اليوم الدولي للدبلوماسية من أجل السلام.. مناسبة عالمية لتعزيز دور الحوار والمفاوضات لحل الخلافات
الدوحة في 24 أبريل /قنا/ تمثل قضايا النزاعات والحروب والتوترات الجيوسياسية وتغير المناخ والأزمات الإنسانية أهم المجالات التي تسعى الأمم المتحدة والمجتمع الدولي لإيجاد تفاهمات تحظى باحترام كاف لها من جميع الأطراف للحد من تبعاتها، بما يقود إلى وقف انتشارها وتقليص خسائرها، بالإضافة إلى تعزيز ودعم الركائز الثلاث للأمم المتحدة، وهي التنمية وحقوق الإنسان والسلم والأمن، من خلال العمل الجماعي عبر جهود التعددية والدبلوماسية، في وقت يتأثر فيه الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والعلاقات بين الدول بالتقدم التكنولوجي والتسارع المعلوماتي.
ويحتفل العالم يوم 24 أبريل من كل عام بـ"اليوم الدولي لتعددية الأطراف والدبلوماسية من أجل السلام"، الذي تم اعتماده بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 127/73، الذي أقر في 12 ديسمبر 2018، بتصويت أغلبية من 144 عضوا بالجمعية العامة، حيث تدعو المنظمة الدولية جميع الدول الأعضاء والمراقبين ومؤسسات الأمم المتحدة إلى الاحتفال به بطريقة مناسبة، والتعريف بمزايا التعددية والدبلوماسية من أجل السلام من خلال أنشطة التثقيف والتوعية العامة.
وفي ديباجة ميثاق الأمم المتحدة وخطة التنمية المستدامة لعام 2030، فإن الحفاظ على قيم التعددية والتعاون الدولي التي يقوم عليها الميثاق، أمر أساسي ومحوري في سبيل رفع سقف الالتزام بالمعايير الدولية والنظم والقواعد التي قادت علاقات الدول طوال سبعة عقود في مواجهة الانعزالية والتحديات المتزايدة الناجمة عنها، وإعادة التأكيد على المبادئ المتعلقة بحل النزاعات بين الدول من خلال الوسائل السلمية.
وقال أنطونيو غوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة في احتفالية 2022: "إن الالتزام بهذه القيم يتعرض للخرق في القضايا المطروحة دوليا، بدءا بأزمة المناخ وتزايد النزاعات، وخصوصا الحرب الجارية في أوكرانيا، ومرورا بإدارة أسلحة الدمار الشامل وبالطوارئ الصحية، ووصولا إلى النظام العالمي لحماية اللاجئين، والتهديدات التي تحدق بنظام تعددية الأطراف، وبقيمة الدبلوماسية من جميع الاتجاهات".
وفي أعقاب الدمار الذي خلفته الحرب العالمية الثانية، نشأت الأمم المتحدة عام 1945، بمهمة مركزية واحدة وهي الحفاظ على السلام والأمن الدوليين. وركز ميثاق الأمم المتحدة على الالتزام بتسوية النزاعات بالطرق السلمية، والتصميم على تجنيب الأجيال المقبلة ويلات الحروب، وسلمت الدول بأنه إذا لم يكن منع الحروب ممكنا، فلا بد من وجود حدود تشن في إطارها، فتمت صياغة اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 والتفاوض بشأنها واعتمادها، وهي الاتفاقيات التي تمثل اليوم لب القانون الدولي الإنساني، وتعد التزاما مشتركا بين الدول إزاء مبدأ الإنسانية.
وتمثل قواعد الحرب هذه، المصدق عليها عالميا، نتاجا مثاليا للإجماع متعدد الأطراف، فهي برهان على ما يمكن تحقيقه عبر التعددية الفعالة، إذ إن تكاتف الجهود يقلل الخسائر ويتيح للدول وضع قواعد والتمسك بها والعمل وفق سياقاتها.
ويضطلع مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بمسؤولية أساسية في منع نشوب الصراعات العنيفة الواسعة النطاق، فالفشل في الحد من اندلاعها يشكل تحديا لتماسك القوى الكبرى التي تقود مجلس الأمن، وهو بلا شك مقياس على النجاح أو الفشل في دور تلك الإجراءات المتبعة للمجلس، ومؤشر على تراجع الدبلوماسية الوقائية الداعم الرئيس لجهود الأمم المتحدة للمساعدة في تسوية النزاعات بالوسائل السلمية.
ولم تكن آليات المجتمع الدولي للحد من المساوئ التي خلفتها معضلة التغير المناخي وجائحة /كوفيد - 19/ لتنجح في تخفيف الكوارث الناتجة عنهما، لولا التصدي لهما والعمل من كل الأطراف كأسرة إنسانية واحدة، فالعمل لإنقاذ الأرواح والتخفيف من الدمار الاقتصادي والاجتماعي وأوجه عدم المساواة، تطلب حشد كل الاستثمارات الممكنة في مجالات التعليم، والنظم الصحية، والحماية الاجتماعية، والقدرة على الصمود.
كما شكلت أزمة الهجرة غير النظامية وما زالت، أحد مصادر الصداع في جبهة النظام الدولي، في ظل الأزمات الطاحنة والصراعات العرقية واستبداد الأنظمة العسكرية والفشل الاقتصادي التي تضطر عشرات الآلاف لركوب قوارب الموت وعبور البحار في موجات لا تتوقف، دون الالتفات للمحاذير ولا المخاطر التي تحدق بقوارب اللجوء وسط استغلال شبكات الابتزاز والتهريب.
وتعتبر دولة قطر من أكثر الدول التي تؤكد أن السلام والأمن أمران حاسمان للتنمية المستدامة، والاستقرار والازدهار، لافتة إلى أن السياسات الإنمائية التي تعالج الأسباب الجذرية للنزاعات، وتعزز التنمية الاجتماعية والاقتصادية، يمكن أن تساهم بشكل كبير في تحقيق السلام والأمن والتنمية المستدامة.
ومن ذلك دعم دولة قطر لمبادرة "إسكات البنادق" في قارة إفريقيا، ودعوة الدوحة الأمم المتحدة والدول الأعضاء لمواصلة دعمها لهذه المبادرة لتحقيق هدفها بحلول عام 2030، مشيرة إلى أن تنفيذ المبادرة سيساهم بفاعلية في حفظ السلم والأمن الدوليين، وتحقيق الازدهار والرفاه في العالم.
وتشدد مبادئ السياسة الخارجية لدولة قطر وأهدافها على اعتماد الدبلوماسية الوقائية والوساطة في حل النزاعات، من خلال تجربتها طويلة الأمد في حل العديد من النزاعات الإقليمية والدولية، وضرورة التركيز والاستثمار في معالجة جذور النزاعات، ومشاريع بناء السلام، والوساطة والحوار، وضمان المشاركة الفعالة للنساء والشباب، والقطاعات المهمشة من المتأثرين بالنزاعات والأزمات الإنسانية.
وتفخر دولة قطر بالمستوى الرفيع والمتميز لعلاقاتها وشراكتها الاستراتيجية المتطورة مع العديد من الدول الإفريقية والاتحاد الإفريقي بشكل خاص، وذلك من خلال جهودها الدبلوماسية، والوساطة في تسوية النزاعات كوسيط نزيه، وصناعة وبناء السلام في إفريقيا وفقا لأولويات مبادرة الاتحاد الإفريقي، إضافة إلى جهود الأمم المتحدة المتعلقة بعمليات صناعة السلام والحفاظ عليه، وبناء السلام في إفريقيا، بالإضافة أيضا إلى جهود دولة قطر الإنسانية والإنمائية لمواجهة التحديات في القارة.
وسبق أن توسطت دولة قطر في العديد من الملفات والقضايا الإقليمية والدولية، خلال العقد الماضي، باذلة جهودا دبلوماسية وسياسية حثيثة على المستويات الإقليمية والدولية في الوساطة بين الفصائل والكيانات والدول، وبطلب من الأطراف المعنية، ودون التدخل في الشأن الداخلي للدول، لتقريب وجهات النظر، وإيجاد حلول مستدامة للنزاعات والخلافات.
وتقوم الدوحة باستضافة المفاوضات بين أطراف متنازعة، وتيسير سبل الحوار بينها في أكثر من رقعة جغرافية، وقد حققت تلك الجهود نجاحات أسهمت في صون السلم والأمن الدوليين، فقد كان للوساطة القطرية دور في التوصل إلى توقيع اتفاق الدوحة للسلام في دارفور، وفي إطلاق إريتريا سراح أسرى جيبوتي، وفي إطلاق سراح رهائن في سوريا خلال سنوات الحرب، وقبل ذلك أثمرت جهود دولة قطر وضع حد للفراغ الرئاسي في لبنان 2016 وغيرها.
على هذا المنوال، لم يكن عام 2022 استثناء في مسيرة الدبلوماسية القطرية، فقد شهد شهر أغسطس الماضي توقيع الأطراف التشادية اتفاقية الدوحة للسلام، التي جاءت تتويجا لمفاوضات استضافتها دولة قطر لمدة خمسة أشهر بمشاركة إقليمية ودولية، وهو الاتفاق الذي مهد لانعقاد الحوار الوطني في العاصمة التشادية نجامينا، الذي يهدف لتحقيق المصالحة الوطنية الشاملة، وهو ما أشاد به الأمين العام للأمم المتحدة، واعتبر أن هذه الاتفاقية تاريخية، داعيا إلى دعمها.
بجانب ذلك، تلقت دولة قطر الشكر مرتين من الولايات المتحدة، لجهودها الناجحة في الإفراج عن أمريكيين كانوا محتجزين في أفغانستان، بعد مفاوضات طويلة، وأكدت واشنطن أن قطر شريك ثابت للولايات المتحدة في الجهود المشتركة بأفغانستان.
وتنظر دولة قطر إلى السلام بشمولية، فالسلام في نظر الدبلوماسية القطرية ليس مجرد غياب العنف، فالسلام الدائم يقوم على التسويات والعدل، ويتطلب تعزيز التنمية البشرية، ولا سيما في مجالات التعليم والصحة العامة، وفتح فرص العمل بالانتعاش الاقتصادي والإدماج السياسي والاقتصادي للشباب، والدفاع عن حقوق الإنسان، وتعزيز التماسك الاجتماعي برفض الظلم والإقصاء.
وتعزز دولة قطر دور مجلس الأمن عبر المبادرات والوساطة والدبلوماسية الوقائية التي ينبغي للمجتمع الدولي ترسيخها، فهناك العديد من الصراعات والنزاعات لا يمكن أن تحل إلا عبر الجهود متعددة الأطراف.
English
Français
Deutsch
Español