الدول النامية في ظل الحرب الروسية - الأوكرانية .. معاناة دائمة وتنمية في مأزق
بعد عام على الحرب..
الدوحة في 23 فبراير /قنا/ مر عام كامل على الحرب الروسية - الأوكرانية تزايدت فيه أزمة الدول النامية تفاقما بعد أن طال أمد الحرب دون أي بارقة أمل في حل سلمي أو هدنة طويلة الأمد يستطيع العالم فيها أن يلتقط أنفاسه، فبالرغم من أن أصوات المدافع تدوي في شرق أوروبا، فإن الأنين يسمع في مدن شتى تحت وطأة عوامل اقتصادية ومعيشية هي نتاج تلك الحرب التي اندلعت شرارتها الأولى في ليل 24 فبراير 2022، حين أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستنفذ عملية عسكرية خاصة في إقليم "دونباس"، مشيرا وقتها إلى أن روسيا لا يمكنها القبول بالتهديدات الآتية من أوكرانيا، ومعتبرا أن العملية العسكرية تستهدف حماية الشعب، رافضا توسع حلف شمال الأطلسي "الناتو" واستخدامه أراضي أوكرانيا.
وكانت انعكاسات تلك الحرب على الدول النامية قاسية، بداية من شح المواد الغذائية الأساسية، وما تلاه من تعطل سلاسل الإمداد العالمية، وصولا إلى نقص في إمدادات الطاقة، وقد أثر كل ذلك بالسلب على دخل المواطن البسيط في دول تعاني في الأساس من أزمات كبيرة ومعدلات بطالة عالية وتضخم فائق.
وحجم مساهمة روسيا وأكرانيا في الاقتصاد العالمي قد يكشف بجلاء عن مدى الأزمة التي سببتها الحرب للدول النامية، وإلى أي مدى أصابت العمليات العسكرية خطط التنمية في تلك الدول بعجز جزئي.
فروسيا تعد من بين أكبر اقتصادات التصدير؛ لامتلاكها أكثر من 30 بالمئة من الموارد الطبيعية في العالم، لذا تشارك بنسبة كبيرة في التجارة الدولية وصلت إلى 789.4 مليار دولار خلال 2021، أي زيادة نسبتها 37.9 بالمئة عن عام 2020، وبلغت صادرات السلع من روسيا 493.3 مليار دولار، بواقع زيادة سنوية 45.7 بالمئة، مقابل وصول وارداتها إلى 296.1 مليار دولار، بواقع زيادة سنوية 26.5 بالمئة.
وتتجه الصادرات الروسية إلى العديد من دول العالم، وتتمثل هذه الصادرات في البترول الخام والمكرر، والغاز الطبيعي، والفحم، والحديد، والألومنيوم، والحبوب من القمح والذرة، بالإضافة إلى الذهب والماس والنحاس وغيرها؛ لذا يلعب قطاع التصدير دورا مهما في اقتصاد روسيا، ودورا مهما في اقتصاد الدول المعتمدة عليها في توفير السلع الأولية وسد احتياجات سكانها.
أما أوكرانيا فقد بلغ حجم تجارتها الدولية عام 2021 نحو 102.9 مليار دولار من السلع المتبادلة مع البلدان في جميع أنحاء العالم، وبلغت صادراتها نحو 68.24 مليار دولار. وتتمثل صادرات أوكرانيا في الحبوب مثل الشعير والقمح والذرة، بالإضافة إلى الصلب والفحم والوقود والمنتجات البترولية، والكيماويات والآلات ومعدات النقل.
وقد شهد العالم على مدار عام 2022 واحدة من أقسى الموجات التضخمية على مدار العقود الماضية؛ نتيجة تعدد الأزمات التي يمر بها الاقتصاد العالمي، ما أدى إلى ارتفاع التضخم العالمي وفقا لصندوق النقد الدولي إلى 8.8 بالمائة في عام 2022، وهو أعلى مستوى للتضخم على مدار ربع قرن، وارتفعت معدلات التضخم في نصف دول العالم إلى 10 بالمائة أو أكثر، وبلغت مستوى 100 بالمائة أو أكثر في بعض الدول.
وسجلت الأسعار العالمية للعديد من السلع، خاصة الغذاء والطاقة، ارتفاعات قياسية خلال عام 2022، حيث ارتفعت أسعار الطاقة وفقا للبنك الدولي بنسبة بلغت نحو 59 بالمائة، ووفقا لمنظمة الفاو ارتفعت الذرة بنسبة بلغت نحو 25 بالمائة، والألبان بنسبة بلغت نحو 20 بالمائة، والحبوب بنسبة بلغت نحو 18 بالمائة، والقمح بنسبة بلغت نحو 16 بالمائة.
كما تسبب استمرار العمليات العسكرية في حدوث انتكاسة للتعافي الاقتصادي الذي أعقب جائحة "كوفيد - 19"، ما أدى إلى زيادة أسعار المواد الغذائية والطاقة؛ نتيجة تعطل سلاسل التوريد من روسيا وأوكرانيا، وتفاقم تضخم أسعار الغذاء على مستوى العالم، ووصولها إلى مستويات غير مسبوقة.
وفي تقرير مماثل للبنك الدولي صدر نهاية العام الماضي، أكد أن الاقتصاد العالمي يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل أدت إلى ارتفاع معدلات التضخم وما يليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية.
وأشار التقرير إلى أن نشاط منطقة اليورو -أكبر شريك اقتصادي للاقتصادات الصاعدة والنامية في أوروبا وآسيا الوسطى- قد شهد تدهورا ملحوظا في النصف الثاني من عام 2022، جراء تعثر سلاسل الإمداد، وزيادة الضغوط المالية، وتراجع ثقة المستهلكين ومؤسسات الأعمال، غير أن الآثار الأكثر ضررا للغزو هي ارتفاع أسعار الطاقة في خضم انخفاضات كبيرة في إمدادات الطاقة الروسية.
كما اعتبرت الأمم المتحدة في تقرير لها بعنوان "الوضع الاقتصادي العالمي وآفاقه لعام 2023" أن الاقتصاد العالمي قد تضرر من العديد من "الصدمات الشديدة" خلال عام 2022؛ بفعل الحرب الروسية وأزمة جائحة كورونا، حيث شهد زخم النمو في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والاقتصادات المتقدمة الأخرى تراجعا كبيرا عام 2022، مما كان له العديد من الآثار على بقية الاقتصاد العالمي.
بالإضافة إلى ذلك، أدت الأوضاع المالية العالمية إلى جانب ارتفاع قيمة الدولار إلى تفاقم مواطن الضعف المالية والدين في البلدان النامية، كما شهدت معظم البلدان النامية انتعاشا أبطأ للوظائف عام 2022، وما زالت تواجه ركودا كبيرا في التوظيف.
وأشار التقرير الأممي إلى أن عدد الأشخاص الذين يواجهون انعدام الأمن الغذائي الحاد قد تضاعف عام 2022، حيث وصل إلى ما يقرب من 350 مليون شخص.
ودعا التقرير الحكومات إلى تجنب التقشف المالي الذي من شأنه أن يعيق النمو ويؤثر بشكل غير متناسب على الفئات الأكثر ضعفا، وأوصى بإعادة تخصيص وترتيب أولويات النفقات العامة من خلال تدخلات سياسية مباشرة، من شأنها خلق فرص العمل، وتنشيط النمو من خلال تعزيز أنظمة الحماية الاجتماعية، وضمان استمرار الدعم من خلال الإعانات الموجهة والمؤقتة، والتحويلات النقدية، والخصومات على فواتير الخدمات، والتي يمكن استكمالها بتخفيضات في ضرائب الاستهلاك أو الرسوم الجمركية.
وشدد على ضرورة إيجاد التزام دولي أقوى لتوسيع الوصول إلى المساعدة المالية الطارئة؛ من أجل إعادة الهيكلة وتخفيف أعباء الديون عبر البلدان النامية، وتوسيع نطاق تمويل أهداف التنمية المستدامة.
من جانبه، أكد الدكتور مؤيد السماره، استاذ مشارك في كلية الإدارة والاقتصاد في جامعة قطر، أن الحرب في أوكرانيا ساهمت بشكل أساسي في ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء وتكاليف المعيشة بشكل عام، كما أنها فاقمت المشاكل المرتبطة بسلاسل التوريد، وانخفاض مؤشر ثقة الشركات، ونمو الأنشطة الاقتصادية على المستوى العالمي.
وقال السماره لوكالة الأنباء القطرية "قنا": إن بيانات وتوقعات صندوق النقد الدولي تشير إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في الدول الصاعدة والنامية من 6,6 بالمائة في عام 2021 إلى 3,7 بالمائة في عام 2022، ثم 2,7 بالمائة في عام 2023، وهي معدلات النمو الأضعف منذ عام 2001.
أما بالنسبة لمعدلات التضخم، فإن الضغوط السعرية ما زالت مستمرة، وهي تمثل الخطر الأساسي على دخل الأفراد، وتآكل القوى الشرائية، وزيادة معدلات الفقر، حيث إن بيانات صندوق النقد الدولي تشير إلى أن معدل التضخم العالمي ارتفع من 4,7 بالمائة في 2021 إلى 8,8 بالمائة في 2022.
وأوضح أن هذه المعدلات دفعت البنوك المركزية إلى تقييد سياساتها النقدية، وتقليص حجم إنفاقها والدعم المقدم من خلال سياسات المالية العامة الخاصة بها.
أما خلال 2022، فقد ارتفعت معدلات البطالة بشكل ملحوظ في الدول العربية (12بالمائة)، يرافقها ارتفاع في نسب التضخم إلى 14 بالمائة. وطبقا لإحصائيات لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا "إسكوا"، فقد بلغ عدد الفقراء في العالم العربي اليوم 130 مليون شخص، فمقابل ارتفاع نسبة الفقر ارتفعت نسبة التضخم في المنطقة العربية خلال العام الماضي وبلغ معدلها 14 بالمائة، وشهدت الكثير من الدول العربية تراجعا كبيرا في أسعار صرف عملتها المحلية، مما يشكل ضغوطا إضافية على كل ما سبق.
وحول السياسات التنموية التي يفضل اللجوء إليها في حالات الأزمات العالمية، مثل الحرب الأوكرانية، قال السماره: إن سياسات التنمية الأكثر فعالية هي التركيز على النمو الاقتصادي المستدام، وذلك من خلال الاستثمار في التعليم والصحة والتكنولوجيا، وإعطاء دور أكبر للقطاع الخاص، مما سيساهم في تنويع الإنتاج والمداخيل الاقتصادية، وتفعيل سياسات نقدية ومالية تركز على تمويل التنمية المستدامة وتحتوي التضخم.
كما يفضل الاستثمار بشكل رئيسي في التنمية المستدامة، وعلى رأسها قطاع الطاقة المتجددة والابتكار، مع تحقيق استقرار سياسي، ومكافحة الفساد والتشوهات الهيكلية، التي تعاني منها الكثير من الدول العربية.
هذا بالإضافة إلى إبقاء الدين العام في حدود مستدامة ولأهداف استراتيجية، إلى جانب تقليل التوترات والنزاعات، واستخدام الدبلوماسية الاقتصادية لفض النزاعات الدائرة.
وبشأن تأثير الحرب على قطاع كبير من الدول العربية، وهي تعد من الدول النامية، أوضح الدكتور مؤيد السماره لـ /قنا/ أن أثر صدمة أسعار الطاقة والغذاء وسلاسل التوريد يكون بشكل عام أكثر وضوحا على الدول العربية، خاصة في الدول غير المنتجة للنفط، والتي تعتمد بشكل رئيسي على مستوردات الغذاء.
وبالأساس الكثير من الدول العربية في وضع هش اقتصاديا؛ نظرا للعديد من الأزمات التي مرت بها المنطقة العربية، والأزمة الأخيرة المتمثلة بالحرب على أوكرانيا، التي فاقمت مديونيات الكثير من الدول العربية، وجعلتها في وضع مديونية حرج، خاصة مع تشديد أوضاع التمويل الدولي (ضغوط إضافية على شروط الاقتراض).
وقال الدكتور مؤيد السماره استاذ مشارك في كلية الإدارة والاقتصاد في جامعة قطر: إنه من المتوقع أن تكون الآثار المترافقة (ركود + تضخم + بطالة) لهذه الأزمة أقل حدة خلال الأعوام المقبلة، ولكن الأمر مرهون بشكل أساسي بتطورات الحرب في أوكرانيا والصدمات المرافقة لأسعار الطاقة والغذاء، وسلاسل التوريد، وتطورات جائحة كورونا، والحروب التجارية بين الصين وأمريكا، وقدرة الدول على التكيف في وجه هذه الأزمات، وإيجاد الحلول البديلة لمصادر الطاقة والغذاء بشكل أساسي.
ورأى أن الصمود أمام تلك الأزمة يتطلب خمسة شروط هي: تدعيم التنمية المستدامة، وتفعيل جدي لسياسات التنويع الاقتصادي، وتحقيق الأمن الغذائي والاقتصادي، وتدعيم سياسات الاكتفاء الذاتي، وتحقيق تكامل اقتصادي عربي وإقليمي، وأن تكون الدبلوماسية الاقتصادية والدفاعية عامل حاسم من أجل تحويل النزاعات والتحديات إلى فرص ومكاسب.
وحول دور قطاع الطاقة كقاطرة لتنمية في الدول التي تضررت من الحرب الأوكرانية، أشار السماره إلى أنه إذا كانت الدولة منتجة للنفط والغاز فالحرب في أوكرانيا قد تعطيها دورا أكبر في أسواق الطاقة العالمية، وتشكل لها تحالفات وشراكات جديدة يمكن الاستفادة منها في تعزيز سياسات تمويل التنمية المستدامة والنمو الاقتصادي المستدام والمستند إلى قطاعات أخرى غير نفطية. وبالتالي قد تكون جملة الاستثمارات في قطاع الطاقة التقليدي والمتجدد داعما حقيقيا للتنمية، خاصة عند الاعتماد على المصادر الداخلية للنمو، وعدم الحاجة للمديونية الخارجية أو حتى لرفع سقف مديونيتها الحالية.
أما الدول الأخرى، فلا بد من أن تفكر مليا في تأمين مصادر بديلة ومتجددة للطاقة، تساهم في استقرارها المالي والاقتصادي، وتقلل قابلية التعرض لآثار صدمات تغيرات أسعار الطاقة، وسلسلة الآثار ذات الصلة بقطاع الطاقة كالغذاء والصناعة والنقل وغيرها.
كما يجب على تلك الدول "غير النفطية" إدارة السياسات الاقتصادية الكلية المالية والنقدية والتجارية بشكل فعال، وإعطاء دور أكبر للقطاع الخاص، وعدم منافسة الدولة له في كثير من القطاعات.
English
Français
Deutsch
Español