ارتفاع أسعار الغذاء عالميا وانعكاساتها على الدول العربية والإسلامية خلال رمضان
الدوحة في 05 أبريل /قنا/ شكل ارتفاع أسعار الغذاء في عموم الدول العربية والإسلامية، خلال السنوات الأخيرة تحديا كبيرا، أرهق موازناتها، وألقى بظلاله على الأمن الغذائي لمنطقة يقترب عدد سكانها من ملياري نسمة.
ويحل شهر رمضان المبارك هذا العام في وقت عانت فيه جميع اقتصادات الدول الإسلامية تقريبا من مستويات من التضخم لم تسجل منذ سنوات، إذ كشف برنامج الغذاء العالمي منذ أيام عما وصفها بـ"أكبر أزمة أمن غذائي" في العصر الحديث مع تجاوز الزيادة في أسعار المواد الغذائية المحلية بـ 68 دولة، 15 في المئة خلال العام الجاري، كون هذه الأسعار مازالت عند أعلى مستوى لها خلال 10 سنوات، على الرغم من انخفاضها الطفيف في الأشهر الأخيرة.
ونتجت هذه المستويات من التضخم عن تراكمات متعددة الأوجه، بدءا من الأزمة المالية العالمية 2007 الناجمة عن فقاعة الرهن العقاري بالولايات المتحدة الأمريكية، وتفشي جائحة كوفيد-19 في 2020، ثم الحرب الروسية الأوكرانية في 2022 التي تعمقت معها أزمة ارتفاع أسعار سلع وخدمات ضرورية مثل الطعام والتدفئة والنقل والإقامة في العديد من الدول لاسيما الإسلامية التي تعتمد بنسبة 70 في المئة من احتياجاتها من الحبوب على روسيا وأوكرانيا.
وفي هذا الصدد، حذرت هيئات ومنظمات دولية من عواقب وخيمة على الأمن الغذائي في مناطق عدة من العالم الإسلامي مع استمرار الصراع في أوكرانيا، الذي دخل مؤخرا عامه الثاني دون أفق واضح للحل، ودون مؤشرات على عودة الأسعار إلى ما كانت عليه، مرجحة أن التعافي من تداعياتها على الأمن الغذائي خصوصا خلال العام المنصرم، سيتطلب وقتا طويلا ولن يتم بمجرد انتهاء الحرب.
بدورها سلطت وكالة الأنباء القطرية "قنا"، الضوء في لقاءات مع متخصصين على مجمل هذه التحديات تزامنا مع الشهر الفضيل، حيث قال الدكتور حسن لطيف كاظم أستاذ التنمية الاقتصادية بجامعة الكوفة ومدير مركز الرافدين للحوار بالعراق، إن عددا من الدول الإسلامية تعد منخفضة الدخل نسبياً بسبب ارتفاع أسعار الغذاء، وذلك للأهمية النسبية العالية لهذا المكون في مؤشر أسعار الأغذية الذي يشير إلى التغير الشهري في الأسعار الدولية لسلة السلع الغذائية الأساسية، ويحسب على أساس متوسط مرجح لمؤشرات أسعار مجموعة من السلع الضرورية.
وأضاف أن "تضخم أسعار الغذاء في الدول النامية عندما يتزامن مع انخفاض في قيمة العملات الوطنية مقابل الدولار الأمريكي، يؤدي إلى مزيد من تدهور مستويات المعيشة، ويزيد من معدلات تدهور الأمن الغذائي وارتفاع في نسب الفقر في هذه البلدان وغيرها من البلدان الإسلامية منخفضة ومتوسطة الدخل".
ورأى أنه مع الصعوبات التي تواجهها بعض الحكومات في الدول الإسلامية، هي أن قدرتها على زيادة إنفاقها لدعم الأغذية تبدو محدودة جدا؛ بسبب مشكلات موازناتها العامة نتيجة ارتفاع العجز المالي أصلا، وقد تبدأ موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية في رمضان الجاري، كما يتوقع أن يطال ذلك أسعار اللحوم ومنتجات الألبان والحلويات.
وأكد أن احتمالات التصعيد في أوكرانيا تهدد بمزيد من ارتفاع الأسعار لاسيما وأن روسيا وأوكرانيا هما من كبار منتجي الحبوب والأسمدة، فضلا عن أن التصعيد المحتمل في الربيع يهدد قدرة أوكرانيا وربما روسيا أيضا على تصدير الحبوب، وقد تزداد الصعوبات بانتهاج المزيد من السياسات التجارية التقييدية عبر العالم. فيما تبدو بعض البلدان الإسلامية التي تعاني من عدم الاستقرار مرشحة لمعاناة أكبر لاسيما أفغانستان وسوريا والصومال واليمن.
من جهته، قال المستشار المالي السيد رمزي قاسمية، إن التغيرات المناخية المتمثلة في موجات الجفاف والصقيع، وفرض بعض الدول المنتجة للمحاصيل الزراعية رسوما على التصدير، بالإضافة لتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، أدت مجتمعة إلى ارتفاع أسعار معظم السلع والمواد الغذائية ووصولها إلى مستويات غير مسبوقة، حيث تشكل روسيا وأوكرانيا مصدراً مهما لتصدير المحاصيل الزراعية إلى كافة دول العالم وخاصة منها العربية والإسلامية.
وقال "بالكاد بدأت دول العالم تتعافى من تداعيات جائحة كورونا وتأثيراتها على سلاسل التوريد في ذلك الوقت، لتأتي الحرب الروسية – الأوكرانية وتضيف مزيداً من الصعوبات والعراقيل أمام سلاسل التوريد وانسيابية السلع للأسواق العالمية، يضاف إلى ذلك المضاربات في أسواق السلع العالمية، وكذلك ارتفاع أسعار النفط وبالتالي زيادة تكاليف الإنتاج سواء النقل أو الحصاد، الأمر الذي انعكس على أسعار معظمها".
وأضاف أنه على سبيل المثال وصل مؤشر أسعار الغذاء الصادر عن منظمة الفاو للأغذية الذي يتتبع الأسعار العالمية للسلع الغذائية الأكثر تداولا حول العالم مطلع عام 2022 إلى أعلى مستوياته منذ عام 1990، قبل أن تبدأ بالتراجع بعدها مع انحسار تلك المخاوف بعد التوصل لاتفاقية مع أوكرانيا لتصدير الحبوب برعاية الأمم المتحدة وتحسن إنتاج عدد من الدول.
ورأى أن تأثير تلك الارتفاعات في أسعار الأغذية على اقتصاديات الدول العربية والإسلامية يمكن النظر إليها من جانبين: الأول جانب سلبي يتمثل في ارتفاع فاتورة السلع الأساسية المستوردة مثل الحبوب، اللحوم، السكر والزيوت النباتية. حيث تواجه بعض الدول العربية وخاصة ذات الكثافة السكانية مصاعب مرتبطة بالأمن الغذائي لشعوبها، في ظل الارتفاعات العالمية للأسعار، الأمر الذي أدى لتفاقم العجز في موازنات تلك الدول من جهة ومواجهة صعوبات اقتصادية تتمثل في تأمين العملات الصعبة لتوفير حاجات شعوبها من تلك السلع، وخروج مستويات التضخم عن السيطرة من جانب آخر.
كذلك تفاقم العجز في الميزان التجاري نتيجة الزيادة في أسعار الغذاء والطاقة، كما كشفت بعض الإحصاءات عن ضعف وانعدام الأمن الغذائي لبعض الدول، فباستثناء دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، تواجه عدد من الدول العربية صعوبات ترتبط بالاحتياطيات الاستراتيجية والتي بالكاد تصل إلى 3 أشهر في بعض الأحيان.
ورأى أن تلك الظروف مجتمعة دفعت بمعظم الدول العربية- باستثناء الخليجية منها- الى إعادة النظر في أولويات إنفاقها وتوجيه جزء من مواردها إلى دعم الأسعار بهدف المحافظة على الأمان والاستقرار الاجتماعي وتأجيل الإنفاقات الرأسمالية غير الملحة.
وفي الاتجاه الآخر رأى قاسمية، أن ارتفاع أسعار الغذاء كانت له بعض الآثار الإيجابية تمثلت في ارتفاع أرباح الشركات المنتجة والمصدرة للأسمدة ووصول أسعارها لمستويات تاريخية، كما حدث في شركات الأسمدة في المغرب والأردن مثلاً وتحقيقها أرباحا غير مسبوقة، حسنت من موارد الدولة سواء من خلال الضرائب المقتطعة على الأرباح أو من خلال مساهمتها المباشرة في تلك الشركات.
وكانت توقعات لمنظمة الأغذية والزراعة /فاو/ قد أفادت في نوفمبر الماضي بأن فاتورة الواردات الغذائية العالمية سترتفع إلى 1.94 تريليون دولار خلال عام 2022، وهو رقم أعلى مما كان متوقعا في السابق، مشيرة إلى أن ارتفاع الأسعار وانخفاض قيمة العملات سيثقل كاهل القوة الشرائية للبلدان المستوردة، وسيؤدي إلى تزايد مشكلة إمكانية حصول هذه البلدان على المواد الغذائية. وعلى سبيل المثال، من المتوقع أن تظل فاتورة الواردات الغذائية الإجمالية لمجموعة البلدان منخفضة الدخل دون تغيير تقريبا على الرغم من توقعات بأن تتقلص بنسبة 10 في المئة من حيث الحجم.
English
Français
Deutsch
Español