انضمام فنلندا لـ الناتو يغير المشهد العسكري من البلطيق إلى القطب الشمالي
الدوحة في 04 أبريل /قنا/ بحدودها المشتركة مع روسيا والتي يبلغ طولها ألفا وثلاثمائة وأربعين كيلو مترا، أصبحت فنلندا اليوم العضو الحادي والثلاثين في حلف شمال الأطلسي الناتو بعد سياسة عدم انحياز عسكري اعتمدتها على مدى ثلاثة عقود، ما يشكّل نقطة تحوّل استراتيجية نجمت عن الحرب في أوكرانيا.
وفي مراسم مفعمة بالدلالات، ستصبح الدولة الاسكندنافية عضوا جديدا بالحلف في ذكرى تأسيسه في الرابع من أبريل لعام 1949، وبعد تسليم وثائق الانضمام إلى وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن الوصيّ على المعاهدة التأسيسية للحلف الدفاعي، سيُرفع العلم الفنلندي في الفناء الرئيسي في مقر المنظمة في بروكسل عند الساعة الواحدة بتوقيت غرينتش، بين علمَي إستونيا وفرنسا بحسب الترتيب الأبجدي.
وبعد مرور ثلاثة عشر شهرا على بدء الحرب في أوكرانيا، يشير انضمام فنلندا إلى الحلف الأطلسي إلى أنّ التحالف الدفاعي الذي تقوده الولايات المتّحدة يضاعف طول حدوده مع روسيا ويغيّر المشهد العسكري من البلطيق إلى القطب الشمالي، وستكتمل الصورة الجديدة للحلف بعد انضمام السويد إليه.
وكانت فنلندا قد تقدمت بطلب للانضمام لعضوية الحلف مع السويد في مايو 2022 بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا، ولكن طلبها واجه عراقيل بسبب معارضة أنقرة لانضمام السويد، ومازال ينتظر طلب السويد تصديق تركيا، بسبب عدة نقاط عالقة، من بينها مخاوف أنقرة بسبب ما تصفه بافتقار التعاون في مجال محاربة الإرهاب، ويذكر أنه يتعين على جميع دول الناتو الموافقة بالإجماع على انضمام الدول الجديدة، ولكن بعد أشهر من المباحثات بوساطة من /الناتو/، صوتت تركيا لصالح انضمام فنلندا للناتو الأسبوع الماضي.
وماتزال أنقرة وبودابست تعرقلان انضمام السويد إلى الناتو، لكن الأمين العام للحلف ستولتنبرغ أعرب عن ثقته التامة بأن السويد ستصبح عضوا بالحلف أيضا، وقال إنه سيعمل من أجل حدوث هذه الخطوة في أسرع وقت ممكن، مشيرا إلى أن انضمام الدولتين الاسكندنافيتين للحلف، دلالة على أن باب الناتو سيبقى مفتوحا، وقال إن أوكرانيا ستصبح كذلك عضوا بالحلف.
ويرى المحللون الغربيون أن الحرب في أوكرانيا والتي اندلعت على خلفية النزاع بين موسكو وكييف بشأن سعي الأخيرة للانضمام لـ/الناتو/، أتت بنتائج عكسية بالنسبة لروسيا التي تطالب بعدم تمدد /الناتو/ باتجاه حدودها، فقد أسهمت في تغيير الرأي العام والتوجهات السائدة داخل فنلندا والسويد، وقربت الدولتين أكثر فأكثر من فكرة الانضمام للحلف، وكان الحلف قد ضم خلال الفترة الواقعة ما بين عامي 2004 و2009، دولا من أوروبا الشرقية كان معظمها تحت لواء الاتحاد السوفييتي سابقا، وهي: بلغاريا وإستونيا ولاتفيا وليتوانيا ورومانيا وسلوفاكيا وسلوفينيا، وهو ما رفع عدد دوله إلى ثلاثين بلدا.
ويقول محللون ومراقبون غربيون إن انضمام فنلندا لـالناتو، سيزيد الطول الإجمالي للحدود بين روسيا والحلف بمقدار الضعف تقريبا، كما سيضيف جيشا قويا إلى قوات التحالف ويساهم في تعزيز دفاعات جناحه الشرقي في مواجهة أيّ هجوم روسي. وستستفيد /هلسنكي/ من الحماية التي يوفرها البند الخامس من ميثاق الناتو الذي ينصّ على أنه إذا تعرضت دولة عضو لهجوم مسلح، فإن الدول الأخرى ستعتبر هذا العمل هجوما مسلحا موجها ضد كل الأعضاء وستتخذ الإجراءات التي تعتبر ضرورية لتقديم المساعدة للبلد المستهدف.
ويرى المحللون أنّ مهمة الدفاع الجماعي للحلف في مواجهة روسيا ستكون أسهل حاليا مع الوصول إلى الأراضي الفنلندية، والقدرات التي ستقدّمها فنلندا، خاصة وأن التحالف يسعى منذ سنوات إلى حماية حلفائه الثلاثة في البلطيق - إستونيا ولاتفيا وليتوانيا - من أيّ هجوم روسي محتمل، لكن ممرّ سوالكي يشكل مصدر قلق، وهذا الممر هو شريط ممتدّ بطول 65 كيلومترًا بين جيب كالينينغراد الروسي وبيلاروسيا و يتيح، إذا ما تمّت السيطرة عليه، عزل دول البلطيق الثلاث عن بولندا وبقية حلفائها في الناتو، وإلى الشمال، ستساعد فنلندا التحالف في الدفاع عن شريط رفيع من الأراضي النرويجية المتاخمة لروسيا في شبه جزيرة كولا.
ويضيف المحللون أن إضافة 1300 كيلومتر من الحدود البرية مع روسيا تنطوي في الوقت نفسه على ثغرات حتما، كما أن ضمان الدفاع عن هذه الحدود يمثّل تحدّيًا لـالناتو. وبرأي المحلّلين فإنّه من أجل تجنّب استفزاز موسكو، يجب على فنلندا أن تحذو حذو النرويج المجاورة وألا تسمح لقوات حلف شمال الأطلسي بالتمركز بشكل دائم على أراضيها.
ويعد الحلف أقوى تجمع عسكري بالعالم لضمه أقوى الجيوش قاطبة، وفي مقدمتها قوات الولايات المتحدة، إضافة للدول النووية مثل فرنسا وبريطانيا. وتنص المادة 5 من اتفاقية تأسيس حلف الناتو، على أن أي اعتداء مسلح أو عسكري على أي دولة عضو بالحلف هو بمثابة اعتداء على كل الدول الأعضاء فيه، وبموجب هذا المبدأ، يتعيّن على كل الدول الأعضاء التحرك بشكل عسكري لحماية الدولة التي تتعرض للاعتداء، سواء من خلال تحريك القوات، أو تزويد هذه الدولة بالأسلحة والعتاد.
وتمتلك فنلندا والسويد جيوشا متقدمة للغاية وقدرات دفاع مدني من شأنها أن تجلب طاقات وخبرات كبيرة إلى الناتو وتنضاف إلى إجمالي القوات التي يمكن للحلف أن يستخدمها في سيناريو الدفاع الجماعي أو إدارة الأزمات.
وفي رد فعل على انضمام فنلندا للحلف الغربي، تعهّد الكرملين بتعزيز قواته بالقرب من الحدود الروسية مع فنلندا في السنوات المقبلة، لكنّ محلّلين يقولون إنّ موسكو ستستغرق سنوات لإعادة بناء القدرات التي خسرتها في الحرب في أوكرانيا.
وكانت موسكو قد أعلنت بعد طلب فنلندا والسويد الانضمام لحلف الناتو العام الماضي أن هذه الخطوة ستكون خطأ له عواقب بعيدة المدى، وسيشكل خطرا على أمن روسيا، وسيؤثر سلبا على الأوضاع في أوراسيا بشكل عام، ورأت أن منطقة البلطيق لن تكون قادرة على البقاء غير نووية إذا انضمت الدولتان إلى التحالف الغربي، وقالت إن الدولتين لم يكن لديهما ما تخشيان عليه من روسيا، وهددت بنشر سفن مسلحة بصواريخ إسكندر، وأسلحة فرط صوتية، وأسلحة نووية في منطقة بحر البلطيق وحولها، في حال انضمام البلدين للحلف.
English
Français
Deutsch
Español