مبادرة الصين لإحلال السلام بين روسيا وأوكرانيا طوق نجاة وبارقة أمل لإنهاء الصراع
الدوحة في 15 مارس /قنا/ في الرابع والعشرين من فبراير الماضي، كشفت الصين عن مقترح لتسوية الأزمة بين روسيا وأوكرانيا سلميا، مشددة على ضرورة استئناف الحوار المباشر بين البلدين في أسرع وقت ممكن، في كنف الاحترام التام لسيادة كافة الدول، وتطبيق القانون الدولي بشكل موحد، والتخلي عن المعايير المزدوجة.
وتشهد العلاقات بين روسيا والصين تناميا متصاعدا في الفترة الأخيرة، رغم التحذيرات الغربية من الدور الذي قد تلعبه بكين في مسار الحرب الروسية - الأوكرانية، وهو ما رد عليه وانغ يي وزير الخارجية الصيني عقب لقاء بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بالقول: إن العلاقات بين بكين وموسكو ليست موجهة ضد دولة ثالثة، لكنها لن تخضع لضغوط خارجية.
وقالت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية: إن الرئيس الصيني شي جين بينغ يعتزم الاتصال بنظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، بعد إتمام زيارته إلى موسكو، متطرقة إلى أبعد من ذلك، بتأكيدها أن هدف بينغ هو النجاح في إيقاف الحرب في أوكرانيا التي دخلت شهرها الثالث عشر.
وأشارت الصحيفة إلى إمكانية عقد الاجتماعات بين بوتين وزيلينسكي "افتراضيا"، معتبرة أن أي مساع صينية في هذا الشأن هي انعكاس لجهود بكين للعب دور أكثر فاعلية في التوسط لإنهاء الأزمة، قبل تقديمها مقترحا لتسوية الأزمة سلميا.
وفي أجواء التشدد المتبادل من الجانبين، لاحت بارقة أمل، عندما أعلن وانغ يي وزير خارجية الصين، أثناء حضوره مؤتمر ميونيخ للأمن، أن رئيس بلاده سيتقدم قريبا جدا باقتراحه للسلام من أجل إنهاء الصراع بين موسكو وكييف، وجاء رد الفعل الأمريكي عن طريق حديث للرئيس جو بايدن، مع قناة "إيه. بي. سي"، حين انتقد خطة الصين، قائلا: "إن فكرة تفاوض الصين على نتائج حرب أوكرانيا ليست عقلانية، وإنني لم أجد منها شيئا يمكن أن يشير إلى وجود ما يفيد أي طرف سوى روسيا"، غير أن روسيا رحبت، في الوقت نفسه، بالمبادرة، حيث أوضحت ماريا زاخاروفا المتحدثة باسم الخارجية الروسية، أن موسكو منفتحة على المفاوضات لحل النزاع بالطرق السياسية والدبلوماسية.
وتواصلت التطورات الدبلوماسية لإيجاد حل للأزمة، فقد أكدت مصادر مطلعة قبل يومين أن الرئيس الصيني شي جين بينغ يعتزم زيارة روسيا قريبا، وعلى الأرجح خلال الأسبوع المقبل، وتواترت التحاليل لمقاصد هذا الإعلان، حيث اعتبر محللون أن هذه الزيارة، إن جرت، ستشكل بارقة أمل للتوصل إلى تفاهمات قد تقود إلى حل عجز عنه الغرب، حتى الآن، بوقف الصراع رغم دعمه الكبير لسلطات أوكرانيا ماديا ولوجيستا، وفرضه عقوبات اقتصادية ودبلوماسية "موجعة" ضد الكرملين.
إلى ذلك، يرى مراقبون أن نتائج زيارة الرئيس الصيني لروسيا، ومن بعدها أوكرانيا التي قد تكون عن بعد، تحمل في طياتها بشائر نجاح لا يتوقعها الغرب، نظرا للمعطيات التي مهدت الطريق لنجاحها قبل أن تبدأ، وفي مقدمتها "الاختراق الدبلوماسي" الذي حققته الصين في إذابة الجليد في العلاقات بين المملكة العربية السعودية وإيران، وإتمام مصالحة بينهما، فضلا عن مجيئها بعد أيام من فوز الرئيس الصيني بولاية رئاسية ثالثة، كما أنها تأتي في أعقاب زيارة الرئيس الأمريكي لأوكرانيا، والتي كان من أهم مضامينها انعدام وجود فرصة لحل سلمي للنزاع، وغلق الباب أمام أي مساع للتسوية.
ويأتي هذا التحرك الدبلوماسي الصيني تزامنا مع احتدام القتال الدائر منذ شهور للسيطرة على مدينة باخموت، ووصف طرفي النزاع للمواجهات على الميدان بأنها "قتال ضار"؛ إذ تقول موسكو: إن انتزاع السيطرة على باخموت "سيشكل نصرا كبيرا؛ إذ سيمهد للسيطرة على باقي منطقة دونيتسك المحيطة، وهي هدف محوري للحرب"، فيما ترد كييف بالتأكيد على عدم انسحاب قواتها من المعارك، "ومواصلة القتال من أجل تكبيد القوات الروسية خسائر"، مشددة على أن الهجوم على المدينة "مدفوع بحاجة بوتين لإعلان الانتصار الوحيد له منذ أكثر من ستة أشهر".
ومن المؤكد أن زيارة الرئيس الصيني لروسيا ستمثل حدثا كبيرا لبوتين، الذي يصور الحرب في أوكرانيا على أنها صراع مع قوة مشتركة للغرب، وتعتمد بلاده على بكين في صفقات شراء النفط والغاز، اللذين لم يعد لهما مكان في الأسواق الأوروبية جراء العقوبات الغربية.
والتزمت الصين بشكل علني الحيادية إزاء الحرب، وامتنعت عن تحميل أي طرف مسؤوليته، لكنها عارضت العقوبات الغربية المفروضة على روسيا، وعرضت في الأسابيع القليلة الماضية التوسط من أجل إحلال السلام، وهو مقترح قابله الغرب بالتشكك، حيث تقول واشنطن، منذ أسابيع، إنها تعتقد بأن الصين تفكر في تسليح روسيا، وهو ما تنفيه بكين، فيما يرى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن القيام بذلك سيكون بمثابة دعوة إلى حرب عالمية ثالثة، بينما أشارت أغلب التقارير في السابق إلى أن هذه الزيارة لن تجري إلا لاحقا، مرجحة أن تكون إما في أبريل أو أوائل مايو المقبلين.
في غضون ذلك، تنوعت ردود الأفعال تجاه المقترح الصيني الذي وصفه وزير الخارجية الصيني وانغ يي بـ "مبادرة سلام تستند إلى مبادئ سيادة الدولة وسلامة أراضيها، وما يقرره ميثاق الأمم المتحدة"؛ إذ ترى أطراف أن المبادرة التي تعترف بمخاوف روسيا "المشروعة على أمنها" قد تجد أذانا صاغية لدى بوتين، كما قد تحصد القبول من لدن زيلينسكي لتضمنها مبدأ "ضمان سيادة الدولتين، واحترام المواثيق الدولية بشأن سيادتها على أراضيها"، كما أنها قد تحظى باهتمام بعض الدول الأوروبية، لا سيما ألمانيا وإيطاليا وفرنسا.
ويذهب محللون آخرون إلى أن الخطة الصينية التي تقر بضرورة مراعاة التوازن بين طرفي الأزمة قد تمر بين الأسوار العالية بين موسكو وكييف، وتتخطى الأجواء الباردة التي تميز العلاقات بين العاصمتين، لكن مسؤولين أمريكيين وصفوها بأنها "شكل من أشكال المساعدة الصينية لبوتين"، وهم ما لقي تأييدا من ينس ستولتنبرغ الأمين العام لحلف شمال الأطلسي(الناتو)، الذي أعرب عن شكوك الحلف في مصداقية المبادرة الصينية بشأن تسوية الأزمة.
ويذهب طرف ثالث في قراءته للمبادرة الصينية، إلى أن لها جانبين أساسيين؛ الأول يرى عدم التسرع برفضها، والثاني يرفضها كليا، وفي مقدمة الداعين لقبولها، أنطونيو غوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة، الذي وصفها بأنها مساهمة مهمة، إضافة إلى عدد من كبار المفكرين السياسيين المنتمين للمدرسة الواقعية التي لا تؤيد الحرب كوسيلة للسياسة الخارجية، حيث يرى هؤلاء عدم الفصل بين ما جرى منذ بدء الحرب الروسية الأوكرانية، وبين الأسباب التي دفعتها إلى ذلك، وعلى رأسها تمدد حلف الناتو في اتجاه الحدود الروسية.
كما يرى هذا الفريق أن ترك الأزمة على حالها سوف يؤدي إلى صراع لا نهاية له، وإذا كان الغرب يزيد من دعمه لأوكرانيا على أمل أن تحقق انتصارا، والعمل على استنزاف روسيا، فإن بوتين كان واضحا فيما أعلنه من أن بلاده لن تقبل بالهزيمة، وهو ما يوحي باحتمالات الانزلاق إلى حرب عالمية.
في المقابل، من بين أهم دوافع الرافضين للدور الصيني، أن نجاح بكين في مساعيها سيعزز مكانتها في العالم باعتبارها قوة داعمة للسلام وليس للحرب، وهؤلاء يتخوفون أيضا من أن نجاح مبادرتها سيزيد من دعوتها لإنهاء القطبية الأحادية، وإيجاد عالم متعدد الأقطاب في النظام الدولي، غير أن النقطة الأهم في كل هذا هي مدى تقبل الولايات المتحدة والغرب بالأساس للدور الصيني؟، لا سيما أن التوسط لإنهاء الحرب يتطلب تفاهما قويا وواضحا مع الولايات المتحدة، وهو ما يشكل تحديا حقيقيا أمام طموح الرئيس بينغ، خاصة أن الملفات العالقة بين واشنطن وبكين معقدة، ولن يتوقع الرئيس الصيني حصول تنازلات أمريكية، خاصة في ما يتعلق بملف تايوان، ومدى تقبل واشنطن لمطامح بكين لمنافستها كقوة موازية لها في العالم الجديد.
English
Français
Deutsch
Español