاليف الرعاية الصحية، بقدرتها على امتصاص ما يصل إلى 26 ألف طن متري من الجسيمات كل عام من خلال المسام الموجودة على أسطح الأوراق، وخصوصا دخان الحرائق ومخلفاتها، وتعد حرائق الغابات مسؤولة عن 90 بالمئة من الانبعاثات العالمية للجسيمات التي تطلقها الحرائق، بما في ذلك تلك التي تحدث في حوض الأمازون.
ويسلط موقع Rainforest Trust المتخصص بالغابات، الضوء على ما يمكن أن توفره الأشجار والحيوانات النادرة في الأمازون من علاجات وأدوية لكثير من الأمراض والفيروسات الحالية والمستقبلية، ناهيك عن التوازن البيئي والمناخي في كوكبنا، بينما يشير تقرير لمنظمة الحياة البرية العالمية إلى أن منطقة الأمازون فقدت أكثر من 17 في المئة من غاباتها خلال الخمسين سنة الأخيرة.
ومنذ العام 2020، احتشدت أكثر من 20 مؤسسة استثمارية حول العالم، في إطار السعي لإنقاذ غابات الأمازون من القطع والاستغلال بشكل غير شرعي وتوفير النشاط البيئي الذي يكفل ديمومتها، لكن النتائج كانت دون الطموح، بسبب بعض التغاضي عن جشع تجار الأخشاب وشركات الأثاث، ومزارع فول الصويا، وتربية الماشية التي تعتاش على إزالة الغابات المطيرة، وفقا لمنظمة السلام الأخضر.
وتهدف الجهود العالمية لتعزيز الدور الحيوي لغابات الأمازون المطيرة في تنظيم مناخ الكرة الأرضية، والحفاظ على التنوع البيولوجي العالمي، وتوفير خدمات النظم البيئية الأساسية للبشر، فقد ساهمت غاباتها في امتصاص كميات هائلة من ثاني أكسيد الكربون، بيد أن التساهل عطل الجهود العالمية.
وبعد فوز لولا دا سيلفا برئاسة البرازيل نهاية العام الماضي، ارتفع سقف الطموحات، وبدأت الأمور تتغير وإن كانت بخطوات ضعيفة، فقد تم تفعيل عمل وكالة البيئة "إيباما" في ولاية بارا ذات الغابات المطيرة لمنع قاطعي الأشجار ومربي الماشية من إزالة الغابات بشكل غير قانوني، لوقف عمليات التوغل في الغابة وفرض غرامات على أولئك الذين يتم إمساكهم بجريمة قطع الأشجار.
وفي هذا السياق، ثمة إشارة مهمة لدراسة دولية مختصة منشورة على موقع "يوريك ألرت (EurekAlert)، بشأن أهمية الاعتراف بحقوق السكان الأصليين في غابات الأمازون، ودورهم في نموها وصيانتها والمحافظة عليها، فقد أشارت الدراسة إلى المناطق التي اعترفت السلطات البرازيلية بالحقوق القانونية لسكانها الأصليين - وهي 5 أقاليم فقط حتى الآن، تمتاز عن غيرها من التجمعات الحضرية، بأن غاباتها لديها أعلى نسبة امتصاص لجسيمات دخان الحرائق بنسبة تصل إلى 27 بالمئة، وتشمل الأقاليم الخمسة، 383 منطقة معترفا بها للسكان الأصليين، وتمتد على مساحة تزيد على مليون و160 ألف كيلومتر مربع.
وتقول نتائج الدراسة إن حماية السكان الأصليين وغاباتهم والاعتراف بحقوقهم مثل توفير الرعاية الصحية العامة، تزيد من إمكانية حماية مناطق الغابات الكبيرة من حرائق الغابات، وما يجاورها من المناطق على بعد 500 كيلومتر من مناطق حدوث الحرائق.
وأظهرت دراسة نشرت في مجلة Nature أن منطقة الأمازون كانت مسؤولة عن جلب الأمطار إلى المنطقة المحيطة، إذ يسقط على منطقة الأمازون سنويا 15.400 كيلومتر مكعب من الأمطار، وهو أعلى معدل لتساقط الأمطار في العالم، وأن إزالة الغابات قللت من مستوى هطول الأمطار حتى على المناطق المجاورة لها بنسبة 25 بالمئة، وهذا تسبب بازدياد الجفاف وهدد إمدادات الغذاء ومياه الشرب.
وتلفت "ناشيونال جيوغرافيك" الأنظار إلى دور أحد أهم الكائنات في مجاري نهر الأمازون، وهي طحالب الدياتوم، إذ تقول إن هذه الكائنات التي تعيش على استهلاك عنصر السيليكون، تعد مصدرا سريا لتزويد الأرض بالأكسجين، الذي تنتجه بعملية التركيب الضوئي، تقدره دراسات علمية بنحو 20 في المئة من كمية الأكسجين في الأرض.
وهنا لا بد من الإشارة إلى العلاقة بين غابات الأمازون وبين الصحراء الأفريقية، إذ خلصت دراسة علمية أجراها فريق بحثي تابع لوكالة الفضاء الأمريكية "ناسا" بالاستناد إلى رصد أقمارها الاصطناعية، ونشرت عام 2015، إلى وجود علاقة بين أكثر مناطق الأرض جفافا، أي الصحراء الأفريقية الكبرى، مع أكثرها رطوبة وأمطارا استوائية، وهي منطقة الأمازون.
وتمكن علماء "ناسا" لأول مرة من بناء نموذج ثلاثي الأبعاد يوضح حركة الغبار القادمة من الصحراء عبر المحيط، وقياس كمية الغبار وسرعتها وكميات الفسفور فيها، إذ تعتمد الحياة النباتية في الأمازون على ما يحمله الغبار والأتربة القادمة من أفريقيا من مغذيات "Nutrients" لتربة الأمازون الفقيرة لهذه العناصر التي تمنح الأرض خصوبتها، بينما تتسبب سيول الأمطار الدائمة والأنهار بتجريف تربتها باستمرار، فيعيدها الغبار القادم من أفريقيا إلى نشاطها.
ولذا تمثل غابات الأمازون رئة الأرض أو قلب الأرض النابض كما يحلو لبعض العلماء تسميتها، بسبب دور ملايين الأشجار في منطقة الأمازون في العمل كمضخة حيوية ضخمة تولد دورة حركة مياه تحافظ على المناخ في كوكبنا.
English
Français
Deutsch
Español