بعد عام من الحرب.. هل حققت روسيا ما تريد أم وحدت الغرب في مواجهتها؟
الدوحة في 22 فبراير /قنا/ لا يبدو أن الحرب الروسية الأوكرانية التي بدأت قبل عام، قريبة من وضع أوزارها، وذلك في ظل تأكيد موسكو على استمرار عمليتها الخاصة حتى تحقيق كامل أهدافها، في الوقت الذي يواصل فيه الغرب تقديم المساعدات العسكرية إلى كييف من أجل صد الهجوم الروسي.
ومع مرور عام كامل على بدء الحرب، يفرض السؤال نفسه عما إذا كانت روسيا قد حققت ما تريد من عمليتها العسكرية ضد أوكرانيا أم إنها وحدت الغرب في مواجهتها؟ وحتى الإجابة عن هذا السؤال كانت مسار جدل كبير بين موسكو من جهة، وكييف وحلفائها من جهة أخرى، حيث تقول روسيا إن عمليتها العسكرية تسير وفق المخطط لها، فيما تؤكد أوكرانيا أنها بالمساعدات الغربية ستواصل القتال حتى تحرير كامل أراضيها.
ومنذ إعلان روسيا عن إطلاقها ما أسمته بـ "عملية عسكرية خاصة" في أوكرانيا في 24 فبراير 2022، لمنع كييف من الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي الناتو، والتزامها بالحياد العسكري، وهي تؤكد أنها لن تنهي العملية إلا بعد أن تحقق كامل أهدافها، حسب ما يردده المسؤولون الروس من تصريحات بين الحين والآخر، وكان آخرها تصريح سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسي قبل أيام.
كما وصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سير العملية العسكرية في أوكرانيا بالإيجابية، قائلا: "إن ديناميكية العملية الخاصة في أوكرانيا إيجابية وكل شيء يتطور في إطار خطة وزارة الدفاع وهيئة الأركان العامة الروسية"، مؤكدا أن العملية "تسير وفق الخطط الموضوعة لها".
ومن ضمن مقاييس موسكو، على أنها حققت جزءا مهما من أهداف عمليتها العسكرية في أوكرانيا، عندما عقدت في شهر سبتمبر الماضي، استفتاءات بشأن انضمام دونيتسك و لوغانسك و زابورويجيا و خيرسون في شرق أوكرانيا إلى الاتحاد الروسي، والتي تم التصويت عليها بغالبية عظمى لصالح قرار الانضمام. وسط إدانات دولية وتأكيدات غربية بعدم الاعتراف بهذا القرار. إلا أن موسكو ترى من خلال ضم هذه المناطق الأربع أنها أبعدت إلى حد ما حلف شمال الأطلسي الناتو عن حدودها الغربية.
وقبل نهاية العام الماضي، طرح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خطة للسلام مؤلفة من عشر نقاط، دعا من خلالها إلى سحب القوات الروسية من أراضي بلاده المعترف بها دوليا، مما يعني تخلي روسيا عن المناطق الأربع التي أعلنت ضمها، وذلك إلى جانب شبه جزيرة القرم التي ألحقتها بأراضيها في عام 2014 عقب استفتاء شعبي لقي انتقادا دوليا، إلا أن الرئاسة الروسية الكرملين أعلنت رفضها لتلك الخطة، مشددة على ضرورة أن تأخذ مقترحات إنهاء الصراع في أوكرانيا في الاعتبار ما أسمتها "حقائق اليوم" فيما يتعلق بالمناطق الأربع التي أعلنت موسكو عن ضمها.
وعلى مدى شهور الحرب، تعقدت الأمور بعض الشيء بالنسبة لروسيا، التي يصنف جيشها في المرتبة الثانية بين أقوى جيوش العالم، عندما اضطرت للانسحاب من عدة مناطق سيطرت عليها بالفعل في شرق أوكرانيا، خاصة منطقة خيرسون، وذلك بعد هجوم مضاد أوكراني كبير.
وبالعودة إلى الأيام الأولى للحرب، أصدر الرئيس بوتين، في 27 فبراير 2022، أوامر بوضع قوات الردع النووي الروسية في حالة تأهب قصوى، وذلك بعد ما أسماه "التصريحات العدوانية من دول حلف شمال الأطلسي الناتو"، لتعلن وزارة الدفاع الروسية عقب ذلك بساعات قليلة، أن قوات الثالوث النووي، التي تشمل وحدات الصواريخ الاستراتيجية وقوات الأسطول الشمالي وأسطول المحيط الهادئ، باتت في وضع استعداد قتالي وفي حالة تأهب قصوى.
وجاءت هذه الخطوة لتثير قلق الدول الغربية، حيث علقت وزارة الدفاع الأمريكية البنتاغون على هذا الأمر بقولها إنها تأخذ التهديدات الروسية باستخدام الأسلحة النووية على محمل الجد، منتقدة "تصعيد روسيا لخطابها النووي"، إلا أن دميتري بيسكوف المتحدث باسم الرئاسة الروسية الكرملين أكد أن موسكو لن تستخدم السلاح النووي "إلا في حال تعرضها لتهديد وجودي".
وعقب أقل من ثلاثة أشهر من بداية الحرب، وفي خطوة جديدة على توحد الغرب في مواجهة روسيا، قدمت فنلندا والسويد رسميا في 18 مايو الماضي، بشكل رسمي طلبي انضمامهما إلى عضوية حلف شمال الأطلسي، وذلك بعد أن أعلنتا قبلها عن إمكانية تخليهما عن وضع الحياد الذي دام لسنوات، والانضمام إلى الناتو، على خلفية العملية العسكرية الروسية ضد أوكرانيا. إلا أن تركيا رفضت ذلك قائلة على لسان وزير خارجيتها مولود تشاووش أوغلو إنه من غير المقبول للدول الراغبة في الانضمام إلى الحلف أن "تدعم تنظيمات مسلحة تستهدف تركيا"، في الوقت الذي أكدت فيه وزارة الخارجية الروسية، أن قرار انضمام البلدين إلى الناتو "لن يمر دون رد".
وبشكل يومي، تنشر وزارة الدفاع الروسية، تقريرا حول سير العملية العسكرية في أوكرانيا، تشير فيه إلى مجموع ما تم تدميره منذ 24 فبراير من العام الماضي، من طائرات حربية ومروحيات وطائرات بدون طيار ومنظومات صواريخ مضادة للطائرات، ودبابات ومدرعات وراجمات صواريخ ومدفعية ومركبات عسكرية، فضلا عن القضاء على آلاف الجنود الأوكرانيين منذ بدء العملية العسكرية الخاصة. فيما أعلن جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي قبل أيام أن القوات الروسية دمرت معظم المعدات العسكرية التي قدمها الغرب لأوكرانيا.
وعلى الجانب الآخر، ترى كييف وحلفاؤها الغربيون أن روسيا خسرت الكثير والكثير من الجنود والعتاد العسكري وسط معارك شرسة في شرق أوكرانيا، في ظل تزويد كييف بأسلحة غربية متطورة من صواريخ ذكية ودبابات، خاصة بعدما قررت الحكومة الألمانية توريد دبابات ليوبارد القتالية إلى أوكرانيا، والسماح لدول أخرى بتسليم هذه الدبابات الألمانية الصنع إلى كييف، فضلا عن المساعدات العسكرية الأمريكية من مركبات قتالية وناقلات مدرعة وصواريخ مضادة للطائرات بمليارات الدولارات، وتدريب جنود أوكرانيين عليها.
ويبدو أن المساعدات العسكرية الغربية لكييف لن تتوقف على الصواريخ والدبابات فقط، بل إن بعض المسؤولين الغربيين تحدثوا عن احتمال ارتقاء هذه المساعدات إلى مستويات تتعلق بتسليم أوكرانيا طائرات مقاتلة، خاصة بعد تصريحات ريشي سوناك رئيس الوزراء البريطاني التي قال فيها إنه "لا يمكن استبعاد أي شيء" فيما يخص توريدات طائرات مقاتلة إلى أوكرانيا. في الوقت الذي أكد فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مواصلة بلاده دعم كييف حتى النصر، وذلك وسط اتهامات من موسكو للغرب بالعمل على تصعيد الصراع في أوكرانيا من خلال تزويد كييف بمزيد من الأسلحة والمعدات العسكرية المتطورة التي تصل إلى العمق الروسي.
وحذرت روسيا الغرب من عواقب تزويد أوكرانيا بمقاتلات حربية، مؤكدة أنه بهذا السيناريو سيكون هناك "حصاد دموي" للجولة التالية من التصعيد، فضلا عن العواقب العسكرية والسياسية المترتبة على ذلك بالنسبة للقارة الأوروبية والعالم بأسره.
فيما أكد أوليكسي ريزنيكوف وزير الدفاع الأوكراني، أن الأسلحة بعيدة المدى التي وعدت الدول الغربية بتسليمها إلى كييف لن تستخدم لاستهداف الأراضي الروسية، بل لتحرير الأراضي الأوكرانية.
وحول خسائر موسكو جراء الحرب، رجحت وزارة الدفاع الأمريكية أن روسيا خسرت نصف دباباتها القتالية في حربها على أوكرانيا، إما عبر التدمير أو باستيلاء الأوكرانيين عليها. في الوقت الذي قال فيه بن والاس وزير الدفاع البريطاني، إنه على الرغم من التفوق العسكري الروسي من حيث السلاح والعتاد وعدد القوات بالنسبة لأوكرانيا، إلا أن كييف كبدت القوات الروسية خسائر فادحة. فمع بدايات العام الجاري، أعلنت وزارة الدفاع الروسية، التي نادرا ما تكشف عن عدد الضحايا من جنودها في المعارك، مقتل 89 من قواتها بعد قصف أوكراني استهدف نقطة توزيع مؤقت للقوات الروسية في منطقة ماكييفكا، حيث لفتت الوزارة آنذاك إلى أن كييف تمكنت من تحديد الموقع المستهدف بعد استخدام الجنود الروس الهواتف المحمولة بشكل مكثف "رغم حظر ذلك"، ما سمح للقوات الأوكرانية بتحديد الإحداثيات وتوجيه الضربة الصاروخية، والتي تعتبر أعلى حصيلة للقتلى الروس يتم الكشف عنها من قبل موسكو، في عملية قصف أوكرانية واحدة. ما اضطر روسيا لرد انتقامي أعلنت من خلاله القضاء على أكثر من 600 عسكري أوكراني.
وقبل نحو شهر، تحدثت هيئة أركان القوات المسلحة الأوكرانية، عن مقتل أكثر من 120 ألف جندي روسي منذ بدء الحرب، فضلا عن تدمير 287 طائرة، و277 مروحية، و17 سفينة حربية، و1886 طائرة مسيرة، و749 صاروخا من طراز كروز، و17 سفينة وقاربا، وقرابة 5 آلاف من المركبات وخزانات الوقود، بالإضافة إلى 193 من وحدات المعدات الخاصة.
وعلى مدار الأشهر الماضية، بادرت عدة دول غربية بالإعلان عن طرد دبلوماسيين روس، في إطار العقوبات المفروضة على موسكو جراء استمرار عملياتها العسكرية ضد أوكرانيا، بينما ردت روسيا عليها بالمثل.
ويأتي كل ذلك في ظل عقوبات اقتصادية غربية هائلة ضد روسيا، استهدفت جميع القطاعات، والتي من ضمنها أيضا تحديد سقف لأسعار المنتجات النفطية الروسية، والتي هددت موسكو باتخاذها إجراءات للرد على الخطوة.
بالمقابل، تعرض العديد من المدن الأوكرانية لدمار واسع، بعدما أدت عمليات القصف الروسي إلى تدمير البنية التحتية بشكل كامل للكثير من المناطق، كما تسببت الحرب في نزوح ملايين المدنيين الأوكرانيين إلى أوروبا. فضلا عن أن 17.6 مليون شخص، أي ما يقرب من 40 بالمئة من سكان أوكرانيا، بحاجة إلى المساعدات الإنسانية، بحسب ما قال مارتن غريفيثس منسق الأمم المتحدة للإغاثة في حالات الطوارئ.
وفيما يوصف بأنه أقوى دعم معنوي أمريكي لأوكرانيا بخلاف العسكري والمادي، قام الرئيس الأمريكي جو بايدن قبل أيام من الذكرى الأولى لبدء العملية العسكرية الروسية، بزيارة إلى كييف التقى خلالها نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، والذي أعلن خلالها عن مساعدة إضافية بقيمة نصف مليار دولار لأوكرانيا، قبل أن يتوجه إلى العاصمة البولندية وارسو، حيث أكد في تصريحات هناك أن دعم الولايات المتحدة لأوكرانيا "ثابت ولا يتزعزع"، مشددا على أن حلف شمال الأطلسي أصبح "أقوى من أي وقت مضى".
وفي خطاب يؤكد على أن العلاقات بين موسكو وواشنطن تمر بأسوأ حالاتها، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يوم الثلاثاء الماضي أمام الجمعية الفيدرالية بمناسبة الذكرى الأولى لبداية العملية العسكرية في أوكرانيا، تعليق مشاركة بلاده في معاهدة الأسلحة الهجومية الاستراتيجية ستارت، متهما الغرب بأنه هو من أطلق العنان للحرب في أوكرانيا.
ولا شك أن الطرفين الروسي والأوكراني، تكبدا خسائر بشرية وعسكرية ومالية هائلة خلال الـ12 شهرا من المعارك المستمرة، التي تخللها لمرة واحدة فقط منذ بدء الحرب، هدنة واسعة النطاق على طول خط التماس وجبهات القتال بين الطرفين امتدت لست وثلاثين ساعة، أعلنت عنها روسيا من طرف واحد، بمناسبة احتفالات عيد الميلاد.
ولم تكن روسيا وأوكرانيا هما الخاسرتان الوحيدتان فقط من الحرب التي أدخلت العالم في أزمة غير مسبوقة لا تزال مستمرة، وهددت بحدوث أزمة غذاء عالمية، بسبب الحصار البحري الروسي المفروض على الموانئ الأوكرانية المطلة على البحر الأسود، لكن اتفاقا تم التوصل إليه في شهر يوليو الماضي بوساطة تركيا والأمم المتحدة، سمح لأوكرانيا باستئناف تصدير إنتاجها الوفير من الحبوب تدريجيا.
وفي النهاية، ومع بدء دخول الحرب الروسية الأوكرانية لعامها الثاني، يبقى السؤال الذي يثار بالأذهان هل حققت روسيا ما تريد أم وحدت الغرب في مواجهتها؟!
/قنا/
English
Français
Deutsch
Español